مع اعتماد البث التلفزيوني والإنترنت والاتصالات والملاحة على الأقمار الصناعية، قد يبدو انقطاع الإشارة المفاجئ وكأنه عطل تقني، لكنه أحيانا يكون نتيجة ظاهرة فلكية طبيعية تعرف باسم التداخل الشمسي (Solar Outage).
وتحدث عندما تقع الشمس والقمر الصناعي والهوائي الأرضي على خط رؤية واحد تقريبا، فتصل إلى الهوائي إشعاعات شمسية قوية في النطاق نفسه الذي يستقبل فيه الإشارة الفضائية.
وتخيل شخصا يحاول سماع متحدث هادئ بينما يقف خلفه مكبر صوت شديد القوة، والمتحدث هو القمر الصناعي، والأذن هي الهوائي الأرضي، أما الشمس فهي مصدر الضوضاء الذي يطغى على الإشارة الضعيفة.
ولا يتعلق الأمر بانفجار شمسي أو عاصفة شمسية، بل بالضوء والإشعاع الراديوي الطبيعي الصادر باستمرار عن الشمس. وتؤكد الهيئات المختصة أن النشاط الشمسي يمكن أن يؤثر في الاتصالات والملاحة والأقمار الصناعية بطرق مختلفة، لكن التداخل الشمسي هنا سببه الاصطفاف الهندسي بين الأجرام والهوائي.
يظهر هذا التداخل بصورة منتظمة خصوصا حول الاعتدال الربيعي والخريفي, عندما تعبر الشمس مستوى خط الاستواء السماوي. وتصبح الشمس تلك الفترة أمام الأقمار الصناعية الثابتة بالنسبة للأرض كما تُرى من بعض المحطات الأرضية، فتدخل مباشرة أو قريبا جدا من حزمة استقبال الهوائي.
وتعد الأقمار الموجودة في المدار الثابت بالنسبة إلى الأرض الأكثر ارتباطا بهذه الظاهرة، لأنها تدور فوق خط الاستواء على ارتفاع يقارب 36 ألف كيلومتر، وتكمل دورة حول الأرض في نحو 24 ساعة، فتبدو من الأرض في موضع ثابت تقريبا. وهذا يجعل اتجاه الهوائي إليها ثابتا، وبالتالي يمكن حساب الأيام والأوقات التي تمر فيها الشمس أمامها.
أما مدة التداخل فتختلف بحسب موقع المحطة الأرضية وحجم الهوائي والتردد المستخدم، لكنها عادة لا تستمر طويلا. ولهذا يمكن لمشغلي الأقمار التنبؤ بموعدها مسبقا واتخاذ إجراءات للتعامل معها.
يتركز التأثير المعروف للتداخل الشمسي في خدمات الأقمار الثابتة، مثل البث التلفزيوني وبعض خدمات الاتصالات. أما أقمار المدار الأرضي المنخفض، التي تدور على ارتفاعات تصل عادة إلى نحو 2000 كيلومتر، فتتحرك بسرعة كبيرة بالنسبة إلى المحطة الأرضية، ولذلك لا تواجه النمط الموسمي نفسه من التداخل.
وتختلف درجة التأثر أيضا باختلاف التردد، وتستخدم الاتصالات الفضائية نطاقات راديوية متعددة، من بينها نطاق "سي باند" (C-band) ونطاق "كيه يو باند" (Ku-band) ونطاق "كيه إيه باند" (Ka-band).
وعندما تقع الشمس داخل حزمة استقبال الهوائي، ترفع إشعاعاتها مستوى الضوضاء، فتتراجع نسبة الإشارة إلى الضوضاء حتى يعجز المستقبل عن تمييز الإشارة بوضوح.
وفي البث الفضائي المنزلي، تستخدم خدمات كثيرة نطاق "كيه يو" ولذلك قد يلاحظ المشاهد تقطعا في الصورة أو الصوت لبضع دقائق عندما تتزامن الشمس مع اتجاه القمر الصناعي.
لا يستطيع مشغلو الأقمار الصناعية منع الشمس من الظهور في خط الرؤية، لكنهم يستطيعون حساب توقيت التداخل مسبقا بدقة، ثم تصميم أنظمة الاتصالات بهوامش مناسبة للتعامل مع ارتفاع الضوضاء. وقد تشمل الحلول استخدام تقنيات ترميز وتضمين أكثر تحملا، أو الاستعانة بمسارات أو أقمار بديلة في الشبكات التي تسمح بذلك.
وتكمن أهمية فهم الظاهرة في أنها تفسر للمستخدم سببا طبيعيا ومؤقتا لبعض حالات فقدان الإشارة، بدلا من افتراض وجود عطل في القمر الصناعي أو جهاز الاستقبال.
وفي عالم يعتمد بصورة متزايدة على الفضاء، تكشف ظاهرة بسيطة كهذه مدى حساسية البنية التحتية الحديثة لحركة الأجرام السماوية، وتذكرنا بأن استمرار الاتصالات الفضائية يتطلب فهما دقيقا للبيئة التي تعمل فيها الأقمار الصناعية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة