في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قد تبدو السمكة الذهبية كائنا أليفا وغير مؤذ، وقد يبدو إطلاقها في بركة أو بحيرة تصرفا لطيفا وغير ضار وينم عن الرحمة. ومع ذلك، قد تتحول -بمجرد مغادرتها حوض الأسماك- من سمكة زينة بريئة إلى مصدر تهديد بيئي خطير، خاصة عند إطلاقها عمدا في الأنهار والبحيرات والبرك أو هروبها دون قصد إلى البيئات الطبيعية.
وأظهرت دراسة جديدة نُشرت في مجلة "جورنال أوف أنيمال إيكولوجي" (Journal of Animal Ecology)، أن هذه السمكة الشائعة في المنازل والفصول الدراسية والبرك المنزلية في العالم يمكن أن تحدث تأثيرات عميقة في النظم البيئية للمياه العذبة، وتحولها من بيئات صحية قادرة على دعم الحياة المحلية إلى أنظمة متدهورة تعاني من اختلالات بيئية واسعة النطاق.
وتوفر الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعتي توليدو وميزوري الأمريكيتين، بعض أقوى الأدلة التجريبية المتاحة حتى الآن على أن السمكة الذهبية الغازية قادرة على إحداث اضطرابات واسعة النطاق. وتحمل نتائجها رسالة تحذيرية مهمة لمربي الحيوانات الأليفة ومديري الحياة البرية وصناع القرار في مختلف أنحاء العالم.
هدفت الدراسة إلى اختبار فرضية طالما اعتبرت صحيحة نظريا دون أن تُقاس بشكل مباشر ودقيق، وهي ما إذا كانت الأسماك الذهبية قادرة بالفعل على تغيير عمل البحيرات ووظائفها البيئية بمجرد دخولها إلى البيئات الطبيعية.
وللتحقق من ذلك، أنشأ الباحثون أحواضا مائية عذبة تجريبية كبيرة صُممت لمحاكاة ظروف البحيرات الطبيعية، ثم أدخلوا إليها أسماكا ذهبية، وراقبوا تأثيراتها في أنواع مختلفة من البحيرات مع مرور الوقت.
ودرس الفريق أنظمة تجريبية تمثل حالتين شائعتين من بيئات المياه العذبة: البيئات الأوليغوتروفية، وهي بحيرات فقيرة بالمغذيات، وتتميز عادة بمياه صافية ومستويات منخفضة من الإنتاجية الحيوية، والبيئات اليوتروفية، وهي بحيرات غنية بالمغذيات، وتكون أكثر عرضة لازدهار الطحالب وتدهور جودة المياه.
وفي كلتا البيئتين، وعلى الرغم من اختلاف طبيعة التأثيرات بين أنواع البحيرات التي خضعت للتجربة، تسببت السمكة الذهبية في اضطرابات بيئية كبيرة بكليهما، مما يعني أن أي نظام بيئي للمياه العذبة ليس محصنا بالكامل ضد التأثيرات التي تسببها هذه الأسماك.
وأظهرت الدراسة أن وجود السمكة الذهبية أدى إلى تدهور سريع في جودة المياه. ففي الأنظمة الغنية بالمغذيات، تسببت هذه الأسماك في انخفاض حاد في شفافية المياه، في حين ارتفعت مستويات الجسيمات العالقة بصورة حادة، وهو ما يشير إلى حدوث تحول بيئي واسع النطاق مرتبط بتراجع صحة البحيرة.
ويوضح الأستاذ في كلية الزراعة والغذاء والموارد الطبيعية بجامعة ميزوري، الدكتور ريك ريليا، أحد المشاركين في تأليف الدراسة أن "الأسماك الذهبية المطلقة في الطبيعة تقوم أثناء بحثها عن الغذاء بنبش رواسب القاع باستمرار، مما يؤدي إلى تعكير المياه وإطلاق المغذيات المختزنة في القاع، وهو ما يهيئ الظروف لازدهار الطحالب بصورة مفرطة".
وبحسب قوله للجزيرة نت، فإن تأثير هذه الأسماك لا يتوقف عند هذا الحد، إذ تستهلك أعدادا كبيرة من الفرائس المحلية، وتنافس الأسماك الأصلية على الغذاء والمساحة والموارد المتاحة، مما يؤدي إلى تراجع الحالة الجسمية العامة للأسماك المحلية، وهو مؤشر مهم يُستخدم لتقييم صحة التجمعات السمكية وقدرتها على البقاء على المدى الطويل.
أما البحيرات الفقيرة بالمغذيات، فلم تكن بمنأى عن التأثيرات السلبية رغم اختلاف آليات التأثير. فقد سجل الباحثون تراجعا ملحوظا في أعداد الكائنات المائية المحلية -من بينها القواقع والقشريات الأمفيبودية والعوالق الحيوانية- عبر مستويات غذائية متعددة.
وتؤدي هذه الكائنات الصغيرة دورا أساسيا في الحفاظ على سلامة الشبكات الغذائية للمياه العذبة، إذ تشكل قاعدة يعتمد عليها العديد من الكائنات الأخرى، لكنها تأثرت نتيجة الافتراس المباشر من قبل السمكة الذهبية واضطراب الموائل الطبيعية التي تعتمد عليها هذه الكائنات، مما يدل على أن هذه الأسماك تحدث اضطرابات واسعة في الشبكات الغذائية، ولا يقتصر تأثيرها على بيئة أو مجموعة كائنات بعينها.
ويرى ريك، وهو مدير معهد جوني موريس للمصايد والأراضي الرطبة والأنظمة المائية في جامعة ميزوري، أن "هذه النتائج لا تدعم الاعتقاد بأن بعض البحيرات تتمتع بمناعة طبيعية ضد غزو السمكة الذهبية، فقد أظهرت التجارب أنها ألحقت أضرارا كبيرة بكل من البيئات الفقيرة بالمغذيات والغنية بها، ولم ينجُ أي منهما من تأثيراتها السلبية".
لفهم تأثيرات السمكة الذهبية بصورة أدق، اعتمد الباحثون على نوعين من التصميمات التجريبية: الإضافة، حيث أضيفت الأسماك الذهبية إلى المجتمعات السمكية الموجودة مسبقا، والإحلال أو الاستبدال، حيث استُبدلت كتلة حيوية مكافئة من الأسماك المحلية بأسماك ذهبية.
وأتاح هذا النهج المزدوج للباحثين التمييز بين التأثيرات الناتجة عن وجود السمكة الذهبية نفسها وتلك المرتبطة بزيادة أعداد الأسماك بصورة عامة في النظام البيئي.
وأكدت النتائج أن أشد الاضطرابات البيئية كانت ناجمة مباشرة عن وجود السمكة الذهبية نفسها، وأن بعض التغيرات التي طرأت على الغطاء النباتي المائي كانت مرتبطة بالكثافة الإجمالية للأسماك.
كما وثقت الدراسة ظاهرة تُعرف في علم البيئة باسم "التحول في حالة النظام البيئي"، وهي تغير مفاجئ وعميق قد يقود النظام البيئي إلى حالة متدهورة يصعب أو يستحيل عكسها.
ويوضح ريك أن هذه الظاهرة تمثل النقطة التي يتجاوز فيها النظام البيئي حدا حرجا يؤدي إلى إعادة تنظيمه سريعا في صورة مختلفة جذريا عن حالته الأصلية، وغالبا ما تكون أقل استقرارا وأكثر تدهورا.
ويشير إلى أن "إعادة البحيرات إلى حالتها السابقة بعد حدوث هذا التحول تتطلب جهودا وتكاليف كبيرة، وهو ما يجعل الوقاية ومنع انتشار السمكة الذهبية أكثر فاعلية وأقل تكلفة من محاولة إصلاح الأضرار بعد وقوعها".
لا تزال تجارة الحيوانات الأليفة العالمية تنقل الأنواع المائية بين القارات بمعدلات غير مسبوقة، وتعد السمكة الذهبية من أكثر هذه الأنواع انتشارا في العالم، فهي تُباع بأسعار منخفضة، وتُربى على نطاق واسع، مما يجعل عمليات إطلاقها المتعمد أو غير المقصود في الطبيعة أمرا شائعا نسبيا.
ويقول ريك إن "السمكة الذهبية، سواء أُطلقت عمدا في الطبيعة أو هربت دون قصد خلال الفيضانات، تنتشر وتنمو بسرعة لتصبح أسماكا كبيرة الحجم تتغذى بالقرب من القاع، وتؤسس تجمعات غازية مستقرة".
ويوضح أن "حوض الأسماك المنزلي والبحيرة الطبيعية يمثلان بيئتين مختلفتين تماما، لكن السمكة لا تميز بينهما"، لافتا إلى أن "الأسماك التي تنجو في الطبيعة تنمو إلى أحجام تفوق بكثير تلك التي يراها الناس في متاجر الحيوانات الأليفة، ويعد هذا النمو الكبير أحد الأسباب الرئيسية وراء حجم التأثيرات البيئية التي تحدثها".
ويقول إن "السمكة الذهبية تتمتع بقدرة استثنائية على التكيف والبقاء، لكن هذه الميزة تتحول إلى عامل تدمير واسع النطاق عندما تدخل نظاما بيئيا لم يتطور تاريخيا للتعايش معها". ويؤكد أن إطلاقها في الطبيعة بدافع الشفقة أو حسن النية لا يمنع ما قد يترتب على ذلك من أضرار بيئية واسعة.
ويرى أستاذ العلوم أن الجمع بين الانتشار الواسع لهذه الأسماك وقدرتها على إحداث أضرار بيئية واسعة يجعلها تستحق اهتماما أكبر بكثير من الجهات التنظيمية والبيئية، ويبرر التعامل معها بوصفها نوعا غازيا ذا أولوية عالية في برامج الإدارة البيئية.
يدعو الباحثون الجهات المسؤولة عن إدارة الموارد الطبيعية إلى تعزيز إجراءات الوقاية ومنع الإطلاق في البيئات الطبيعية وتطوير برامج الرصد والاكتشاف المبكر للتجمعات الغازية وتطبيق إجراءات السيطرة والمكافحة قبل استقرار التجمعات البرية وانتشارها.
كما يؤكدون ضرورة تكثيف حملات التوعية العامة حتى يدرك أصحاب الحيوانات الأليفة العواقب البيئية المترتبة على إطلاق الكائنات المائية في المجاري المائية الطبيعية.
وبالنسبة للأشخاص الذين لم يعودوا قادرين أو راغبين في الاحتفاظ بأسماكهم الذهبية أو أي حيوانات مائية أليفة، ينصح ريك بإعادتها إلى متجر الحيوانات الأليفة أو منحها لهواة تربية أسماك الزينة الآخرين أو التواصل مع الجهات المحلية المختصة بالحياة البرية للحصول على الإرشادات المناسبة.
ويختم حديثه بالتأكيد على أن الوقاية تظل الخيار الأكثر فاعلية والأقل تكلفة لمواجهة انتشار الأنواع الغازية، مشددا على أن الامتناع عن إطلاق أسماك الزينة في الطبيعة يمثل خطوة أساسية لحماية النظم البيئية للمياه العذبة والحفاظ على تنوعها الحيوي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة