آخر الأخبار

مفاجأة علمية.. قلوب الحيتان العملاقة تعمل كقلوب العدّائين المحترفين

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

رغم حجمه الهائل الذي يوحي بالبطء وضعف القدرة على الاندفاع، فإنه حين يقترب من سرب كثيف من أسماك الكريل، يتحول الحوت الأزرق فجأة إلى عدّاء ماهر، يسرع جسده الضخم، ويفتح فمه في اللحظة المناسبة، ليبتلع كتلة هائلة من الماء والفرائس، ثم ينساب ببطء ليصفي الماء من بين صفائح البالين.

هذا السلوك، المعروف باسم "التغذية بالاندفاع"، يُعَد من أعنف الحركات الحيوية على الأرض. ففي لحظات قصيرة، يدفع الحوت جسما يزن عشرات الأطنان عبر الماء، ويفتح فمه على اتساعه، ثم يتحمّل مقاومة هائلة وهو يبتلع كمية ضخمة من الماء.

في دراسة نُشرت يوم 27 يوليو/تموز في مجلة "بروسيدنجس أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز "، استخدم باحثون أجهزة تسجيل حيوية تثبت مؤقتا على جلد الحوت بكؤوس شفط، لقياس نبض القلب وحركة الجسم والعمق في الوقت نفسه. وشملت البيانات 9 عمليات وسم ناجحة لحيتان زرقاء وحدباء في كاليفورنيا وخليج مونتيري والقطب الجنوبي، بإجمالي تسجيلات امتدت لأكثر من 178 ساعة.

معضلة الغوص والصيد

توضح المؤلفة الرئيسية للدراسة، أشلي بلاواس، باحثة ما بعد الدكتوراه في قسم علوم البحار في جامعة ستانفورد الأمريكية، أن الدراسات السابقة أوضحت أنه عندما يغوص الثديي البحري، يبطئ قلبه بشدة في استجابة معروفة باسم "استجابة الغوص"، التي تساعده على توفير الأكسجين وتوجيهه إلى الأعضاء الأهم، مثل الدماغ والقلب، بدلا من إنفاقه سريعا في العضلات أثناء البقاء تحت الماء.

لكنّ الحيتان البالينية تواجه معضلة خاصة، وفقا للباحثة، فهي تحتاج إلى الحفاظ على الأكسجين أثناء الغوص، لكنها في الوقت نفسه تنفذ اندفاعات قصيرة وقوية جدا لاصطياد الطعام. أي أن جسمها مطالب بأمرين متعاكسين تقريبا: اقتصاد شديد في استهلاك الأكسجين، ثم إنفاق سريع للطاقة عند لحظة الهجوم على الفريسة، بحسب تصريحات أشلي للجزيرة نت.

إعلان

وجد الباحثون أن عند الاندفاع نحو الفريسة، يرتفع معدل ضربات قلب الحوت بسرعة، كما يحدث لدى عداء يبدأ سباقا قصيرا. لكن بعد الاندفاع، أثناء مرحلة الترشيح البطيئة التي لا يبذل فيها الحوت حركة قوية، لا ينخفض النبض فورا. بل يبقى مرتفعا نسبيا، ثم يتراجع تدريجيا. "لا يعمل قلب الحوت مثل مفتاح يفتح ويغلق مع كل حركة. إنه يوازن بين حاجتين: الحفاظ على الأكسجين أثناء الغوص، وتعويض العضلات بعد لحظة مجهدة من التسارع والابتلاع"، تقول الباحثة.

مصدر الصورة بقاء النبض مرتفعا أثناء مرحلة الترشيح قد يساعد على إعادة تزويد العضلات بالأكسجين (جمعية تورسيوبس)

نبض سريع بعد الاندفاع

يُفسر الباحثون ذلك بأن الاندفاع نفسه قد يعتمد جزئيا على مصادر طاقة لا تحتاج إلى أكسجين مباشر، مثل الأنظمة اللاهوائية والفوسفوكرياتين في العضلات. وهذه المصادر تمنح العضلات دفعة سريعة من الطاقة، لكنها تحتاج بعد ذلك إلى إعادة شحن، وهنا يأتي دور القلب بعد الاندفاع.

فبقاء النبض مرتفعا أثناء مرحلة الترشيح قد يساعد على إعادة تزويد العضلات بالأكسجين وتجديد جزء من مخزون الطاقة، استعدادا لاندفاعة جديدة في الغوصة نفسها، لذلك تبدو مرحلة الترشيح، رغم بطئها الظاهري، فترة مهمة لاستعادة التوازن الداخلي لا مجرد توقف بين هجومين.

تشير أشلي إلى أن في الحيتان الحدباء، بلغ معدل النبض بعد الاندفاع نحو 28.2 ضربة في الدقيقة، مقارنة بنحو 18.5 ضربة في الدقيقة في حالة الراحة التي سجلها الفريق لدى أحد الأفراد. أما في الحيتان الزرقاء، فكان النبض بعد الاندفاع نحو 21.9 ضربة في الدقيقة، ثم انخفض تدريجيا خلال مرحلة الترشيح.

وتكشف الدراسة أيضا أن حجم الجسم مهم، فكلما زاد حجم الحوت، اتسع المجال بين أدنى وأعلى معدلات النبض أثناء دورة الغوص. وهذا يمنح الحيتان الأكبر قدرة أوسع على تعديل ضخ الدم حسب الحاجة: تبطئ القلب لتوفير الأكسجين، ثم ترفعه عندما تحتاج العضلات إلى الدعم بعد الاندفاع.

قلب مرن وحدود صعبة

توضح الدراسة أن التغذية بالاندفاع ليست مجرد حركة عضلية ضخمة، بل عملية فسيولوجية دقيقة، فالحوت لا يندفع ثم يستريح ببساطة، بل يدير كل غوصة كميزانية أكسجين وطاقة. عليه أن يقرر، عبر استجابات جسمه، متى يبطئ القلب إلى الحد الأدنى، ومتى يسرعه بما يكفي لتعويض العضلات من دون استنزاف مخزون الأكسجين بسرعة.

أما عن حدود الدراسة، فقد شملت عددا صغيرا من الحيتان، ونجحت أجهزة تخطيط القلب في 9 من أصل 20 محاولة فقط، مما يعكس صعوبة قياس نبض حيوان ضخم حرّ الحركة في البحر. كما أن الضوضاء الناتجة عن الحركة السريعة سببت فجوات في بعض تسجيلات القلب، خاصة أثناء الاندفاع نفسه، وهي اللحظة الأكثر أهمية لفهم العلاقة بين الجهد والنبض.

كذلك جاءت البيانات من نوعين فقط ومن مواقع محددة، لذلك يحتاج تعميم النتائج على كل الحيتان البالينية إلى قياسات أوسع تشمل أنواعا وأحجاما وبيئات مختلفة. "ومع ذلك، تقدم الدراسة نافذة نادرة على ما يحدث داخل جسم الحوت أثناء واحدة من أقوى سلوكيات التغذية في عالم الحيوان"، تقول المؤلفة الرئيسية للدراسة.

ومُوّلت الدراسة من منحة تابعة لمكتب البحوث البحرية الأمريكي، ومكتب إدارة طاقة المحيطات، ومكتب البحوث البحرية. وأقر الباحثون بعدم وجود تضارب مصالح.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار