آخر الأخبار

سر الزلازل القاتلة.. هل تغيرت طبيعة الأرض من تحتنا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في مساء يوم 24 يونيو/حزيران 2026، كانت فنزويلا تقضي عطلة وطنية في ذكرى معركة كارابوبو التي رسمت بداية استقلال البلاد عن إسبانيا. الكثير من السكان فضلوا البقاء في منازلهم للاستمتاع بالمساء اللطيف استعدادا ليوم عمل مرهق في الغد، لكن الأرض كان لها رأي آخر، حيث اهتزت بعنف عند الساعة 6:04 مساء بالتوقيت المحلي، ثم بعد 39 ثانية فقط جاءت هزة ثانية أشد، فتحول المساء الهادئ في لحظات إلى مشهد من الفوضى، اندفع السكان من المباني المتمايلة إلى الشوارع، فيما انهارت منشآت تماما وأصيبت أخرى بأضرار جسيمة.

كانت كاراكاس من أكثر المناطق تضررا، إلى جانب ولاية لا غوايرا الساحلية، حيث انهارت 80% من المنازل هناك، ولذلك وصفتها السلطات لاحقا بأنها منطقة منكوبة. سجل الحدثان المتتاليان قوة زلزالية بلغت 7.2 و7.5 درجة على المقياس، في زلزال مزدوج يعد الأشرس منذ أكثر من قرن، مخلفا أكثر من 6300 قتيل، مع بقاء عشرات الآلاف في عداد المفقودين.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الدرس الذي لم تتعلمه إسرائيل عن لبنان في 100 عام
* list 2 of 2 يوم دفعت الولايات المتحدة الجزية للجزائر وليبيا end of list

لم يكن حادث فنزويلا معزولا، بل جاء فيما يبدو أنه "سياق مستمر"، أو حلقة في سلسلة أحداث، لو رتبتها تباعا، لكانت أشبه بسجل مظالم لكوكب الأرض، فقبل نحو أسبوعين من هذا الحدث، في 8 يونيو/حزيران، ضرب زلزال بقوة 7.8 درجة سواحل سارانجاني جنوب الفلبين، وهو من أقوى الزلازل التي ضربت البلاد منذ نصف قرن، وسجل معهد علم البراكين والزلازل الفلبيني أمواج تسونامي بارتفاع متر تقريبا على طول الساحل.

وفي 28 يوليو/تموز، ضرب زلزال بقوة 7.1 درجة محافظة كوماموتو في جزيرة كيوشو اليابانية، وبلغ عدد القتلى 39 في الحصيلة النهائية. ثم بعد ستة أيام، في تمام الساعة 3:00 فجرا بتوقيت القاهرة يوم الاثنين 3 أغسطس/آب، ضرب زلزال آخر خليج السويس، بلغت قوته 5.6 درجة. لم تسجل أي وفيات، لكن مئات الآلاف من الأشخاص في القاهرة والدلتا ومدن القناة استيقظوا على وقع الهزة، وشعر بها سكان مناطق بعيدة مثل غزة والأردن ولبنان، في نطاق يمتد لحوالي 400 كيلومتر.

"مع تواتر أخبار الزلازل، قد يعُذر المرء لو استنتج أن شيئا ما تغير، أو أن الكوكب دخل مرحلة أكثر عنفا"

وأخيرا يأتي زلزال كولومبيا في 10 أغسطس/آب، بقوة 7.4 درجة، وكان مركزه في مقاطعة تشوكو غربي البلاد. تسبب الزلزال في انهيار مبان سكنية وأضرار واسعة بالبنية التحتية، فيما بلغت حصيلة الضحايا 265 قتيلا حتى الآن. انتشرت مقاطع فيديو الزلزال كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل العالمية، وكانت مرعبة حقا، مبان تتهدم، واهتزاز شديد جدا لا تستطيع معه حتى أن تقف في الشارع، وهروب للناس في كل مكان.

إعلان

وبالنظر إلى سجلات السنوات القليلة الماضية، يزداد الشعور بالرعب من تكرار الأخبار التي تتحدث عن زلازل قاسية، وصولا إلى ذكرى كارثية ما زالت تهيمن على العقد كله، تتمثل في زلزال كهرمان مرعش في فبراير/شباط 2023، الذي أودى بحياة ما بين 59 إلى 62 ألف شخص في تركيا وسوريا، وجعل ذلك العام الأكثر دموية من حيث الزلازل، منذ عام 2010.

هنا قد يعُذر المرء لو استنتج أن شيئا ما قد تغير، وأن الكوكب قد دخل مرحلة أكثر عنفا، وأن الزلازل أصبحت أكثر تواترا. يدفعنا ذلك للبحث في دفاتر العلماء والتساؤل: هل حقا نعيش في عالم تزداد أعداد الزلازل فيه عاما بعد عام؟

متوسطات واضحة

حسنا لندع العواطف جانبا ونفكر بطريقة علمية. ونبدأ مع الإحصاء، حيث يتوقع المركز الوطني لمعلومات الزلازل التابع لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، بالاستناد إلى أكثر من قرن من السجلات الآلية، حدوث نحو 16 زلزالا كبيرا حول العالم في العام، تقسم إحصائيا إلى حوالي 15 زلزالا بقوة تتراوح حول 7 درجات، وزلزال واحد بقوة 8 درجات أو أكثر.

في الفترة بين عامي 2000 و2009 كان متوسط الزلازل الكبرى السنوي 14.5 زلزالا، ثم في العقد الذي يليه قفز المتوسط إلى 16.1 زلزالا، ثم في العقد التالي (الحالي) أصبح المتوسط 14 زلزالا (إلى الآن)، يتأكد ذلك أيضا لو قررنا فحص عدد الزلازل فوق 6 درجات على المقياس، حيث كانت 158.7 زلزالا في العقد الأول من القرن الحالي، ثم انخفضت إلى 149.5 زلزالا في العقد التالي، ثم انخفاض أكثر إلى 132.7 زلزالا خلال العقد الحالي، الذي لم ينته بعد. لاحظ أن عدد الزلازل السنوية يزيد كلما انخفض المقياس، وهذا من حسن حظنا نحن البشر، فهناك آلاف الزلازل تمر بنا سنويا، لكن لا نشعر بها.

يعني ذلك أن الأمر لم يقتصر على عدم وجود زيادة في عدد الزلازل المتوسطة إلى الكبيرة خلال العقد الحالي، بل شهدنا انخفاضا طفيفا مقارنة بالعقدين السابقين، إلا أن هذا الانخفاض لا يفترض شيئا، هو فقط خط سير طبيعي للأحداث، فتزيد قليلا عن المتوسط أو تنخفض قليلا. لاحظ أن الزلازل التي تبلغ قوتها 6 درجات فأكثر هي صاحبة السجلات العلمية الأكثر اكتمالا وموثوقية في سجلات الزلازل العالمية على مدى فترات زمنية طويلة، بمعنى أن الزلازل الأخف لا ترصد في كل الأحوال. يعني ذلك أن الإحصاء سليم إلى حد كبير.

مصدر الصورة إلى الآن تظل معدلات الزلازل ثابتة تقريبا (شترستوك)

سنة بسنة

الآن دعنا ندقق النظر بشكل أكبر، ونتأمل التباين السنوي بين الزلازل، ففي عام 2010 مثلا، سجل العالم 23 زلزالا بقوة 7 درجات بالإضافة إلى زلزال واحد بقوة تزيد عن 8 درجات، وفي عام 2017، سُجلت 6 زلازل بمقياس 7، بالإضافة إلى زلزال واحد بمقياس 8، إنه تغير كبير جدا في العقد نفسه كما ترى، ونلاحظه كذلك في العقد الحالي، فمثلا في عام 2024، كان النشاط الزلزالي منخفضا للغاية، حيث سجل العالم نحو 10 زلازل بقوة 7 درجات، ولم يحدث أي زلزال بقوة 8 درجات.

ماذا عن عام 2026؟ حتى بداية أغسطس/آب، سجل فهرس هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية 10 زلازل على الأقل بقوة 7 درجات أو أكثر، وهو معدل طبيعي تماما مقارنة بسجل يتضمن سنوات شهدت 24 زلزالا وسنوات شهدت 7 زلازل. هذا التفاوت الكبير من عام إلى آخر لا يعني أن باطن الأرض يدخل فجأة في فترات نشاط وخمول على مستوى الكوكب، بل هو سلوك متوقع إحصائيا، فالزلازل الكبيرة لا تقع وفق جدول منتظم، ومتوسط 16 زلزالا سنويا لا يعني أن كل عام يجب أن يسجل الرقم نفسه، وإنما يعني أن الأعداد تتذبذب حول هذا المتوسط على مدى سنوات طويلة.

"قد تتجمع عدة زلازل كبيرة مصادفة في عام واحد، بينما تمر أعوام أخرى بأعداد أقل بكثير"

وقد تتجمع عدة زلازل كبيرة مصادفة في عام واحد، بينما تمر أعوام أخرى بأعداد أقل بكثير، كما يمكن لزلزال ضخم أن يطلق سلسلة طويلة من التوابع فتبدو الفترة أكثر نشاطا. لذلك ينظر علماء الزلازل إلى الاتجاهات الممتدة لعقود، لا إلى سنة منفردة أو حتى عدة سنوات، قبل الحكم على وجود تغير حقيقي في معدل النشاط الزلزالي العالمي. والواقع أن النطاق البحثي الذي يدرس الزلازل يهتم، ويهتم جدا، بتلك القضية، ويبحث العلماء عن أي إشارة لزيادة أو نقصان معدلات الزلازل، لأن ذلك يؤثر على كل شيء تقريبا في النهاية، بما يشمل السياسة والاقتصاد.

إعلان

لكن بعيدا عن الزلازل الكبيرة، فهناك فئة واحدة شهدت ارتفاعا ملحوظا في الأرقام، وهي الزلازل الصغيرة، فقد ارتفع العدد الإجمالي للزلازل التي بلغت قوتها 4 درجات فأكثر من حوالي 11900 زلزال سنويا في العقد الأول من القرن الحالي، إلى حوالي 14400 زلزال في العقد الثاني، ثم إلى حوالي 15900 زلزال حتى الآن في العقد الثالث، على المستوى العالمي.

لكن هذا ليس له علاقة بالأرض نفسها، بل هو مجرد تحسن في الرؤية، فقد تطورت أدوات العلماء في قياس الزلازل، ومثلا يرصد المركز الوطني لمعلومات الزلازل في الولايات المتحدة حوالي 20 ألف زلزال سنويا، أي ما يقارب 55 زلزالا يوميا، وكما توضح هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، فإن فهرسها يحتوي على عدد أكبر من الزلازل في السنوات الأخيرة ليس بسبب زيادة عدد الزلازل، بل بسبب وجود المزيد من الأجهزة لتسجيلها.

وضع خاص للصدوع

ما سبق يعني إذن أن معدلات الزلازل عالميا تبقى ثابتة نسبيا، على الأقل ضمن القرن الماضي والحالي، ولا يوجد سبب ليجعلنا نعتقد أنها ستزيد مستقبلا، لكن بالنسبة لمنطقة بعينها، فإن الأمر يختلف، فأحيانا يتغير وضع الصدع نفسه. والصدع هو كسر أو شق كبير في القشرة الأرضية، تتحرك الصخور على جانبيه بالنسبة إلى بعضها البعض، وفي بعض الأحيان تعلق ببعضها البعض، وأثناء ذلك تختزن الطاقة لسنوات في صورة ضغط أو إجهاد شديد، ومع المزيد من الضغط تنفلت فجأة، فتحدث الزلازل.

يشبه ذلك قطعتين من الخشب الخشن ملتصقتين ببعضهما، إذا حاولت دفع كل واحدة في اتجاه مختلف، فقد لا تتحركان فورا بسبب الاحتكاك بينهما، لكن القوة تستمر في التراكم بسبب ضغطك، وعندما تصبح أكبر من قدرة السطحين على التماسك، تنزلق القطعتان فجأة. وبصورة مشابهة، قد تبقى الصخور على جانبي الصدع عالقة لسنوات، ثم تنزلق فجأة عندما يتجاوز الإجهاد قوة الاحتكاك، فتتحرر الطاقة على هيئة زلزال.

مصدر الصورة حين تتحرك قطعتا الخشب باتجاهين متعاكسين قد تعلقان ثم تنفلتان فجأة (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

عندما يقع زلزال وينكسر جزء من الصدع، لا يختفي الضغط ببساطة، بل يمكن أن ينتقل جزء منه إلى مناطق مجاورة، وهذا قد يجعل أجزاء أخرى من الصدع أقرب إلى الانزلاق بقوة في المستقبل وحدوث زلازل. من أشهر الأمثلة على ذلك صدع شمال الأناضول في تركيا، فعلى مدار نحو قرن، تحركت الزلازل الكبرى على امتداد الصدع تدريجيا، وكأن كل زلزال يضيف ضغطا جديدا إلى الجزء التالي.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، نشر فريق بقيادة باتريشيا مارتينيز-غارزون من مركز هيلمهولتز لعلوم الأرض دراسة تابعت ما يحدث حول صدع مرمرة الرئيسي، القريب من إسطنبول، وأظهرت أن زلزال أبريل/نيسان 2025، الذي بلغت قوته 6.2 درجة، لم يكن حدثا منفصلًا، بل جاء ضمن سلسلة من الزلازل تتحرك تدريجيا على امتداد الصدع خلال 15 عاما مضت.

"مع مرور الزمن، قد تتغير معدلات الزلازل في منطقة بعينها لأسباب تتعلق بطبيعة القشرة الأرضية وبالزلازل السابقة نفسها"

لاحظ الباحثون أن مواقع الزلازل التي بلغت قوتها 5 درجات فأكثر كانت تنتقل بصورة منتظمة من الغرب إلى الشرق، أي في اتجاه إسطنبول، كما بدأت الهزات تصل إلى أجزاء من الصدع ربما كانت هادئة من قبل، وهو ما يشير إلى أن الإجهاد ينتقل تدريجيا إلى مناطق جديدة مغلقة. ومن أكثر المناطق التي تثير القلق منطقة "جزر الأمراء"، والتي تقع شرقي نقطة زلزال 2025.

الفكرة إذن أنه مع مرور الزمن، قد تتغير معدلات الزلازل في منطقة بعينها لأسباب تتعلق بطبيعة القشرة الأرضية وبالزلازل السابقة نفسها، إذ يمكن لزلزال كبير أن يعيد توزيع الضغوط على الصدوع القريبة، فيرفع الخطر في جزء منها ويخفضه في أجزاء أخرى. لذلك قد تصبح منطقة بعينها أكثر نشاطا خلال فترة معينة، من دون أن يعني ذلك أن الأرض كلها دخلت مرحلة من النشاط الزلزالي المتزايد.

مصدر الصورة مشاهد من آثار زلزال كهرمان مرعش في تركيا عام 2023 (غيتي)

ما الذي يزداد فعليا؟

إذا لم يكن العالم يشهد زيادة واضحة في معدلات وقوع الزلازل الكبرى، فلماذا يبدو أحيانا أن كل عقد يأتي بكوارث أشد، وبأعداد أكبر من القتلى والمباني المنهارة والخسائر الاقتصادية؟ الإجابة تتعلق بفارق دقيق، قد لا تلاحظه بسهولة، بين "الزلزال" و"الكارثة"، لأنهما ليسا الشيء نفسه، فالزلزال حدث فيزيائي يحدث داخل الأرض، أما الكارثة فتنشأ حين يلتقي ذلك الحدث بالبشر والمباني والبنية التحتية. ولهذا تعرف الأمم المتحدة الكارثة باعتبارها نتيجة تفاعل الحدث الخطر مع ظروف التعرض والهشاشة وضعف القدرة على المواجهة.

إعلان

والواقع أن هناك مفارقة في هذا الشأن، وهي مفارقة مؤلمة، فبحسب جيمس جاكسون، الذي عمل أستاذا للجيوفيزياء في قسم علوم الأرض بجامعة كامبريدج البريطانية، فإن بعض المدن المعرضة للزلازل لم تُبن قرب الصدوع الزلزالية "على الرغم من" خطورتها، بل "بسبب" المزايا التي صنعتها الصدوع نفسها، فالحركات التكتونية للأرض ترفع الجبال وتصنع الأحواض والوديان، وتؤثر في مسارات الأنهار والمياه الجوفية، كما تفتح ممرات طبيعية للتجارة والتنقل.

"بعض المدن الكبرى بنيت عمدا قرب الصدوع الزلزالية للاستفادة من المزايا التي صنعتها الصدوع نفسها"

لذلك كانت هذه المناطق جذابة للبشر منذ آلاف السنين، فنشأت عندها القرى والطرق والأسواق، وهنا تكمن "الجاذبية القاتلة"، وهو الاصطلاح الذي استخدمه الباحث عنوانا لدراسته، لأن تلك القرى الأولى، التي نشأت على "خير" الصدوع، تحولت مع الزمن إلى مدن عملاقة، لذلك توقع جاكسون أن يشهد العالم مستقبلا كوارث زلزالية حضرية أشد، ليس لأن الزلازل أصبحت أقوى أو أكثر تكرارا، وإنما لأن عدد البشر، والمباني المعرضة للكارثة، أصبح أكبر بكثير.

وهنا تأتي ورقة الجيوفيزيائي روجر بيلهام، من جامعة كولورادو، المنشورة عام 2009 في دورية "بوليتن أوف إيرثكويك إنجنيرنغ " تحت عنوان لافت هو "المستقبل الزلزالي للمدن"، والذي اتفق مع جاكسون، ووسع فرضيته، ليقول إن الزلازل لم ترتفع أعدادها، لكن طوبوغرافيا المناطق الواقعة فوق الصدوع هي التي تتغير بسرعة هائلة.

كانت حجة بيلهام بسيطة ومقلقة في الوقت نفسه، فالصدع الكبير قد يحتاج عشرات أو مئات السنين حتى ينتج زلزالا مدمرا آخر، لكن خلال تلك السنين قد تتحول قرية صغيرة فوقه إلى مدينة يسكنها الملايين. وأشار بيلهام إلى أن موجة النمو السكاني والتحضر ستتطلب بناء نحو مليار وحدة سكنية إضافية خلال نصف قرن، وأن زلازل كان تأثيرها محدودا حين ضربت قرى وبلدات في الماضي قد تضرب في المستقبل مدنا يتجاوز سكانها 12 مليون نسمة، ومن هنا جاء أكثر استنتاجاته إثارة، وهو أن ضربة مباشرة لمدينة عملاقة شديدة الهشاشة يمكن، من حيث المبدأ، أن تنتج كارثة يصل عدد ضحاياها إلى مليون شخص.

ولم تقف مخاوف بيلهام عند مجرد التوقعات، ففي عام 2021، اختبر فريق دولي الفكرة على نطاق عالمي، عبر مقارنة النمو السكاني والعمراني في مناطق الخطر الزلزالي بين عامي 1990 و2015، وكانت النتيجة لافتة. فقد ارتفع عدد السكان الذين يعيشون في تلك المناطق بنحو 40%، من نحو 1.08 مليار إلى 1.51 مليار إنسان، بينما اتسعت رقعة العمران داخلها بنحو 69%، والأشد دلالة أن الغالبية الساحقة من وفيات الزلازل تركزت في البلدان الأعلى هشاشة (الدول النامية التي لم تتبن أنظمة بناء مقاومة للزلازل)، وكان معدل الوفيات نسبة إلى السكان فيها أكبر بأكثر من عشرة أضعاف من نظيره في الدول الأقل هشاشة.

مصدر الصورة تعالت المدن وازداد عدد سكانها (بيكسابي)

خرق الأكواد

كان الجانب الأكثر قسوة في ورقة بيلهام أن المشكلة ليست هندسية فقط، فنحن نعرف بالفعل منذ عقود كيف نجعل المباني أكثر قدرة على مقاومة الاهتزاز. لكنه رأى أن مقاومة الزلازل أُهملت في أجزاء من العالم بسبب خليط من اللامبالاة وضعف الوعي والممارسات الضعيفة، لا بسبب غياب المعرفة الهندسية.

وبعد أكثر من عقد على نشر الورقة، قدمت عدة كوارث زلزالية أمثلة مؤلمة على منطقه، خذ مثلا زلزال كهرمان مرعش في تركيا عام 2023، لم تكن منطقة صدع شرق الأناضول مجهولة الخطر، كما أن تركيا تمتلك قواعد حديثة نسبيا للتصميم المقاوم للزلازل. لكن بعثات هندسية درست الدمار بعد الكارثة وجدت مشكلات متكررة في المباني، شملت قصورا في التفاصيل الإنشائية، ورداءة في بعض ممارسات التنفيذ، ومخالفات لمتطلبات السلامة، فضلا عن تاريخ من ضعف تطبيق القوانين ومنح تسويات لبعض المباني المخالفة. وخلص تقرير بعثة "إيفيت " البريطانية إلى أن "اختصارات" في عمليات البناء وأوجه قصور في المنشآت كانت من الأسباب الرئيسية للخسائر.

"مقاومة الزلازل أُهملت في أجزاء من العالم بسبب خليط من اللامبالاة وضعف الوعي والممارسات الضعيفة، لا بسبب غياب المعرفة الهندسية"

ثم جاء زلزال ميانمار في مارس/آذار 2025 ليعيد السيناريو نفسه في سياق أكثر هشاشة، حيث بلغت قوة الزلزال نحو 7.7، ووجد تقييم أجرته جامعة الأمم المتحدة (الذراع الأكاديمي والبحثي لمنظمة الأمم المتحدة) باستخدام بيانات الأقمار الصناعية أن أكثر من 157 ألف مبنى يرجح أنها تعرضت للضرر في المدن التي شملها التحليل، مع تشريد نحو 200 ألف شخص. والأهم أن التقرير أرجع حجم الخسائر إلى الانتشار الواسع للمباني غير المجهزة للزلازل، وخصوصا مباني الطوب والحجر غير المسلح، إلى جانب أوجه القصور في تطبيق كود البناء الوطني لميانمار لعام 2016.

إعلان

لكن المباني لم تكن العامل الوحيد هناك، فالزلزال ضرب بلدا يعيش أصلا حربا أهلية وأزمة إنسانية، وكانت الطرق والمستشفيات وشبكات الاتصالات في مناطق عديدة تحت ضغط شديد قبل وقوعه. وأكدت الأمم المتحدة أن النزاع والمناطق النائية قيدا الوصول إلى المناطق المتضررة، بينما قدر البنك الدولي الأضرار المباشرة بنحو 11 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

أما في فنزويلا، فقد ضرب الزلزالان الكبيران البلاد خلال ثوان، القوة كانت كاسرة، لكن تقييم البنك الدولي أن المباني السكنية وحدها مثلت 47% من قيمة الأضرار المباشرة، وقد أشار مهندسون بعد الكارثة إلى خليط من الأبنية القديمة، وسوء التنفيذ في بعض المنشآت، وضعف تطبيق اشتراطات البناء، إلى جانب وجود مناطق مبنية على رواسب رخوة تستطيع تضخيم الاهتزاز. ورصدت تقارير ميدانية أنواعا من الهياكل معروفة بهشاشتها، مثل الإطارات الخرسانية سيئة التفاصيل والمباني ذات "الطابق الرخو"، فضلا عن منشآت أضعفها العمر أو تأخر الصيانة.

دور الدماغ

المشكلة التالية تتعلق بأدمغتنا نفسها، فمع تصاعد حجم "الكارثة"، يصبح تذكرها أسهل. في سبعينيات القرن الماضي، تحدث عالم النفس دانيال كانيمان عن تحيز ذهني أطلق عليه اسم "الاستدلال المتاح"، والفكرة بسيطة، فعندما نريد أن نعرف مدى شيوع شيء ما، فإننا لا نفتح قاعدة بيانات ونعد الحالات، بل نسأل أنفسنا بصورة شبه تلقائية عن عدد الأمثلة الذي نستطيع أن نتذكره.

في الظروف العادية، تعمل هذه الطريقة بشكل عادي، فالأشياء التي تحدث كثيرا نتذكر منها أمثلة أكثر، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح سهولة التذكر مرتبطة بعوامل أخرى، مثل حداثة الحدث، أو غرابته، أو تأثيره العاطفي، أو كثافة التغطية الإعلامية، وهنا يمكن لحدث نادر لكنه صادم أن يبدو أكثر شيوعا مما هو عليه بالفعل.

وعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة نشرت في 2024 بدورية "كوجنشن "، أن الناس يميلون إلى المبالغة في تقدير أسباب الوفاة الدرامية التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة، بينما يقللون من تقدير أسباب أكثر شيوعا لكونها أقل إثارة للانتباه. على سبيل المثال، قد تظن أن القتل سبب شائع للموت مقابل الوفاة بالأزمة القلبية، رغم أن العكس هو الصحيح بفارق شاسع.

الزلازل نموذج مثالي على هذا الحادث الصادم سهل الاستدعاء للذاكرة، فهي أحداث مفاجئة، ومخيفة، وتنتج صورا شديدة التأثير، خاصة بعدما نمت الحضارة البشرية على صدوع الأرض. هناك دائما مبان منهارة، وطرق متشققة، وكاميرات مراقبة تهتز، وأشخاص يركضون إلى الشوارع. يمكن لصورة واحدة من هذا النوع أن تبقى في الذاكرة سنوات، بينما يصعب على رقم يقول إن "معدل الزلازل لم يتغير إحصائيا" أن يترك التأثير نفسه. بسبب ذلك، يعتقد الناس أن الزلازل تزيد، لكن الفكرة فقط في ازدياد الكوارث، ومن ثم تذكرنا الدائم لها.

أضف كذلك عاملا آخر تغير بالفعل خلال العقود الأخيرة، وهو ليس عدد الزلازل، بل عدد الزلازل التي نعرف عنها، فقبل نصف قرن، ربما لم يسمع شخص يعيش في القاهرة عن زلزال متوسط القوة وقع في الفلبين أو تشيلي إلا إذا كان شديد التدمير بما يكفي للوصول إلى صفحات الصحف العالمية. وحتى حينها، ربما تصله المعلومة بعد يوم أو يومين في بضعة أسطر.

أما اليوم، فالوضع مختلف جذريا، فبعد دقائق من وقوع الزلزال، يظهر إشعار على الهاتف، ثم خريطة تحدد مركزه وعمقه وقوته. وبعد ذلك تبدأ مقاطع الفيديو في الانتشار من كاميرات المراقبة والهواتف، ثم تظهر الرسوم التي توضح الصفائح والصدوع، وتتبعها الأخبار والتعليقات ومنشورات مواقع التواصل، وهكذا يمكن لزلزال وقع على الجانب الآخر من الكوكب أن يصبح جزءا من يومك خلال دقائق.

"يمكن لزلزال وقع على الجانب الآخر من الكوكب أن يصبح جزءا من يومك خلال دقائق"

تضيف وسائل التواصل الاجتماعي طبقة أخرى إلى المشكلة، فإذا شاهدت عدة مقاطع عن زلزال كبير، قد تبدأ الخوارزميات في اقتراح المزيد من المحتوى المتعلق بالزلازل، وخلال دقائق قد تشاهد مقطعا لزلزال وقع اليوم، ثم آخر حدث قبل 3 أشهر، وثالثا يعود إلى العام الماضي، ثم مقطعا بعنوان "أقوى الزلازل التي ضربت العالم مؤخرا"، كل هذه الزلازل حقيقية، وكل المقاطع قد تكون صحيحة، لكن طريقة عرضها تضغط الزمن والجغرافيا، فتظهر أحداث وقعت في 3 قارات وعلى مدار عام أو عامين أمامك خلال 60 ثانية، وعندما يراها الدماغ بهذه الطريقة، يبدو الأمر كما لو أن الكوكب يعيش موجة متلاحقة وغير مسبوقة من الزلازل.

كما يبدو إذن، فإن الكوكب ليس أكثر غضبا مما كان عليه. قديما عاش الناس في أكواخ وخيام، لم تؤثر فيهم الزلازل الكبرى. كانت مخيفة لا شك، ولكنها لم تكن قاتلة لأن الخرسانة فوق رؤوسنا هي التي تقتل حقا وليس اهتزاز الأرض.

ما تغير هو أننا أصبحنا 8 مليارات نسمة، بنينا مدنا خرسانية عالية، كثيفة السكان، كثيرة الجسور، تقع أعلى خطوط التقاء الصفائح التكتونية الخطيرة. الكثير من البشر امتلك هاتفا ذكيا، بل إن عدد من يمتلكون هواتف على الكوكب أكبر ممن يمتلكون مراحيض وأنظمة صرف صحي، هؤلاء باتوا يعرفون بوقوع أي زلزال في العالم، باتوا يشاركون ويُعجبون بالصور والمقاطع، ويعلقون.

اشتبكت مدننا، تراكمت حكاياتنا، وكذلك ذكرياتنا، وخلقنا "الترند". نحن الذين تغيرنا حقا وليست الأرض.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار