قبل نحو 700 عام، كان آخر ثوران لبركان حرة رهط غرب السعودية، القريبة من المدينة المنورة، ووصلت الحمم البركانية وقتها إلى أطراف المدينة.
كان الاعتقاد السائد عن هذا الثوران الذي حدث في عام 1256، أن الصهارة الصاعدة منه خرجت من الوشاح وصعدت إلى سطح الأرض تقريبا كما هي، دون أن تختلط كثيرا بصخور القشرة الأرضية أو تذيبها، لكن دراسة حديثة نشرتها دورية "جورنال أوف فولكانولوجي آند جيوثيرمال ريسيرش" (Journal of Volcanology and Geothermal Research)، وجدت أن هذا الحدث تسبب في هضم صهارة البركان لأجزاء من القشرة، ثم تجشؤها في صورة مادة غريبة، تسمى "زينوبوميس".
ويتكون الاسم العلمي لتلك المادة من مقطعين، هما "زينو" وتعني غريب أو دخيل، و"بوميس"، تعني حجر خفاف، ويعرفها الدكتور حسن بخيت، نائب رئيس اتحاد الجيولوجيين العرب (لم يشارك بالدراسة)، بأنها "قطعة من صخور القشرة الأرضية علقت داخل الصهارة البركانية، وذابت جزئيا وتحولت إلى صخور إسفنجية غريبة مليئة بالفقاعات".
ويشبه حسن في تصريحات للجزيرة نت، تشكل تلك المادة بسكب معدن منصهر فوق قطعة خبز جافة، حيث يؤدي ذلك إلى سخونة الخبز بدرجة كبيرة تؤدي إلى خروج الرطوبة والغازات منه، لينتفخ ويصبح مليئا بالفراغات، وهذا تقريبا ما يحدث لصخور القشرة الأرضية داخل صهارة البركان، لتخرج على هيئة "زينوبوميس"، ومن ثم يكون العثور عليها أشبه بـ"بصمة جنائية"، تثبت أن الصهارة احتكت بالقشرة الأرضية وتفاعلت معها.
وخلال مهمة علمية إلى حقل حرة رهط البركانية غرب السعودية، وتبلغ مساحتها حوالي 22 ألف كيلومتر مربع، وتضم نحو 968 فوهة بركانية، جمع فريق بحثي من قسم العلوم الفيزيائية والهندسة بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) 27 عينة صخرية من عدة مواقع، بينها 20 عينة بركانية و7 عينات من الصخور الإسفنجية الغريبة "زينوبوميس"، بالإضافة إلى عينات مقارنة من مخاريط أخرى، للكشف عن التغيرات الكيميائية التي طرأت على الصهارة خلال رحلتها عبر القشرة الأرضية.
وأخضع الفريق البحثي العينات التي تم جمعها لتحليل متعدد الأدوات يشمل "المجهر الإلكتروني" لفهم تركيب المعادن في الصخور، و"التحليل الكيميائي" لفهم نسب العناصر (السيليكون – الحديد – المغنيسيوم – البوتاسيوم)، وأخيرا تحليل "نظائر الأكسجين"، حيث تكون للصخور القادمة من الوشاح "بصمة أكسجينية" مختلفة عن صخور القشرة.
وكشفت التحليلات أن الصخور الإسفنجية "زينوبوميس"، تحتوي على نسب مرتفعة جدا من السيليكا تراوحت بين 71 و75%، مقارنة بـ46 إلى 54% فقط في البازلت المحيط بها.
والصهارة التي صعدت من وشاح الأرض هي في الأصل بازلتية، وأثناء صعودها واقتلاعها لقطعة من القشرة الأرضية، التي تحولت لاحقا إلى (زينوبوميس)، بقيت تلك القطعة الدخيلة داخل هذا البازلت.
ويشير الفارق الكبير في نسبة السيليكا بين القطعة الدخيلة وباقي البازلت أن تلك القطعة لم تنشأ من الصهارة نفسها، بل تعود في الأصل إلى صخور من القشرة الأرضية حملتها الصهارة معها أثناء صعودها إلى السطح.
كما كشفت النتائج أن التركيب الكيميائي والنظائري لـ(الزينوبوميس) يتشابه إلى حد كبير مع صخور القشرة العليا، بما في ذلك الغرانيت المتحول والصخور الرسوبية المتحولة، ما يقدم دليلا على أن الصهارة انتزعت هذه القطع من الطبقات السطحية للقشرة الأرضية خلال صعودها نحو السطح.
وقدم التحليل الذي أجراه الباحثون، أدلة واضحة على حدوث عملية تعرف جيولوجيا بـ"الاستيعاب"، حيث تسربت الصهارة البازلتية إلى داخل صخور "الزينوبوميس" وبدأت في إذابة أجزاء منها، ما يشير إلى أن الصهارة لم تكتفِ بحمل هذه الصخور من القشرة الأرضية، بل تفاعلت معها وغيرت من تركيبها أثناء صعودها نحو السطح.
كما كشف التحليل أن عينات "الزينوبوميس" كانت مليئة بالفقاعات والتجاويف الدقيقة، وهي علامة على أن الصخور تعرضت لحرارة شديدة أدت إلى إطلاق الماء والغازات المخزنة داخل معادنها.
ويرى الباحثون أن هذه العملية قد تلعب دورا مهما في زيادة عنف الثورانات البركانية، إذ إن تراكم الغازات داخل الصهارة يرفع الضغط ويعزز احتمالات الانفجار.
ويركز حسن في تحليله لنتائج تلك الدراسة على ما توصلت له من أن الصهارة في حرة رهط قد تمر بخزانات في القشرة وتلتقط مواد غنية بالغازات، لأن هذا من شأنه أن يزيد من ضغط الصهارة ولزوجتها، ما يزيد من عنف الثورانات البركانية.
ورغم أن الدراسات العلمية تصنف هذا النظام البركاني على أنه "كامن"، إلا أن دراسة أمريكية لا تستبعد أن يكون قابلا للنشاط في المستقبل البعيد، وهو ما جعل حسن ينادي بضرورة المراقبة الدائمة له، لا سيما أن الدراسة الجديدة عثرت على علامات تشير إلى أن الثوران البركاني هناك يكون عنيفا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة