في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عندما تخبز فطيرة كبيرة محشوة بالمربى الساخنة في الفرن، فإذا قمت بسحبها ومطها من أحد أطرافها، لن تنفجر من نقطة واحدة في المنتصف، بل ستظهر تصدعات وشقوق صغيرة عشوائية متباعدة على سطحها بالكامل، ومن كل شق صغير، ستبدأ المربى الساخنة بالخروج ببطء، ثم تبرد وتتحول إلى بقع داكنة صلبة متناثرة هنا وهناك على السطح.
مع الفارق، فإن هذا ما حدث بالضبط في الصفيحة العربية (منطقة شبه الجزيرة العربية بأكملها التي تقع عليها دول الخليج، اليمن، بلاد الشام)، فعندما بدأت بالانفصال عن أفريقيا وتكوين البحر الأحمر قبل حوالي 30 مليون سنة، تعرضت القشرة الأرضية لشد وتمدد هائلين مثل الفطيرة، مما سمح للصخور الساخنة (الماجما) في باطن الأرض بالصعود عبر الشقوق، لتغطي هذه الحمم البركانية مسافة 3 آلاف كيلومتر ممتدة من جنوب اليمن، مرورا بغرب المملكة العربية السعودية، وصولا إلى الأردن وسوريا.
وتوضح دراسة حديثة لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، بالتعاون مع هيئة المساحة الجيولوجية السعودية نشرت على موقع الهيئة الأمريكية، أن هذه الحمم التي يطلق عليها محليا اسم "الحَرّات" (وهي الكلمة العربية التي تعني الأراضي البركانية السوداء والخشنة)، ناتجة في الغالب عن طبيعة بركانية تعرف علميا باسم "البراكين أحادية المنشأ"، ويعني هذا المصطلح أن الفتحة البركانية تثور مرة واحدة فقط أو لفترة زمنية قصيرة، ثم تخمد نهائيا وتنسد قناتها، لتظهر فتحة جديدة بجانبها في المستقبل عند حدوث ثوران آخر، وهذا السلوك الفريد هو السبب الرئيسي في انتشارها على هيئة حقول واسعة ممتدة، بدلا من تشكيل جبال بركانية منفردة وشاهقة.
وتغطي هذه الحرات اليوم مساحات شاسعة من الصخور البازلتية السوداء، من أشهرها، حرة رهط القريبة من المدينة المنورة، وحرة خيبر (تقع في المنطقة الغربية من المملكة العربية السعودية وتحديدا شمال المدينة المنورة)، وحرة الشام الممتدة عبر الأردن وسوريا، وتقدر المساحة الإجمالية التي تغطيها هذه الحقول البركانية عبر الصفيحة بنحو 180 ألف كيلومتر مربع، وطول 3 آلاف كيلومتر.
وتقسم الدراسة التاريخ البركاني للصفيحة العربية إلى أربع مراحل رئيسية تزامنت مع حركة الأرض، أولها مرحلة (ما قبل الانفصال)، والتي بدأت قبل نحو 30 مليون سنة، وتميزت بانفجارات عملاقة هائلة تدفقت منها كميات ضخمة من الحمم غطت أجزاء واسعة من إثيوبيا، السودان، واليمن، نتيجة صعود صخور شديدة السخونة من أعماق سحيقة في باطن الأرض (جمرة عفار الوشاحية).
وفي المرحلة الثانية (الامتداد شمالا)، والتي تغطي الفترة الزمنية الممتدة تقريبا بين 24 و15 مليون سنة مضت، وتحديدا (خلال عصر الميوسين المبكر)، بدأت الصهارة بالانتشار تدريجيا نحو الشمال عبر غرب شبه الجزيرة العربية بالتزامن مع بدايات تمدد القشرة الأرضية.
ثم حدثت المرحلة الثالثة في الفترة الزمنية الممتدة منذ حوالي 15 إلى 13 مليون سنة مضت (خلال عصر الميوسين الأوسط)، وهي تمثل ذروة الانفصال الفعلي لشبه الجزيرة العربية عن القارة الأفريقية وتشكل أخدود البحر الأحمر، وما صاحب ذلك من ظهور شقوق بركانية جديدة مباشرة على طول حواف التصدع القاري، تماما كما تتسع الفراغات وتخرج المربى عند استمرار شد الفطيرة من الطرفين.
أما المرحلة الرابعة والأخيرة (ما بعد الانفصال)، فهي المرحلة المستمرة منذ حوالي 13 مليون سنة وحتى اليوم، حيث استقرت الصفيحة في مسارها الحالي، ولكن استمرت الثورانات البركانية المتقاطعة في الهضاب الداخلية، والتي يُعد بعضها حديثا نسبيا بمعايير الزمن الجيولوجي والتاريخي البشري.
وعن أسباب استمرار هذا النشاط البركاني لملايين السنين دون أن تشهد أراضي الحرات تمددا أو انشقاقا قاريا كبيرا، يوضح الجيولوجي في مركز علوم البراكين التابع لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية والباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور توماس وينسلو سيسون في تصريحات للجزيرة نت، أن غلاف الأرض تحت هذه الحرات لا يتمزق من الجوانب بفعل قوى الشد التقليدية، بل يتعرض لعملية جيولوجية فريدة يمكن وصفها بـ "التآكل الحراري من الأسفل إلى الأعلى"، حيث تندفع صخور هائلة شديدة السخونة من أعماق سحيقة في باطن الأرض، تحديدا من أسفل منطقة "عفار" في شرق أفريقيا، والناجمة عما يُعرف بـ "جمرة عفار الوشاحية".
ومع اقتراب هذه الصخور الساخنة من القشرة، يحدث ما يعرف علميا بـ "الانصهار بتخفيف الضغط"، إذ تذوب الصخور وتتحول إلى صهارة (ماجما) نتيجة الانخفاض المفاجئ في الضغط الهائل الواقع عليها، وليس بسبب زيادة في درجة حرارتها، وبدلا من إحداث انقسامات قارية كبرى لتخرج منها، استغلت هذه الصهارة شقوقا وتضاريس قديمة مسبقة التكوين في قاعدة الغلاف الصخري، مما جعلها تتركز في أحزمة طولية محددة، لتظهر على السطح في هيئة حقول بركانية متناثرة.
وأكدت الدراسة أن هذه البراكين كامنة وليست ميتة، أي أنها يمكن أن تثور مجددا، لامتلاكها المقومات الجيولوجية للاستيقاظ والثوران في المستقبل، نظرا لأن المحرك القابع في باطن الأرض، وهو الصخور الساخنة الصاعدة من "جمرة عفار الوشاحية بشرق أفريقيا"، ما زال نشطا ويقوم بصهر وتآكل القشرة الأرضية من الأسفل إلى الأعلى مستغلا الشقوق التكتونية القديمة.
ورغم ذلك، يؤكد توماس أن نتائجهم المختبرية الحديثة حملت نبأ سارا ومطمئنا للغاية يغير حسابات الخطر تماما، إذ أثبتت التقنيات الدقيقة لتأريخ الصخور أن هذه البراكين تثور بمعدل تكرار أبطأ بكثير مما كان يعتقده العلماء سابقا.
ويقول: "بينما كانت الخديعة البصرية الناتجة عن جفاف مناخ المملكة تحافظ على بريق الحمم السوداء وتوحي بأنها ثارت قبل 5 آلاف عام فقط، أثبت الفحص الإشعاعي أن عمرها الحقيقي يتراوح بين 20 و50 ألف سنة، مما يعني أن الفترات الفاصلة بين ثوران وآخر تمتد لعشرات آلاف السنين، وهو ما يقلل من احتمالية حدوث أي خطر وشيك على الأجيال الحالية".
ويضيف: "هذا التباطؤ المطمئن أكدته الدراسة أيضا عندما أعادت تصحيح التاريخ، حيث كشفت أن المخاريط البركانية غرب المدينة المنورة، والتي كانت تنسب لثوران تاريخي في عام 641 ميلادي، هي في الواقع خامدة منذ 13 ألف عام، وأن هذا الثوران التاريخي المذكور في المخطوطات القديمة، وقع على الأرجح في حرة خيبر بعيدا عن حرة رهط، ومع ذلك، فإن الطبيعة المتجددة لهذه "البراكين أحادية المنشأ" تعني أنها عندما تقرر العودة، لن تثور من نفس الفوهات القديمة المنغلقة، بل ستشق الماجما طريقها لتفتح فوهات جديدة ممتدة على طول الحزام البركاني".
وتحمل هذه التعديلات الزمنية التي صوبتها الدراسة في طياتها نبأ مطمئنا، إذ تعني مباشرة أن معدل تكرار الثورانات البركانية في غرب المملكة العربية السعودية أبطأ بكثير، وأبعد مدى مما كان متوقعا في السابق، على الرغم من أن النظام البركاني يظل مصنفا كنظام "كامن" وقابل للنشاط في المستقبل البعيد، كما يوضح توماس.
ويشير توماس إلى أمر إيجابي آخر، وهو أن البراكين لا تثور مباغتة دون إنذار، فالصهارة أثناء صعودها تترك بصمات واضحة متمثلة في تشوهات السطح وانبعاث الغازات، وهو ما تجسد بدقة في أزمة "حرة الشاقة" (لوناير)، والتي تقع في شمال غرب المملكة العربية السعودية، وتحديدا بالقرب من محافظة العيص التابعة لمنطقة المدينة المنورة، وهو حقل بركاني بازلتي كان يعتقد أنه هادئ تماما، لكن ما حدث في أبريل/نيسان 2009، هو أن الأرض بدأت تهتز بشكل غريب ومتواصل في منطقة العيص، فلم يكن زلزالا واحدا، بل كانت "حشود زلزالية" تمثلت في تسجيل آلاف الهزات الأرضية الصغيرة والمتوسطة يوميا.
وبلغ الرعب ذروته في 19 مايو/أيار 2009، عندما ضرب المنطقة زلزال قوي وصلت قوته إلى 5.4 درجة على مقياس ريختر، شعر به سكان المدن المجاورة مثل ينبع والمدينة المنورة، وتسبب في تصدع بعض المباني القديمة في العيص.
وبالتزامن مع الزلازل، ظهرت شقوق وتصدعات أرضية مرعبة وواسعة على سطح الحرة امتدت لعدة كيلومترات، وخرجت بعض الغازات البركانية من باطن الأرض، مما أعطى مؤشرا خطيرا بأن بركانا على وشك الانفجار.
وكان التفسير العلمي لهذا الحدث، هو أن كميات ضخمة من الصهارة البركانية (الماجما) اندفعت فجأة من وشاح الأرض نحو الأعلى، وشقت الصخور بعنف مسببة آلاف الزلازل، وصنعت ما يعرف جيولوجيا بـ "الاندساس العقاري"، وهو جدار رأسي ضخم من الماجما السائلة، واقتربت الماجما بشدة من السطح ووصلت إلى عمق أقل من 2 كيلومتر فقط تحت الأرض، وكانت على وشك تفجير فوهة بركانية جديدة وضخ الحمم على السطح.
لكن لحسن الحظ، وفي اللحظات الأخيرة، عجزت الماجما عن اختراق الطبقات الصخرية الأخيرة الصلبة للسطح نتيجة فقدانها لضغط الغازات الدافع لها، وتوقفت الصهارة في مكانها تحت الأرض وبدأت تبرد وتتجمد ببطء في الأعماق (فيما يعرف علميا بالثوران الفاشل أو المحبوس).
وبحلول شهر يونيو/حزيران 2009، تراجعت معدلات الزلازل بشكل ملحوظ، وعاد الاستقرار الجيولوجي للمنطقة، ولكن يظل هذا الحادث دليل حي على أن الحرات "نائمة وليست ميتة"، وأنها لا تثور مباغتة دون إنذار، كما يؤكد توماس.
ويضيف أن "دراستهم تساعد على الفهم الدقيق لحجم ومسارات الثورانات القديمة، بحيث يستطيع خبراء التخطيط العمراني والدفاع المدني تحديد الأودية والمسارات المهددة مستقبلا، مما يمنح المخططين أداة إستراتيجية لتوجيه التوسع السكاني والمشروعات الحيوية بعيدا عن مجاري الخطر المحتملة".
ويشيد الدكتور توماس بامتلاك هيئة المساحة الجيولوجية السعودية شبكة رصد زلزالي وجيوديسي متطورة للغاية، أثبتت كفاءتها في حدث في حرة الشاقة عام 2009، وتتكامل هذه المنظومة الوطنية حاليا مع أبحاث رائدة يقودها علماء في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) لتأريخ بقية الحمم في المنطقة، لتقديم الصورة الأكثر وضوحا ودقة للمستقبل البركاني لشبه الجزيرة العربية، وضمان أمان مجتمعاتها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة