قد يكون كوكب عطارد قد انكمش خلال تاريخه أكثر بكثير مما كان يعتقد العلماء، إذ تشير دراسة جديدة إلى أن مقدار تقلصه ربما يزيد بنسبة تتراوح بين 10% و30% على التقديرات السابقة، ليصل الانكماش في قطره إلى نحو 23 كيلومترا، وهو ما يقدم مفتاحا جديدا لفهم تطور باطن الكوكب وتاريخ حرارته.
وتمكن الباحثون من الوصول إلى هذه النتيجة عبر إعادة تحليل التضاريس التي تركها انكماش عطارد على سطحه، مع الأخذ في الاعتبار تأثير مليارات السنين من اصطدامات الكويكبات والنيازك. واعتمد الباحثون في تحليلهم على خرائط وبيانات سطح عطارد التي جمعتها مركبة "ماسنجر" التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية ( ناسا) والتي دارت حول الكوكب بين عامي 2011 و2015.
ويعرف العلماء منذ عقود بأن عطارد يتقلص مع تبرد باطنه منذ نشأته قبل نحو 4.5 مليارات سنة. فعندما يبرد الجزء الداخلي من الكوكب، تنكمش مواده، وينعكس ذلك على القشرة الخارجية في صورة ارتفاعات وتلال وأخاديد تُعرف باسم تراكيب التقصير (shortening structures).
ويمكن تشبيه هذه التضاريس بالتجاعيد التي تظهر على سطح جسم يتقلص حجمه. لكن المشكلة أن سطح عطارد تعرض طوال تاريخه لقصف هائل بالفوهات والحطام، مما أدى إلى طمس بعض هذه "التجاعيد" وجعل رصدها أصعب.
ركزت الدراسة الجديدة، التي نشرت في دورية "رسائل البحوث الجيوفيزيائية " (Geophysical Research Letters) على خشونة سطح عطارد وتأثيرها في قدرة العلماء على تحديد تراكيب الانكماش. ووجد الباحثون أن المناطق الأكثر خشونة، ولا سيما تلك التي تعرضت لقصف شديد، يمكن أن تخفي كثيرا من التضاريس التي نشأت نتيجة تقلص الكوكب.
وبعد أخذ هذا العامل في الحسبان، خلص الباحثون إلى أن عطارد ربما فقد من حجمه بسبب التبريد والانكماش مقدارا أكبر بنسبة 10% و30% مما أشارت إليه تقديرات سابقة.
وكان عالم الكواكب "بول بيرن" -من جامعة واشنطن في سانت لويس- قد عرض في مؤتمر علمي عام 2013 نتائج تشير إلى أن عطارد انكمش بنحو 11 كيلومترا، بينما تقترح الدراسة الجديدة أن الانكماش ربما بلغ 23 كيلومترا، مع احتمال أن يكون الرقم الحقيقي أكبر، لأن البيانات المتاحة عن سطح الكوكب لا تزال غير مكتملة.
وقال غاكو نيشياما، الباحث في علم الكواكب في المركز الألماني للطيران والفضاء، والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن إعادة تقدير انكماش عطارد قد تقود إلى تصور مختلف لتطوره الحراري، مشيرا إلى أن السؤال التالي هو معرفة ما الذي يعنيه هذا التقدير الجديد بالنسبة إلى تطور الكوكب عبر الزمن.
تكمن أهمية النتيجة في أن العلماء لا يستطيعون بسهولة معرفة ما يجري تحت سطح عطارد مباشرة. فالكوكب الأقرب إلى الشمس يصعب الوصول إليه بالمركبات الفضائية بسبب الظروف المدارية القاسية، كما أن رصده من الأرض ليس سهلا بسبب سطوع الشمس القريب منه.
وحتى الآن لم تهبط مركبة على سطحه لدراسة طبقاته الداخلية مباشرة، ولذلك يعتمد الباحثون بدرجة كبيرة على الصور والبيانات التي تجمعها المركبات الفضائية من مداره.
ويرى بيرن أن الطريقة الجديدة تمثل زاوية إضافية لفهم التاريخ الجيولوجي لعطارد من بعيد، لأنها تأخذ في الاعتبار أثر مليارات السنين من الاصطدامات التي غطت سطحه بالفوهات والحطام. ويعتقد بيرن أن النتائج، إذا تأكدت، ستساعد العلماء على التقدم خطوة في دراسة الكواكب التي لا يستطيع البشر زيارتها مباشرة.
ولا تقتصر أهمية الفكرة على عطارد، إذ يرى بيرن أن أجساما أخرى في النظام الشمسي، مثل القمر والمريخ، قد تحمل بدورها آثارا مشابهة للانكماش.
وهكذا يكشف "تجعد" صغير على سطح عالم بعيد قصة طويلة عن تبريد باطنه وتغيره عبر مليارات السنين، ويذكرنا بأن فهم الكواكب لا يتطلب دائما الوصول إليها، بل يمكن أن تبدأ القصة من قراءة دقيقة لآثار الزمن على سطحها.
ويظل هذا النوع من البحث مثالا على قيمة العلم في استخراج معلومات عن عوالم لا نستطيع لمسها، وعلى أهمية الاستكشاف العلمي في كشف تاريخ النظام الشمسي وفهم كيفية تطور الكواكب من الداخل إلى الخارج.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة