في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
واصل صاروخ صيني من طراز "لونغ مارش-3 بي" رحلته نحو الفضاء رغم ظهور صاعقة قوية حوله بعد وقت قصير من انطلاقه وسط أجواء ممطرة من مركز شيتشانغ لإطلاق الأقمار الصناعية، في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدا من أخطر التحديات الجوية التي تواجه عمليات الإطلاق الفضائي.
وقع الإطلاق في الساعة الثامنة مساء يوم 23 يوليو/تموز 2026 بتوقيت بكين، ونجح الصاروخ في وضع قمر الاتصالات ونقل البيانات "تيانليان-2-06" في مداره المحدد.
وأكدت مؤسسة علوم وتكنولوجيا الفضاء الصينية ووكالة شينخوا نجاح المهمة، التي مثلت الرحلة رقم 658 ضمن سلسلة صواريخ "لونغ مارش".
ويستخدم القمر الجديد في نقل بيانات المركبات المأهولة ومحطة الفضاء الصينية والأقمار الموجودة في المدارات المنخفضة والمتوسطة، إلى جانب دعم عمليات القياس والتحكم أثناء الإطلاقات الفضائية.
وأظهرت تسجيلات مصورة من منطقة الإطلاق وميضا كهربائيا يمتد بمحاذاة مسار الصاروخ، بينما ذكرت وسائل إعلام صينية، بينها شبكة التلفزيون المركزي الصيني، أن الصاروخ تعرض للبرق خلال صعوده لكنه أكمل الرحلة بصورة طبيعية.
ومع ذلك، لم يتضمن البيان الرسمي الأول لمؤسسة الفضاء الصينية تفاصيل فنية عن الصاعقة، كما لم يُنشر حتى الآن تحليل لبيانات التيار أو المسار الكهربائي؛ لذلك لا يمكن الجزم من الصور وحدها بما إذا كان الصاروخ قد اعترض صاعقة طبيعية جاهزة، أم أنه أسهم بنفسه في توليد ما يعرف بـ"البرق المحفَّز بالصاروخ".
لا يحتاج الصاروخ بالضرورة إلى أن تطلق السحابة صاعقة طبيعية قبل وصوله إليها. فعندما يخترق جسم معدني طويل وسريع سحابة ذات مجال كهربائي قوي، يمكنه أن يربط بين مناطق مختلفة الشحنة. كما تترك محركاته خلفها عمودا طويلا من غازات العادم الساخنة والجسيمات المتأينة، ما يوفر مسارا أكثر قدرة على توصيل الكهرباء من الهواء المحيط.
لهذا السبب قد يعمل الصاروخ، من دون قصد، مثل سلك بالغ الطول يشق طريقه عبر المجال الكهربائي للسحابة، فتتكون قناة البرق على امتداد الصاروخ وعمود العادم.
وتصف وكالة ناسا هذه الظاهرة بالبرق "المحفَّز"، مؤكدة أن صاروخا صاعدا يستطيع إطلاق شرارة الصاعقة عند مروره داخل سحب مكهربة، حتى عندما لا تكون هناك صواعق طبيعية ظاهرة لحظة الإطلاق.
ويبدو هذا التفسير محتملا في حادثة "لونغ مارش"، لكن إثباته يتطلب تسجيلات المجال الكهربائي والرادار وبيانات الصاروخ، وهي معلومات لم تنشرها السلطات الصينية بعد.
لا يعني استمرار الصاروخ في الطيران أن الصاعقة ظاهرة غير خطرة. فالتيار الكهربائي الهائل يمكن أن يدخل من نقطة في مقدمة الصاروخ أو جسمه، ثم يتحرك عبر هيكله ويغادر من نقطة أخرى، وقد يصاحب ذلك تأثير مباشر وآخر غير مباشر.
يتمثل التأثير المباشر في التسخين الموضعي الشديد، الذي يمكن أن يحرق الطلاء، أو يصهر جزءا من المعدن، أو يحدث ثقبا صغيرا في الغلاف، أو يضعف الوصلات بين أجزاء الهيكل.
ويصبح الخطر أكبر إذا وقع قوس كهربائي قرب خزانات الوقود أو أنابيبه أو فتحات التهوية، إذ يمكن للشرر أن يشعل الأبخرة القابلة للاشتعال.
أما التأثير غير المباشر، فقد يكون أخطر على الصواريخ الحديثة؛ إذ يولد التيار المفاجئ نبضة كهرومغناطيسية وجهودا عابرة داخل الأسلاك. وقد يؤدي ذلك إلى تشويش أجهزة الملاحة، أو فقدان بيانات القياس عن بُعد، أو إعادة تشغيل الحواسيب، أو تعطيل المستشعرات وأجهزة التحكم بالمحركات.
وفي سيناريو بالغ السوء، يمكن أن يصدر الحاسوب أمرا خاطئا، أو يتوقف محرك، أو تنحرف المركبة عن مسارها، أو تُفعّل دائرة فصل أو نظام تفجير في توقيت غير مناسب.
وتشير معايير ناسا الحديثة إلى أن البرق المحفَّز أصاب "أبولو 12" وصاروخ "أطلس-سنتور 67″؛ نجت المهمة الأولى، بينما دُمرت المركبة الثانية. ولهذا لا تتعامل وكالات الفضاء مع النجاة من الصاعقة باعتبارها أمرا مضمونا.
في حالة "أبولو 12" عام 1969، أصابت الصواعق المركبة بعد 36.5 ثانية ثم بعد نحو 52 ثانية من الإقلاع، فتوقفت بعض الإلكترونيات واضطربت بيانات القياس وانفصلت خلايا الوقود عن الشبكة مؤقتا، لكن المرحلة الصاروخية الرئيسية واصلت العمل، وتمكن الطاقم ومركز التحكم من استعادة الأنظمة وإكمال الرحلة إلى القمر.
لا تتوافر معلومات منشورة تكفي لتحديد المسار الذي سلكه التيار داخل "لونغ مارش-3 بي"، لكن بقاء الصاروخ مستقرا ووصول القمر إلى مداره يعني أن الصاعقة، إن اتصلت فعليا بجسمه، لم تسبب خللا مؤثرا في الدفع أو التوجيه أو فصل المراحل.
وتصمم المركبات الفضائية عادة بحيث يشكل الغلاف المعدني والوصلات الموصلة مسارا منخفض المقاومة يسمح بمرور معظم التيار حول الأجهزة بدلا من عبوره خلالها، على نحو يشبه مبدأ "قفص فاراداي". وتُربط الأجزاء المعدنية كهربائيا ببعضها لمنع تكون فروق جهد كبيرة أو شرر بين لوحين متجاورين.
كما توضع الحواسيب وأجهزة الملاحة داخل حجرات محمية كهرومغناطيسيا، وتستخدم مرشحات ودوائر لتثبيت الجهد وممتصات للنبضات الكهربائية، مع تدريع الكابلات وتأريض أغلفتها وتوفير مسارات متعددة للتيار. ويضيف المصممون أنظمة احتياطية وحواسيب متكررة، بحيث لا يؤدي تعطل قناة واحدة إلى فقدان السيطرة على الصاروخ.
وتوصي ناسا بتقوية معدات المركبات الجوية والفضائية ضد النبضات العابرة والتداخل الكهرومغناطيسي الناتج من البرق.
لكن هذه الحماية لا تجعل إطلاق الصواريخ خلال العواصف آمنا بصورة مطلقة. فالقاعدة الأساسية في عمليات الفضاء هي تجنب الصاعقة قبل الاضطرار إلى مقاومتها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة