منذ اكتشاف مجرة قنطورس "أ" (Centaurus A) قبل قرنين من الزمن، ظلت واحدة من أكثر المجرات غرابة في الكون القريب، إذ حيّرت الفلكيين بسبب حزامها الكثيف من الغبار الذي يحجب مركزها ويخفي كثيرا من أسرارها. ومع تطور التلسكوبات الفضائية، بدءا من تلسكوب "هابل" وتلسكوب "سبيتزر"، استطاع العلماء التغلغل جزئيا داخل هذه السحب الغبارية، إلا أن الصورة بقيت ناقصة.
واليوم يفتح تلسكوب جيمس ويب فصلا جديدا في دراسة هذه المجرة، بعدما التقط أوضح صورة حتى الآن تكشف تفاصيل لم يسبق رصدها، وتعرض آثار معركة كونية وقعت قبل ملياري عام وما زالت بصماتها واضحة حتى اليوم.
وقد نشرت وكالة الفضاء الأمريكية ( ناسا) بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية ووكالة الفضاء الكندية هذه الصورة الجديدة، لتقدم رؤية غير مسبوقة للبنية الداخلية للمجرة ونشاط ثقبها الأسود المركزي.
في الصور المرئية التي التقطتها مراصد أرضية مثل مرصد "لاسيلا" والتلسكوب الأوروبي الكبير جدا في تشيلي، يحجب الغبار الكثيف قلب المجرة ويمنع رؤية ما يحدث داخله. وحتى صور تلسكوبي "هابل" و"سبيتزر"، رغم اعتمادها على الأشعة تحت الحمراء القريبة، أظهرت الغبار أكثر مما كشفت ما وراءه.
تشير الدراسات إلى أن مجرة قنطورس اصطدمت بمجرة أخرى قبل نحو ملياري سنة، وهو حدث عنيف أعاد تشكيل بنيتها بالكامل، ولا تزال آثاره واضحة حتى اليوم.
وتظهر الصورة الجديدة تشوها كبيرا في مركز المجرة على هيئة بنية رمادية وبيضاء تشبه متوازي الأضلاع، بينما تمتد فوقها وأسفلها أشرطة وردية وبنفسجية على شكل حرف "S"، وهي آثار مباشرة لذلك الاندماج القديم.
ويرى العلماء أن هذه البنية تكشف كيف تؤدي اصطدامات المجرات إلى إعادة توزيع الغاز والغبار، وتحفيز ولادة نجوم جديدة، وفي الوقت نفسه تغيير شكل المجرة ومسار تطورها عبر مليارات السنين، وهو ما يجعل مجرة قنطورس نموذجا طبيعيا لدراسة تاريخ تشكل المجرات في الكون.
لا تكمن أهمية الصورة في آثار الاصطدام وحدها، بل في كشفها أيضا العلاقة المعقدة بين الثقب الأسود الهائل الموجود في مركز المجرة وبيئته المحيطة.
فالمادة التي تسقط نحو الثقب الأسود تطلق كميات هائلة من الطاقة، وتنتج نفاثات قوية تعيد تشكيل الغاز والغبار المحيطين به. وقد تسهم هذه العملية في ضغط بعض السحب الغازية فتؤدي إلى نشوء نجوم جديدة، بينما تمنع في مناطق أخرى استمرار تشكل النجوم بسبب الطاقة الهائلة التي تضخها في الوسط المحيط.
وتساعد هذه الملاحظات العلماء على فهم الدور المزدوج للثقوب السوداء، ليس باعتبارها أجساما تبتلع المادة فقط، وإنما عناصر رئيسية تتحكم في نمو المجرات وتطورها على مدى مليارات السنين.
تأتي هذه الصورة مع اقتراب تلسكوب جيمس ويب من إكمال عامه الرابع في العمليات العلمية، بعد انطلاق مهمته العلمية في يوليو/تموز 2022، عقب إطلاقه إلى الفضاء في 25 ديسمبر/كانون الأول 2021.
ومنذ ذلك الحين، أحدث التلسكوب نقلة نوعية في علم الفلك، بفضل قدرته على رصد الأشعة تحت الحمراء بدقة غير مسبوقة، ما أتاح للعلماء دراسة المجرات الأولى، والكواكب الخارجية، ومناطق تشكل النجوم، والثقوب السوداء، والآن كشف تفاصيل دقيقة في واحدة من أكثر المجرات إثارة في الكون القريب.
ويُتوقع أن يواصل التلسكوب عمله لنحو 20 عاما، ليقدم مزيدا من الاكتشافات التي ستعيد رسم فهمنا للكون وتاريخه.
إن مثل هذه الصور لا تمثل مجرد إنجاز تقني، بل نافذة على الماضي السحيق للكون، وتذكير بأن كل تقدم في أدوات الرصد يقود إلى أسئلة جديدة واكتشافات أعمق. فالبحث العلمي واستكشاف الفضاء يظلان من أعظم الاستثمارات التي توسع حدود المعرفة الإنسانية، وتكشف أن الكون لا يزال يخفي بين نجومه ومجراته كثيرا من الأسرار التي تنتظر من يكتشفها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة