منذ انتهاء برنامج "أبولو" في عام 1972، ظل حلم عودة الإنسان إلى سطح القمر حاضرا في خطط وكالة الفضاء الأمريكية ( ناسا)، حتى أعلنت في عام 2019 إطلاق برنامج " أرتميس" الهادف إلى بناء وجود بشري مستدام على القمر تمهيدا للانطلاق نحو المريخ.
وبعد نجاح مهمة أرتميس الثانية التي حملت 4 رواد في رحلة مأهولة حول القمر في أبريل/نيسان 2026، بدأت الوكالة الآن مرحلة جديدة من الاستعدادات بإطلاق أعمال تجميع صاروخ المهمة التالية، أرتميس الثالثة (Artemis III)، والمقرر إطلاقها خلال عام 2027.
فقد أعلنت ناسا وصول أول قطعة من معززي الدفع الصلب إلى مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا، إيذانا ببدء تجهيز الصاروخ الذي سيحمل رواد الفضاء في مهمة ستختبر التقنيات الأساسية اللازمة لعمليات الهبوط القمرية المستقبلية.
أوضحت ناسا أن الجزء السفلي من معزز الدفع الصلب الأيسر وصل هذا الأسبوع إلى مبنى تجميع المركبات، وهو أحد معززين جانبيين سيُثبتان على جانبي صاروخ نظام الإطلاق الفضائي "إس إل إس" (SLS).
وتوفر هاتان الوحدتان معا قوة دفع تبلغ نحو 32 مليون ميغانيوتن، أي ما يزيد على 75% من قوة الصاروخ عند الإقلاع، ما يجعلهما العنصر الأساسي الذي يسمح للصاروخ بمغادرة منصة الإطلاق.
وقالت ناسا في بيان عبر منصاتها الرسمية: "قريبا سيبدأ تجميع الصاروخ بينما نستعد لإرسال طاقم على متن مركبة أوريون لاختبار قدرات الالتقاء والالتحام اللازمة لعمليات الهبوط القمرية المستقبلية".
وكان تجميع صاروخ أرتميس الثانية قد استغرق نحو عام كامل بعد وصول جميع مكوناته، وهو ما يمنح برنامج أرتميس الثالثة هامشا زمنيا مناسبا قبل موعد الإطلاق المستهدف في منتصف أو أواخر عام 2027.
وصل الجزء الرئيسي من الصاروخ إلى مركز كينيدي في مايو/أيار الماضي، إلا أنه وصل هذه المرة دون قسم المحركات، الذي سيُركب لاحقاً قبل استكمال بقية مكونات الصاروخ.
وأشار مدير ناسا "جاريد إسحاقمان" إلى أن الوكالة تخطط لإجراء تجربة التعبئة الكاملة بالوقود واختبار العد التنازلي، المعروف باسم "البروفة الرطبة" ، قبل نهاية العام الجاري، في خطوة أساسية قبل الإطلاق الفعلي.
ويبلغ ارتفاع كل معزز دفع صلب نحو 54 مترا، ويحتوي على وقود صلب يتكون من بولي بيوتادين أكريلونيتريل، وبيركلورات الأمونيوم، ومسحوق الألمنيوم، فيما يصل الوزن الإجمالي للمعززين إلى نحو 1.45 مليون طن متري.
وبخلاف المحركات العاملة بالوقود السائل، لا يمكن إيقاف محركات الوقود الصلب بعد اشتعالها، كما أن محركات الصاروخ الرئيسية وحدها لا تمتلك القدرة الكافية لرفع الصاروخ من منصة الإطلاق دون مساعدة هذه المعززات.
ورغم أن اسم "أرتميس الثالثة" ارتبط سابقا بالعودة إلى سطح القمر، فإن الخطة الحالية للمهمة تختلف عن التصور الأولي.
فالمهمة ستنطلق بطاقم مكون من أربعة رواد فضاء على متن مركبة "أوريون"، لكنها ستبقى في مدار أرضي منخفض لمدة تقارب أسبوعين، حيث سيجري الرواد سلسلة من اختبارات الالتقاء والالتحام مع نماذج أولية لمركبتي الهبوط القمري اللتين تطورهما شركتا " سبيس إكس" و"بلو أوريجن" بموجب عقود مع ناسا.
وسيبدأ الرواد بالالتحام مع مركبة "بلو مون" التابعة لشركة "بلو أوريجن"، حيث سيدخلون المقصورة المخصصة للطاقم، ويختبرون أجزاء من بدلات السير على سطح القمر المصممة لبعثات أرتميس المستقبلية.
بعد ذلك ستلتقي مركبة "أوريون" مع نسخة أولية من مركبة "ستارشيب" التابعة لشركة "سبيس إكس"، وهي نسخة تجريبية مزودة بمنفذ التحام فقط، ولن تحتوي على مقصورة مأهولة أو نظام دعم حياة متكامل، إذ ما تزال هذه الأنظمة قيد التطوير.
إذا سارت الاستعدادات وفق الجدول الزمني الحالي، فإن أول هبوط بشري على سطح القمر ضمن برنامج "أرتميس" سيؤجّل إلى مهمة أرتميس الرابعة، المتوقع إطلاقها في أواخر عام 2028.
وستمثل المهمة الثالثة حلقة محورية في اختبار تقنيات الالتحام، ومركبات الهبوط، وبدلات الفضاء، قبل إرسال رواد الفضاء إلى سطح القمر مجددا بعد أكثر من نصف قرن على آخر رحلة مأهولة إليه.
ويؤكد هذا التقدم أن استكشاف الفضاء لا يعتمد على الإطلاقات وحدها، بل يبدأ بسنوات طويلة من التخطيط والهندسة والاختبارات الدقيقة.
فكل قطعة تُثبّت اليوم في الصاروخ تمثّل خطوة جديدة نحو تحقيق حلم طال انتظاره، وتعكس أهمية الاستثمار المستمر في البحث العلمي والتقنيات الفضائية التي توسع آفاق المعرفة البشرية وتمهد الطريق لاستكشاف عوالم جديدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة