في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
على عمق يصل إلى نحو 2450 مترا تحت سطح جليد القطب الجنوبي، يعمل واحد من أغرب المراصد الفلكية على الأرض. فلا توجد فيه عدسات أو مرايا أو كاميرات تقليدية، وإنما 5160 مستشعرا ضوئيا موزعة على 86 كابلا داخل نحو كيلومتر مكعب من الجليد.
إنه مرصد "آيس كيوب" الذي طوّره ويشغّله تعاون آيس كيوب العلمي، ويقع بالقرب من محطة "أموندسن-سكوت" في القطب الجنوبي. ويستخدم المرصد الجليد نفسه للكشف عن النيوترينوات، وهي جسيمات شبه عديمة الكتلة لا تحمل شحنة كهربائية، وتتفاعل مع المادة بصورة ضعيفة للغاية.
ولهذا السبب، تستطيع أعداد هائلة منها عبور أجسامنا والأرض نفسها من دون أن تترك أثرا. لكن هذه الخاصية التي تجعل رصدها شديد الصعوبة هي نفسها التي تمنحها قيمة استثنائية لعلماء الفلك.
يستخدم "آيس كيوب" الأرض نفسها مرشحا طبيعيا. فقد يدخل النيوترينو الأرض من جهة نصف الكرة الشمالي، ويعبر آلاف الكيلومترات من الصخور والجليد، قبل أن يصطدم نادرا بذرة داخل الجليد القطبي.
وعندما يحدث الاصطدام، قد ينتج جسيم مشحون -مثل الميون أو الإلكترون- يتحرك في الجليد بسرعة تتجاوز سرعة الضوء داخل الجليد، من دون أن يتجاوز سرعة الضوء في الفراغ، وينتج عن ذلك وميض أزرق يُعرف باسم "إشعاع تشيرينكوف".
تلتقط المستشعرات هذا الضوء وتحدد توقيت وصوله وشدته، ومن خلال ترتيب الإشارات بين آلاف المستشعرات، يستطيع العلماء إعادة بناء مسار الجسيم وتقدير طاقته واتجاهه، ومن ثَم استنتاج الاتجاه الذي جاء منه النيوترينو.
وتظهر الجسيمات الميونية عادة في صورة مسارات طويلة، في حين تنتج بعض التفاعلات الأخرى ومضات أكثر تراصا تُعرف باسم "الشلالات". وفي حالات نادرة للغاية، يمكن أن ينتج "نيوترينو تاو بنية" مميزة تُعرف باسم "الانفجار المزدوج".
تصل إلى المرصد أعداد هائلة من الجسيمات الثانوية الناتجة عن اصطدام الأشعة الكونية بالغلاف الجوي، وقد تطغى على إشارات النيوترينوات الفلكية النادرة. لذلك يساعد العمق الهائل للمرصد -إلى جانب استخدام الأرض درعا- في تقليل هذا التشويش.
لكن الأرض ليست شفافة تماما أمام جميع النيوترينوات. فكلما ارتفعت طاقة النيوترينو، زاد احتمال تفاعله مع المادة، ولذلك تصبح الأرض أقل شفافية أمام النيوترينوات الأعلى طاقة. وفي عام 2017، أعلن تعاون "آيس كيوب" أول رصد لامتصاص الأرض للنيوترينوات العالية الطاقة، بما يتفق مع التوقعات الفيزيائية.
لم يكن "آيس كيوب" مجرد تجربة للكشف عن جسيمات نادرة، ففي عام 2013 أعلن التعاون العلمي دليلا على وجود مجموعة من النيوترينوات العالية الطاقة القادمة من خارج النظام الشمسي.
وفي سبتمبر/أيلول 2017، رصد المرصد نيوترينو عالي الطاقة أطلق إنذارا آليا، وساعدت عمليات رصد لاحقة بتلسكوبات أخرى في ربطه بالمجرة النشطة "تي إكس إس" (TXS 0506+056) التي كانت نفاثتها في حالة نشطة من أشعة غاما.
وفي عام 2022، أعلن العلماء أدلة على انبعاث نيوترينوات عالية الطاقة من المجرة النشطة "إن جي سي 1068″، أو "مسييه 77″، وهي نتيجة مهمة لأن الغبار والغاز الكثيفين قد يحجبان المناطق المركزية للمجرات عن الضوء، في حين تستطيع النيوترينوات الإفلات منها.
ثم في عام 2023، أنتج "آيس كيوب" أول خريطة لمجرة درب التبانة باستخدام النيوترينوات العالية الطاقة، فاتحا نافذة جديدة على الكون لا تعتمد على الضوء وحده.
تكمن أهمية هذا المرصد في أنه لا يرى الكون بالطريقة التي ترى بها التلسكوبات التقليدية؛ فهو لا يصور الكواكب والمجرات، بل يتتبع آثار جسيمات نادرة قطعت مسافات كونية هائلة.
والنيوترينوات -بخلاف الأشعة الكونية المشحونة- لا تنحرف بفعل المجالات المغناطيسية أثناء رحلتها، ولذلك يمكن لاتجاه وصولها أن يشير بصورة أفضل إلى المكان الذي أنتجها.
وهكذا، حوّل تعاون "آيس كيوب" العلمي كتلة طبيعية من الجليد إلى مرصد كوني، وجعل الأرض نفسها درعا ومرشحا، وحوّل ومضات زرقاء خاطفة إلى معلومات عن أعنف البيئات في الكون.
إنها صورة بديعة لما يستطيع العلم أن يفعله: أن يحوّل مادة تبدو عادية -مثل الجليد- إلى أداة لاستكشاف أعماق الكون، وأن يجعل جسيمات لا تكاد تتفاعل مع المادة رسائل تحمل إلينا أخبارا عن أحداث وقعت على مسافات يستحيل الوصول إليها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة