في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يكد ناشطو حماية الحياة البرية في إيطاليا يهنؤون بالتقدم الذي أُحرز في حماية الذئاب، والتي شهدت انتعاشا ملحوظا في أعدادها خلال العقود الأخيرة بعد أن كانت على شفا الانقراض في القرن العشرين، حتى استيقظوا مؤخرا على حادث مروع وُصف بأنه أحد "أسوأ الهجمات" على الحياة البرية في البلاد.
وعثرت السلطات، قبل أيام، على أكثر من 18 ذئبا إلى جانب حيوانات برية أخرى نافقة، في مواقع متفرقة داخل وحول متنزه "أبروتسو ولازيو وموليز الوطني"، وهي منطقة جبلية في وسط البلاد طالما اعتبرت "معقلا للذئاب" الإيطالية. وكشفت التحقيقات أن نفوقها يرجح أن يكون نتيجة تناول "طعم مسموم" قُدّم لها، في محاولة لتفادي هجماتها على ماشية المزارعين، وهو ما يثير تساؤلات حول دوافع هذا السلوك، وما إذا كان مؤشرا على تصاعد التوتر في العلاقة بين البشر والذئاب.
تقول الرئيسة المشاركة لمجموعة أخصائيي الكلبيات التابعة للجنة بقاء الأنواع في الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة الدكتورة جيرالدين ويرهان للجزيرة نت: "الماشية، ليست من الفرائس المفضلة للذئاب، ومع ذلك فإن تحولات بيئية، ليس للذئاب دخل في حدوثها، تدفعها أحيانا لمثل هذا السلوك، الذي يمكن الوقاية منه بتوفير الحماية المناسبة للماشية".
وتوضح أن "الذئاب، والحيوانات اللاحمة عموما، تعايشت مع البشر لآلاف السنين، وتعاملت الذئاب بشكل خاص مع الإنسان بمنطق أنه يمثل بالنسبة لها عامل خطر، لذلك تفضل بشكل عام الابتعاد عنه بدلا من المواجهة، وهو ما يدفعها لتجنب مخيمات الرعاة حيث توجد الماشية، لكن بعد أن بات الوجود البشري والبنية التحتية حاضرين بقوة في العديد من البيئات، كان ينبغي للحيوانات اللاحمة، كالذئاب التكيف مع هذه الظروف، التي قللت من فرائسها الطبيعية واحتياجاتها البيولوجية، لذلك فإن الماشية ليست خيارا مفضلا، لكنها تظل خيارا متاحا، إذا غابت الخيارات الأخرى".
وبسؤالها عن التغيرات المناخية وما إذا كان لها دور في هذا السلوك، قالت: "إذا أدى تغير المناخ وعوامل أخرى إلى انخفاض أعداد الفرائس البرية المتاحة، فلن يكون أمام الذئاب سوى اللجوء إلى الماشية لإطعام نفسها وعائلاتها".
ومع أن الأساس في اللجوء للماشية هو غياب الفرائس الأخرى، فإن جيرالدين لا تنكر سببا آخر، له علاقة أيضا بتكيف الذئاب مع الوجود البشري في محيط موائلها وهو "سهولة الفريسة"، وتقول: "إذا مر الذئب أو قطيع الذئاب على مخيم للرعاة، وغاب الرعاة وكانت هناك فريسة سهلة من الماشية غير المحمية، فلا يوجد ما يمنعه من انتهاز تلك الفرصة".
وأشارت إلى سبب ثالث يدفع الذئاب إلى الاقتراب من مخيمات الرعاة، وهو البحث عن رفيقة من الكلاب المنزلية التي يستخدمها الرعاة، وذلك بعد اليأس من وجود ذئاب أخرى متاحة.
ولا تعتبر جيرالدين ذلك تحولا في سلوك الذئاب، بقدر ما هو جزء من قدرتها الطبيعية على التكيف مع الظروف المتغيرة، وهي سمة مميزة للذئاب.
ومع تقدير جيرالدين للأسباب التي تدفع الرعاة لقتل الذئاب لحماية مصادر دخلهم، إلا أنها تشدد على أن ذلك ليس حلا، لا سيما أن الحيوانات الأليفة فقدت غريزة تجنب المفترسات بدرجات متفاوتة، مما يجعلها أقل قدرة على الدفاع عن نفسها ضد الحيوانات اللاحمة.
وتقول: "لذلك من الضروري حماية الماشية جيدا من الحيوانات المفترسة لضمان بقائها مصدرا غذائيا غير مرغوب فيه، لأن الذئاب إذا علمت أن الأغنام غير المحمية فريسة سهلة، فسوف تكرر ذلك".
وتضيف: "يتطلب ذلك جهودا كبيرة لحماية الماشية، فمن الضروري على الجهات الإدارية دعم وتشجيع استخدام الوسائل غير القاتلة لحماية الماشية من خلال توفير وسائل الحماية مثل (الأسوار الكهربائية، وأضواء الكشافات، وغيرها من الوسائل)، بالإضافة إلى مطالبة الحكومات بتعويض خسائر الماشية التي قد تتسبب فيها حيوانات مفترسة".
ولا ترى أن تنفيذ هذه الإجراءات الوقائية أمرا صعبا، إذ توجد العديد من قصص النجاح، التي خلقت مناخا مناسبا من التعايش السلمي بين البشر والذئاب.
ومن المبادرات الناجحة في هذا الإطار، ما تم تنفيذه في منطقة "لاداخ" بجبال الهيمالايا الهندية، حيث كانت الذئاب تقتل هناك بطرق تقليدية قاسية باستخدام حفر تعرف باسم "شاندونغ"، حيث يتم استدراج الذئب ثم رجمه حتى الموت، وذلك لحماية الماشية التي تمثل مصدر رزق أساسي للسكان.
ونجحت مبادرة قادتها مؤسسات مثل "الحفاظ على الطبيعة"، بالتعاون مع "صندوق نمر الثلوج" في علاج تلك المشكلة، انطلاقا من لقاءات مع الأهالي خلصت إلى أن الصراع بين البشر والذئاب ناتج أساسا عن خسائر الماشية، وليس عداء مباشرا مع الحيوان نفسه، ومن خلال توفير وسائل الحماية للماشية، انتقل السكان من قتل الذئاب إلى حمايتها.
ولا تعتبر جيرالدين مثل هذه المبادرات ترفا، لكنها ضرورة بسبب الدور المهم الذي تؤديه الذئاب، كغيرها من الحيوانات اللاحمة، في النظم البيئية التي تعيش فيها.
وتقول: "الذئاب تحافظ على صحة فرائسها البرية، إذ تميل إلى استهداف الأفراد المرضى والمسنين، وتزيد من التنوع البيولوجي، كما أن وجودها يُجبر أنواع الفرائس على توخي الحذر وتجنب مناطق رعي معينة، مما يؤدي إلى زيادة التنوع في الموائل، كما تساهم في تحقيق التوازن البيئي والحفاظ على التنوع البيولوجي، وهو ما تؤكده تجربة محمية (يلوستون) الوطنية بأمريكا التي تم تنفيذها عام 1995".
وقبل عام 1995، كانت الغزلان قد استبدت بمحمية "يلوستون"، والتهمت الأخضر واليابس في غياب أي رادع، حتى تحولت الوديان إلى أراضٍ جرداء، ثم تم إطلاق سراح عدد قليل من الذئاب في المحمية، ولم يكن أحد يتخيل أن هذه الكائنات "المفترسة" لن تكتفي بصيد الغزلان، بل ستعيد كتابة دستور الطبيعة من جديد.
ولم تقتل الذئاب الكثير من الغزلان، لكنها فعلت ما هو أعمق، فقد علمتهم "الخوف"، وبدأت الغزلان تتجنب الوديان والمناطق المفتوحة خوفا من الوقوع في فخ المفترس، وفي تلك المناطق المهجورة، حدثت المفاجأة، حيث تنفست الأرض الصعداء، ونمت الأشجار مجددا، وطالت أغصان الصفصاف والحور خمسة أضعاف في سنوات قليلة.
ومع عودة الشباب إلى الغابات، عادت الطيور المهاجرة لتغرد في سمائها، وعادت القنادس لتبني سدودها، وكان الجزء الأكثر إثارة للذهول، والذي لم يتوقعه العلماء، هو ما حدث للأنهار، فبفضل الأشجار والنباتات التي نمت على الضفاف، أصبحت التربة أكثر تماسكا، ولم تعد ضفاف الأنهار تنهار بسهولة، بل أصبحت مسارات المياه أكثر استقامة واستقرارا.
والأدوار البيئية التي تقوم بها الذئاب ليست المحفز الوحيد على حمايتها، بل إن هناك سببا آخر تشير إليه جيرالدين، جعلها تؤكد أن "مذبحة الذئاب" في إيطاليا كانت خطأ كبيرا.
وتقول إن "اللجوء إلى قتل الذئاب، وخاصة الصغار منها، سيؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من حدة النزاع مع الرعاة بدلا من إنهائه".
وتستند جيرالدين في رأيها إلى ورقة بحثية رائدة نشرتها دورية "فرونتيرز إن إيكولوجي أند ذا إنفايرونمنت" (Frontiers in Ecology and the Environment) للباحثة الأمريكية كيرا كاسيدي وزملائها، والتي رصدت كيف تؤدي الوفيات الناجمة عن التدخل البشري إلى إحداث حالة من عدم الاستقرار العميق داخل القطيع، فيما يعرف بـ"أثر الاضطراب" الذي يفكك الروابط الاجتماعية المعقدة لهذه الكائنات.
وتقول إن "هذا الاضطراب البيولوجي يحفز ردود فعل سلوكية خطيرة، فعندما ينهار الهيكل الاجتماعي للقطيع، تندفع الإناث نحو التكاثر بمعدلات أعلى لتعويض الفقد المفاجئ في الأفراد، كما تجد الذئاب التي بقيت وحيدة نفسها مضطرة للبحث عن فرائس سهلة كالماشية بعد فقدانها لقوة الجماعة اللازمة لصيد الطرائد البرية الصعبة، وهذا التفكك لا يكتفي بجعل الذئاب أكثر جرأة في الاقتراب من الممتلكات البشرية، بل يفتح الباب أيضا أمام دخول ذئاب غريبة ومشتتة إلى المنطقة لملء الفراغ البيئي، مما يخلق حالة من الفوضى السلوكية الدائمة".
وتختم بأن الحل الأمثل يكمن في الحفاظ على "استقرار القطعان" كبناء عائلي متماسك يتكون عادة من زوجين متكاثرين وأبناء من أعمار مختلفة، حيث يسهم هذا التنظيم الطبيعي في انضباط سلوك الصيد وتوجيهه نحو الفرائس البرية.
وتعود جيرالدين إلى ما ذكرته في البداية من أهمية توفير الحماية للماشية، وتقول إن "معادلة التعايش الناجح تتطلب توفير حماية فعالة للماشية بالتوازي مع ضمان وجود طرائد طبيعية كافية، مما يسمح للذئاب بأداء دورها الحيوي في توازن النظام البيئي دون المساس بمصادر رزق المجتمعات المحلية، لتصبح قوة القطيع المستقر هي الضمانة الحقيقية للأمن البيئي والرعوي على حد سواء".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة