لم يتشكل التيار القطبي الجنوبي، وهو التيار المحيطي الضخم الذي يدور حول القارة القطبية الجنوبية، نتيجة انفتاح المحيطات حول القارة، كما كان يعتقد سابقا، بل احتاج إلى مجموعة من العوامل المناخية المعقدة حتى يصل إلى شكله وقوته الحاليين، حسب دراسة جديدة نشرت يوم 6 أبريل/نيسان في مجلة "بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز" (PNAS).
تسلط الدراسة الضوء على واحدة من أهم محركات المناخ على كوكب الأرض؛ فهذا التيار الهائل ينقل كميات من المياه تفوق بأكثر من 100 مرة مجموع ما تنقله جميع أنهار العالم، ويؤثر بشكل مباشر في توزيع الحرارة بين القارات والمحيطات، وبالتالي في مناخ الكوكب ككل.
توضح المؤلفة الرئيسية للدراسة هانا كاهل، طالبة الدكتوراه في النماذج المناخية في معهد ألفريد فيجنر، مركز هيلمهولتز للأبحاث القطبية والبحرية في ألمانيا، أن ظهور هذا التيار ارتبط بفترة تحول مناخي كبير حدثت قبل نحو 34 مليون عام، عندما انتقلت الأرض من مناخ دافئ، يكاد يخلو من الجليد، إلى مناخ أبرد بدأت فيه الصفائح الجليدية الدائمة بالتشكل، خاصة في القطب الجنوبي.
وتقول الباحثة في تصريحات للجزيرة نت: "في تلك الفترة، بدأت القارات تتحرك تدريجيا مبتعدة عن القارة القطبية الجنوبية، ما أدى إلى فتح ممرات مائية بينها وبين كل من أستراليا وأميركا الجنوبية. وقد كان يعتقد أن هذا الانفتاح هو العامل الرئيسي الذي سمح بتكون التيار، إذ أتاح للمياه أن تدور بحرية حول القارة".
لكن الدراسة الجديدة تظهر أن هذا التفسير غير كاف؛ فوجود ممرات مائية مفتوحة لا يعني بالضرورة تشكل تيار قوي ومستمر. بمعنى آخر، كان هناك طريق للمياه، لكن لم يكن هناك ما يدفعها بقوة كافية لتكوين التيار المعروف اليوم.
وباستخدام نماذج مناخية متقدمة -وهي برامج حاسوبية تحاكي شكل الأرض ومناخها في الماضي اعتمادا على بيانات جيولوجية- أعاد الباحثون بناء شكل القارات والمحيطات كما كان قبل نحو 33.5 مليون عام.
ومن خلال هذه المحاكاة، اكتشفوا أن التيار لم يبدأ في التشكل بقوة إلا عندما ابتعدت أستراليا بشكل كاف عن القارة القطبية الجنوبية، ما سمح للرياح الغربية القوية بالمرور عبر ممر بحري يعرف باسم "بوابة تسمان".
توضح كاهل أن هذه الرياح تعمل مثل محرك يدفع المياه باستمرار حول القارة. وعندما أصبحت قوية ومباشرة بما يكفي، بدأت المياه بالدوران بشكل كامل ومنتظم، مكونة التيار القطبي الجنوبي كما نعرفه اليوم.
وتكشف النتائج أيضا أن المحيط الجنوبي في ذلك الوقت لم يكن نظاما موحدا كما هو الآن، بل كان أشبه بنظام في طور التشكل. إذ أظهرت النماذج المناخية أن بعض أجزاء المحيط، مثل الأطلسي والهندي، شهدت تيارات أقوى، في حين بقي المحيط الهادئ أقل نشاطا، ما يعني أن شبكة دوران المحيطات العالمية لم تكن قد اكتملت بعد.
توضح الباحثة أن التيار القطبي الجنوبي يمارس دورا أساسيا في تبريد الأرض، ليس فقط عبر نقل المياه الباردة، بل أيضا من خلال قدرته على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي ونقله إلى أعماق المحيط، حيث يمكن أن يبقى مخزنا لفترات طويلة.
وتساعد هذه العملية في تقليل تركيز الغازات الدفيئة، وبالتالي الحد من ارتفاع درجات الحرارة.
ويرى الفريق أن تشكل هذا التيار كان جزءا مهما من التحول إلى ما يعرف بـ"العصر الجليدي الحديث" (السينوزوي)، وهو العصر الذي ما زالت الأرض تعيش ضمنه حتى اليوم، حيث توجد صفائح جليدية دائمة في القطبين. كما تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل التغير المناخي الحالي؛ إذ إن فهم كيفية تشكل هذا التيار في الماضي يساعد العلماء على توقع كيف يمكن أن يتغير في المستقبل، خاصة مع ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة