آخر الأخبار

فيروس هانتا: بين الحقيقة العلمية وهواجس الجائحة العالمية

شارك
حتى مايو 2026، لا يوجد لقاح معتمد ومتاح تجاريًا لفيروس هانتا في الولايات المتحدة أو على نطاق واسع عالميًا ومع ذلك، هناك جهود بحثية مكثفة لتطوير لقاحات واعدةصورة من: Membio/Depositphotos/IMAGO

في واقعةٍ أعادت إلى الأذهان ذكريات الجوائح القاتلة، تحولت سفينة سياحية كانت في طريقها من الأرجنتين إلى الرأس الأخضر (Cape Verde) إلى بؤرة اهتمام عالمي بعد و فاة رجل ثم زوجته نتيجة إصابتهما بفيروس هانتا .

وبالتقصي في تفاصيل الحادثة، التي أوردتها تقارير صحفية، يتبين أن الاستجابة الصحية العالمية لم تكن ناتجة عن ذعر عشوائي، بل نتيجة تفعيل صارم لبروتوكولات الصحة البحرية الدولية؛ حيث تم عزل المسافرين المخالطين للمصابين فوراً وإخضاعهم لرقابة مشددة.

وتشير البيانات وتصريحات الخبراء، ومنهم البروفيسور بول هنتر الأستاذ بكلية نورويتش للطب بجامعة إيست أنجليا في انجلترا والدكتور جيمي ويتوورث أستاذ وبائيات الأمراض المعدية في مدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة في إنجلترا، إلى أن هذا الحدث، رغم مأساويته، يظل "حدثاً معزولاً"، وفق تصريحاتهما للغارديان.

ويؤكد ويتوورث أن طبيعة الفيروس تفرض قيوداً بيولوجية تمنعه من التحول إلى جائحة عالمية في ظل الإجراءات الحالية، مما يضع الحادثة في سياق "الاحتواء الناجح" لا "بداية التفشي".

لم تكن الاستجابة الصحية العالمية ناتجة عن ذعر عشوائي، بل نتيجة تفعيل صارم لبروتوكولات الصحة البحرية الدولية؛ حيث تم عزل المسافرين المخالطين للمصابين فوراً وإخضاعهم لرقابة مشددة.صورة من: Pedro Nunes/REUTERS

لماذا لم تصبح السفينة "بؤرة صفر" لجائحة جديدة؟

لفهم السبب وراء استبعاد الخبراء لسيناريو الجائحة، يجب التعرف على الطبيعة البيولوجية لفيروس هانتا ، وهو فيروس من عائلة الفيروسات المنقولة عبر القوارض (Rodent-borne viruses)، حيث يعمل البشر كمضيفين عرضيين فقط.

آليات الانتقال وديناميكية العدوى:


*

الاستنشاق الرذاذي (Aerosolization): وهي الثغرة الأخطر، حيث ينتقل الفيروس عند استنشاق جزيئات مجهرية ملوثة بفضلات أو بول أو لعاب القوارض الجاف.


*

الاتصال المباشر: لمس الأسطح الملوثة ثم ملامسة الأغشية المخاطية (الفم أو الأنف).


*

الناقلات الحيوانية (حسب بيانات CDC وWHO):


*

فأر الغزلان (Deer Mouse): المسؤول الأول عن الإصابات في أمريكا الشمالية.


*

فأر الحقول المخطط (Striped Field Mouse) وفأر البنك (Bank Vole): النواقل الرئيسية في أوروبا وآسيا.

فيروس هانتا، هو فيروس من عائلة الفيروسات المنقولة عبر القوارض (Rodent-borne viruses)، حيث يعمل البشر كمضيفين عرضيين فقط.صورة من: Imagepointfr/Depositphotos/IMAGO

وحول مدى إمكانية تحول الإصابة بفيروس هانتا إلى جائحة عالمية على غرار جائحة كوفيد ، قال الدكتور بلال زعيتر الخبير في علم الأدوية واللقاحات إن فيروس هانتا ليس بجديد، إذ تم اكتشافه منذ عقود طويلة وبشكل عام فإن قابلية العدوى به قليلة جدا، ولكن كون جميع الفيروسات قابلة للتحور الذي هو جزء من طبيعة عائلة الفيروسات بأكملها، نتج عن ذلك قبل عدة سنوات ظهور متحور من هذا الفيروس، لديه قدرة أعلى من الفيروس الأصلي على الانتشار، وهو ما يسمى بالمتحور الأرجنتيني".

وأضاف زعيتر خلال حوار هاتفي مع DW عربية من لندن أنه وبشكل عام ولغاية هذه اللحظة تبقى احتمالية حدوث جائحة عالمية من فيروس هانتا بشكله الحالي، حتى مع المتحور الجديد، قليلة نسبياً. وتابع زعيتر: "ولكن بعدما حدث في جائحة كوفيد وسارس، أصبح هناك حالة من التخوف غير المبرر لدى العديد من القطاعات في العالم، لكن تبقى منظمة الصحة العالمية هي الفيصل، وهي أوضحت بشكل واضح لا مجال فيه للَّبس أن احتمالية حدوث جائحة عالمية من فيروس هانتا هو قليل بشكل لا يذكر، ولكن يبقى الاحتياط واجباً".

لقاحات ضد هانتا على الطريق؟

يمثل فيروس هانتا تحديًا صحيًا عالميًا، حيث يمكن أن يسبب أمراضًا خطيرة مثل المتلازمة الرئوية لفيروس هانتا (HPS) والحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية (HFRS). وعلى الرغم من أن معظم سلالات فيروس هانتا تنتقل من القوارض إلى البشر، إلا أن سلالة فيروس الأنديز (Andes virus) تبرز كاستثناء بقدرتها على الانتقال المحدود من إنسان إلى إنسان آخر.

وبحسب ما نشرت شبكة "ان بي سي نيوز" فإنه حتى مايو/ أيار 2026، لا يوجد لقاح معتمد ومتاح تجاريًا لفيروس هانتا في الولايات المتحدة أو على نطاق واسع عالميًا ومع ذلك، هناك جهود بحثية مكثفة لتطوير لقاحات واعدة بحسب ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز، فيما يركز العلاج بشكل أساسي على الرعاية الداعمة لإدارة الأعراض والمضاعفات .

ووفق آخر التقارير فإن باحثين من جامعة باث (University of Bath) بالمملكة المتحدة، بقيادة البروفيسور أسيل سارتبايفا، يقومون حالياً بتطوير لقاح جديد ضد فيروس هانتا يعتمد على تقنية mRNA وتقنية "Ensilication” الثورية التي تحافظ على استقرار اللقاحات في درجات حرارة الغرفة، مما يسهل نقلها وتخزينها دون الحاجة إلى سلسلة تبريد صارمة.

تنتقل فيروسات هانتا المسببة لمتلازمة هانتا الرئوية (HPS) عن طريق براز القوارض، وخاصة فأر الغزلان. تستمر فترة الحضانة من أسبوع إلى خمسة أسابيع. يبدأ المرض بالحمى وآلام العضلات، يليها ضيق في التنفس وسعالصورة من: CDC/Image Point FR/BSIP/IMAGO

وقد أظهر اللقاح استجابات مناعية ممتازة في الاختبارات المعملية وعلى الحيوانات، ومن المتوقع أن يدخل المرحلة الأولى من التجارب السريرية البشرية في المستقبل القريب بحسب ما أشار موقع نيوز ميديكال نت و انوفيشن نيوز نتورك .

كما أظهرت تجربة سريرية أولية على البشر (First-in-human trial) باستخدام لقاح تم انتاجه من خلال الحمض النووي لفيروس الأنديز (Andes Virus DNA Vaccine) أنه آمن ويحفز استجابة مناعية قوية ودائمة. هذه النتائج واعدة بشكل خاص بالنظر إلى قدرة فيروس الأنديز على الانتقال من إنسان إلى إنسان، وفق موقع نيوز ميديكال نت ووفق دراسة علمية نشرت عام 2023 .

وفي هذا السياق، يقول الدكتور بلال زعيتر الخبير في علم الأدوية واللقاحات إن "تطوير اللقاحات هو ناتج عن الحاجة. وحتى الآن، لا توجد حاجة فعلية لتطوير لقاح لفيروس هانتا حتى هذه اللحظة، كون تطوير اللقاحات يحتاج إلى موارد مالية كبيرة، وترى السلطات أو المنظمات العالمية أن هذه الأموال والموارد يجب استخدامها مع أمراض تقتل الكثير ومن ضمنها مثلا مرض الملاريا وهو مرض يقتل الآلاف في كل عام، ومع ذلك لا يوجد له لقاح فعال".

يرى الدكتور بلال زعيتر أنه حتى هذه اللحظة تبقى احتمالية حدوث جائحة عالمية من فيروس هانتا بشكله الحالي، حتى مع المتحور الجديد قليلة نسبياً،صورة من: privat

وأضاف زعيتر أنه "ومع التقدم في عالم اللقاحات وبالذات تكنولوجيا mRNA فهناك فرصة أو احتمالية حقيقية لتطوير لقاح مضاد لفيروس هانتا خلال فترة زمنية قصيرة، خاصة وأن البنية التحتية اللازمة لعمل ذلك موجودة الآن، ولكن التحرك في هذا الاتجاه غير موجود بسبب أن الوسط العلمي المتخصص في الأوبئة حول العالم لا يرى أن هناك حاجة حتى هذه اللحظة لتطوير لقاح ضد هانتا".

التباين الإقليمي لمتلازمتي "HPS" و"HFRS"

يكشف التحليل المقارن للسلالات الجغرافية عن فوارق جوهرية في الأعراض والفتك، فمتلازمة هانتا الرئوية (HPS) تنتشر في الأمريكتين (الشمالية والجنوبية)، فيما تنتشر الحمى النزفية المصحوبة بالمتلازمة الكلوية (HFRS) في أوروبا وآسيا والشرق الأقصى.

كما يختلف العضو المستهدف لكلا المتلازمتين، ففيما تستهدف متلازمة (HPS) الرئتين والجهاز التنفسي السفلي، تستهدف متلازمة (HFRS) الكلى والجهاز الوعائي.

أيضاً، تختلف المتلازمتان في أعراض الإصابة بهما، فالإصابة بمتلازمة (HPS) يكون من أعراضها الوذمة الرئوية (تراكم السوائل، أي الاستسقاء الرئوي)، ضيق تنفس حاد، انخفاض في ضغط الدم، أما أعراض الإصابة بمتلازمة (HFRS) فتشمل الفشل الكلوي الحاد ونزيفا داخليا وآلام ظهر شديدة.

لغز "سلالة أنديز" وعائق الانتشار

خلال البحث في السجلات الوبائية، تبرز "سلالة أنديز" (Andes virus) في أمريكا الجنوبية كاستثناء وحيد ومقلق، حيث وثّقت منظمة الصحة العالمية حالات انتقال محدودة من إنسان إلى آخر. ومع ذلك، يطمئننا العلم لثلاثة أسباب جوهرية:


*

كفاءة النقل: على عكس فيروس كوفيد-19 الذي ينتقل عبر الهواء بسهولة، يتطلب انتقال سلالة أنديز بين البشر اتصالاً وثيقاً جداً ومطولاً (مثل أفراد الأسرة الواحدة)، ولا يمتلك الفيروس "اللياقة البيولوجية" للاستمرار في سلسلة انتقال طويلة.


*

غياب الحامل البشري الدائم: الفيروس يحتاج دائماً للعودة إلى مستودعه الحيواني (القوارض) للحفاظ على بقائه، مما يجعل بؤر التفشي "مسدودة" جغرافياً.


*

الاستجابة المناعية: يوضح الخبراء في "مركز الإعلام العلمي" (Science Media Centre) أن سرعة ظهور الأعراض الحادة تساعد في العزل المبكر للمرضى، مما يمنع الانتشار المجتمعي الصامت.

وحول ما إذا كانت الظروف الجوية أو المناخية والجغرافية تلعب دوراً ما في انتشار فيروس هانتا، يرى الدكتور بلال زعيتر أن "الفيروسات التي تنتقل عن طريق النفس من إنسان إلى آخر تنمو وتزدهر في مواسم البرد". وقال زعيتر: "لعلنا في الوطن العربي لدينا عامل أفضلية، وهي أن درجات الحرارة المعتدلة بشكل عام، لاسيما أننا ندخل الآن في فصل الربيع والصيف في معظم أنحاء الوطن العربي، تقلل من نسبة الأمراض التنفسية ونزلات البرد وأدوار الزكام، بدءا من نهاية فصل الشتاء، فبالتالي باعتقادي الشخصي أننا لدينا فرص أقل لتفشي أي عدوى تنفسية في هذا الموسم لحسن الحظ".

لا تتم السيطرة على فيروس هانتا في غرف الطوارئ فحسب، بل تبدأ من الميدان عبر الرصد البيئي (Environmental monitoring).صورة من: Peter Dejong/AP Photo/picture alliance

دور الرقابة البيئية والصحة العامة

ولا تتم السيطرة على فيروس هانتا في غرف الطوارئ فحسب، بل تبدأ من الميدان عبر الرصد البيئي (Environmental monitoring). يتضمن ذلك تتبع كثافة القوارض في المناطق الريفية وفحص معدلات الانتشار الفيروسي بينها قبل وصولها للمجتمعات البشرية.

ويُنصح المسافرون والعاملون في بيئات عالية المخاطر بما يلي:


*

الوعي المكاني: عند التخييم، ابحث عن علامات نشاط القوارض؛ وتجنب النوم في الأكواخ القديمة غير المهواة.


*

الإفصاح الطبي: إذا عانيت من أعراض تشبه الأنفلونزا بعد زيارة مناطق ريفية أو التعامل مع مخازن قديمة، يجب إخبار الطبيب فوراً باحتمالية "التعرض للقوارض"؛ فالتشخيص المبكر للوذمة الرئوية ينقذ الأرواح.


*

إدارة النفايات: حفظ الطعام في حاويات معدنية محكمة الإغلاق هو خط الدفاع الأول لمنع جذب القوارض إلى أماكن السكن.

كما أن هناك احتياطيات يجب اتباعها وهي كما يلي:

التعقيم الرطب: لا تقم أبداً بكنس فضلات القوارض وهي جافة؛ استخدم محاليل الكلور لترطيب المنطقة ومنع تطاير الفيروس.

الإغلاق الهيكلي: سد جميع الفتحات التي تزيد عن 6 ملم في المساكن والمخازن.

الحماية الشخصية: ارتداء كمامات N95 عند دخول أماكن مهجورة أو مستودعات ريفية لفترات طويلة.

العلم في مواجهة الذعر

وختاماً، يؤكد علماء الفيروسات وخبراء الصحة العامة أن فيروس هانتا يمثل "تهديداً شديداً للفرد، لكنه ضعيف الانتشار بشكل جماعي".

ولم تكن مأساة السفينة السياحية نذيراً بجائحة، بل كانت تذكيراً بأن الطبيعة تتربص بالبشر في أكثر الأماكن غير المتوقعة. في هذا السياق، فإن السلاح الأقوى اليوم ليس بناء الجدران، بل تعزيز أنظمة الرصد المبكر والوعي المجتمعي المبني على الحقائق العلمية الرصينة. ويظل فيروس هانتا تحت السيطرة، ما دام العلم هو القائد، والشفافية هي المنهج.

تحرير: صلاح شرارة

DW المصدر: DW
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار