تخيّل أن تدخل غرفة تضم مركبة فضائية بملايين الدولارات، فتجد أن هاتفك ممنوع، وملابسك العادية ممنوعة، وحتى الكاميرا التي تحملها لا يُسمح لها بالدخول إلا بعد فحصها وتنظيفها بعناية.
قد يبدو الأمر مبالغة، لكنه في منشأة "معالجة الحمولات الخطرة" (Payload Hazardous Servicing Facility- PHSF) التابعة لناسا في مركز كينيدي للفضاء بفلوريدا جزء من العمل اليومي؛ لأن ذرة غبار أو شعرة أو ألياف صغيرة قد تكون أكثر مما تحتمله بعض الأجهزة الفضائية الحساسة.
منذ نحو 4 عقود، تؤدي المنشأة دورا خفيا في برامج الاستكشاف الفضائي، إذ تستقبل المركبات في مراحلها الأخيرة قبل الإطلاق، وتوفر بيئة تجمع بين النظافة الصارمة وإجراءات التعامل مع المواد الخطرة. وفيها يمكن إجراء الفحوص النهائية، ودمج الأنظمة، والتزود بالوقود، وتجهيز المركبة للانتقال إلى الصاروخ.
ومن بين المهمات التي مرت بمراحل معالجة داخل هذه المنشأة مركبة "كاسيني" التي توجهت إلى زحل، ومسبار "نيو هورايزونز" الذي وصل إلى بلوتو، ومهمات أخرى استكشفت المريخ والكويكبات.
وكانت آخر المهمات التي استقبلتها منذ أيام تلسكوب "نانسي غريس رومان" الفضائي، وهو ما يوضح أن هذا الموقع القديم ما زال يؤدي دورا مهما في مهمات الجيل الجديد.
المفارقة أن أحد أكبر مصادر الخطر داخل هذه البيئة ليس مادة كيميائية أو قطعة معدنية، وإنما الإنسان نفسه. يقول ريان بومر -مدير تكامل موقع الإطلاق في برنامج خدمات الإطلاق التابع لناسا بمركز كينيدي- إن "أحد أكبر مصادر التلوث للمركبة الفضائية هو الناس".
فالإنسان يحمل معه باستمرار جزيئات من الجلد والشعر والغبار والألياف، وهي أشياء لا تكاد تثير الانتباه في حياتنا اليومية، لكنها قد تصبح مشكلة حقيقية عندما تكون المركبة معدة لأجهزة دقيقة أو لمهمة علمية تتطلب قياسات خالية من التلوث. ولهذا يرتدي العاملون ملابس مخصصة للغرف النظيفة، تشمل أغطية الأحذية والقفازات وأغطية الشعر، وتخضع الأدوات والمعدات التي تدخل إلى المنطقة لإجراءات تنظيف وفحص.
حتى الصحفيون والمصورون لا يدخلون بالطريقة المعتادة. فقد فرضت ناسا في زيارات إعلامية سابقة قيودا على المعدات الشخصية، ومنعت الهواتف المحمولة وبعض الأدوات والأغراض من دخول المنطقة النظيفة، بينما كان يُسمح بإدخال معدات التصوير بعد فحصها وتنظيفها بمواد مناسبة. والهدف ليس منع التصوير، بل منع المعدات نفسها من أن تصبح مصدرا للتلوث.
تزداد صرامة هذه الإجراءات عندما تكون المهمة العلمية شديدة الحساسية. ففي مهمة "أوزيريس-ريكس"، التي حملت عينات من الكويكب "بينو" إلى الأرض، كان الحفاظ على نقاء البيئة جزءا من قيمة المهمة العلمية نفسها؛ لأن أي مادة أرضية قد تدخل إلى العينة يمكن أن تربك العلماء عند تحليلها.
ولهذا لا تعني النظافة هنا أن تبدو الغرفة لامعة، بل أن تتم السيطرة على ما يدخل إليها وما يخرج منها، وعلى الهواء والملابس والأدوات وحركة الأشخاص.
وفي حالة تلسكوب رومان، طورت ناسا تجهيزات المنشأة استعدادا للمتطلبات الخاصة بالمهمة، بما في ذلك أنظمة ترشيح للهواء وإجراءات إضافية للحد من الجسيمات.
وفي النهاية، تكشف منشأة "معالجة الحمولات الخطرة" جانبا غير مرئي من استكشاف الفضاء؛ فالرحلة التي تبدأ بصاروخ ضخم قد تعتمد قبل ذلك على انضباط شديد داخل غرفة هادئة، وعلى فريق يعرف أن ما يبدو للعين مجرد غبار أو شعرة قد يصبح خطرا على جهاز صُمم ليعمل ملايين الكيلومترات بعيدا عن الأرض.
هنا تصبح الدقة جزءا من التكنولوجيا نفسها، ويصبح احترام أصغر التفاصيل شرطا للوصول إلى أكبر الاكتشافات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة