تضطر الحيتان الطيارة طويلة الزعانف إلى الصراخ بصوت مرتفع كي تتمكن من التواصل وسط الضوضاء الشديدة الناتجة عن حركة السفن، في واحد من أكثر الممرات البحرية ازدحاما في العالم، مضيق جبل طارق، حسب نتائج دراسة جديدة نشرت يوم 7 مايو/أيار في مجلة "جورنال أوف إكسبيرمنتال بيولوجي".
وتشير النتائج إلى أن هذا التلوث الضوضائي قد يهدد قدرة هذه الحيتان المعروفة علميا باسم "جلوبيسيفالا ميلاس" على العثور على أفراد مجموعتها، والتنسيق أثناء الحركة والغوص، وربما البقاء على المدى الطويل. تعبر هذا المضيق أكثر من 60 ألف سفينة سنويا، ما يجعله بيئة صاخبة للغاية بالنسبة إلى كائنات تعتمد اعتمادا كبيرا على الصوت في حياتها اليومية.
توضح المؤلفة الرئيسية للدراسة، ميلو هيجمان، الباحثة في علم سلوك الحيوان بقسم علوم البيئة، بجامعة آرهوس الدنماركية، أن نحو 250 حوتا فقط من هذا النوع يعيشون في هذه المنطقة، وهو عدد محدود يجعل أي ضغط إضافي على هذه المجموعة مصدر قلق للعلماء.
وتوضح الباحثة في تصريحات للجزيرة نت، أن الحيتان لا تستخدم الصوت وسيلة ثانوية، بل تعتمد عليه في التواصل، والحفاظ على الترابط داخل المجموعة، والعودة إلى أفرادها بعد الغوص، وربما أيضا في التزاوج والتفاعل مع مجموعات أخرى.
خلال الفترة بين عامي 2012 و2015، توجه الباحثون إلى مضيق جبل طارق على متن سفينة أبحاث، واستخدموا أجهزة تسجيل خاصة ثبتت على ظهور 23 حوتا بواسطة أكواب شفط، وهي طريقة تسمح بجمع البيانات دون إيذاء الحيوانات.
وفقا للباحثة، سجلت هذه الأجهزة أصوات الحيتان ومستويات الضوضاء تحت الماء، إلى جانب معلومات عن عمق الغوص وحركة الحيتان. وبعد نحو 24 ساعة، كانت الأجهزة تنفصل تلقائيا عن أجسام الحيتان وتطفو على سطح الماء، ليتمكن الباحثون من استعادتها وتحليل البيانات التي جمعتها.
وبعد العودة إلى المختبر، حلل الفريق أكثر من 1400 نداء صوتي، وصنفها إلى أربعة أنواع رئيسية. بعض هذه النداءات يستخدم في التواصل القريب بين الحيتان، بينما تستخدم أصوات أخرى، خاصة النداءات منخفضة التردد والمركبة، للتواصل عبر مسافات أطول.
وبحسب الباحثة، تكتسب هذه النداءات أهمية خاصة عندما تغوص الحيتان إلى أعماق كبيرة بحثا عن الغذاء، ثم تحتاج بعد ذلك إلى إعادة الاتصال بأفراد مجموعتها.
أظهرت الدراسة أن الحيتان تحاول بالفعل رفع صوتها عندما ترتفع مستويات الضوضاء في المياه، في محاولة للبقاء والتواصل في بيئة مائية واسعة ومعقدة. ووجد الباحثون أن بعض النداءات الأكثر أهمية، خاصة تلك المستخدمة للتواصل عبر مسافات طويلة، تكون أصلاً من أعلى الأصوات التي تطلقها الحيتان. وهذا يعني أنها قد تكون قريبة من الحد الأقصى لقدرتها الصوتية، فلا تستطيع رفعها أكثر عندما تزداد الضوضاء حولها.
تشير هجمان إلى أنه إذا كانت الضوضاء القادمة من السفن تغطي على أصوات الحيتان، وكانت الحيتان غير قادرة على زيادة شدة بعض نداءاتها المهمة، فإن المسافة التي يمكنها التواصل عبرها ستنخفض، وهو ما يعني أن مجال السمع بين أفراد المجموعة يصبح أصغر، وقد يصبح من الصعب على الحوت أن يعثر على رفاقه بعد غوص عميق، أو أن يتواصل مع حيتان أخرى خلال فترات مهمة مثل التزاوج.
ولا تقتصر المشكلة على مجرد انزعاج صوتي، بل تتعلق بطريقة حياة هذه الكائنات؛ فالحيتان الطيارة حيوانات اجتماعية تعيش في مجموعات مترابطة، ويعد التواصل بينها عنصرا أساسيا في تنظيم الحركة والبحث عن الطعام والحفاظ على الصغار. لذلك، فإن تقليص قدرتها على التواصل قد تكون له آثار أوسع على صحتها وسلوكها وفرص بقائها.
تضيف الباحثة أن الحيتان الطيارة طويلة الزعانف في مضيق جبل طارق، تواجه بالفعل ضغوطا متعددة، من بينها حركة الملاحة الكثيفة، واحتمالات الاصطدام بالسفن، وتغيرات البيئة البحرية، والآن التلوث الضوضائي الذي قد يحد من قدرتها على التواصل.
وتشدد هيجمان على أن تقليل الضوضاء الناتجة عن السفن يمكن أن يساعد في حماية هذه الحيتان، وذلك من خلال إجراءات مثل خفض سرعة السفن في المناطق الحساسة، أو تحسين تصميم المحركات والمراوح لتصبح أكثر هدوءا، أو تنظيم حركة الملاحة في الفترات والمناطق المهمة بيئيا.
يشير الفريق إلى أن العمل الميداني لجمع البيانات، جرى بمنح من مكتب البحوث البحرية (Office of Naval Research – ONR)، ومجلس البحوث المستقلة في العلوم الطبيعية في الدنمارك، ومؤسسة كارلسبيرغ، ومن برنامج الموارد البحرية الحية التابع للبحرية الأمريكية، بالإضافة إلى دعم منحة تدريب من مؤسسة إيراسموس.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة