آخر الأخبار

أكثر من 70% من جينات المصريين شرق أوسطية.. أين "الهوية الإفريقية"؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

رغم أن دراسات الجينوم في الأساس هي دراسات ذات أبعاد طبية وصحية، فإن تلك الدراسات عندما يتم إجراؤها في مصر، لا يمكن خلعها عن سياقها التاريخي، في ظل جدل قديم حول أصول المصريين، وهل هي شرق أوسطية أم أفريقية أم مزيج بين الاثنين.

ورغم أن مشروع الجينوم المصري الذي أصدر دراسة مؤخرا تناولت تسلسل الجينوم لأكثر من ألف مصري، لا يزال في مراحله الأولى، إذ يهدف لاحقا إلى إجراء تسلسل الجينوم لـ 25 ألف مصري، كما قال الدكتور خالد عامر، الباحث الرئيسي في مشروع الجينوم للجزيرة نت، إلا أن باحثيه تمكنوا من وضع بعض الملامح من خلال عينة الألف مصري الممثلين لـ 21 محافظة مصرية.

أحد أبرز الملامح، هي أن المصري "قريب جينيا" من الشرق الأوسط، لكن في الوقت نفسه، لديه بصمة جينية فريدة خاصة به.

ووفق الدراسة التي نشرت على منصة "بايوركايف" ولم تخضع بعد لمراجعة الأقران، فإن 71.8% من جينات المصريين تشبه شعوب الشرق الأوسط، في حين أن لديهم 18.5% مكون جيني خاص يميزهم، وكلا الرقمين كان لهما تفسير عند الباحثين المشاركين بالدراسة، وآخرين ممن لم يشاركوا بها.

ويقول خالد: "المكون الجيني الخاص ليس تميزا عن الآخرين، فبعضه له علاقة بطفرات مرضية، هو فقط تعبير عن ظروف خاصة عايشها الشعب المصري، وأنتجت هذا المكون المختلف".

وعبر الباحث عبد الله سامي، دكتوراه علوم البيئة والأحياء التطوري بجامعة كانساس (Kansas) الأمريكية، والأستاذ المساعد بمركز أبحاث كلية الطب بجامعة عين شمس -غير مشارك بالدراسة- عن المعنى نفسه، قائلا للجزيرة نت إن "وجود مكون مصري مميز نسبيا لا يعني انفصالا تاما عن الجيران، بل هو نتيجة تفاعل طويل بين التزاوج داخل المجتمع والتدفقات البشرية عبر التاريخ، ما أفرز بصمة وراثية خاصة دون قطع الصلة بالجذور الإقليمية".

مصدر الصورة وجود مكون مصري مميز نسبيا لا يعني انفصالا تاما عن الجيران (شترستوك)

سر الغياب الإفريقي

ولا يعني حصر غالبية الجينات في الأصل الشرق أوسطي، غياب الجين الإفريقي تماما عن الجينوم المصري، وقال الدكتور أحمد مصطفى، أستاذ علوم بيانات الجينوم بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والباحث المشارك بالدراسة للجزيرة نت، إن "الاقتراب الجيني مع شعوب الشرق الأوسط (شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية ومنطقة الشام)، هو أمر طبيعي بحكم التقارب الجغرافي، وما ترتب على ذلك من تزاوج وتدفق جيني بين الشعوب"

إعلان

ويضيف: "لكن ذلك لا يعني غياب المكون الجيني الإفريقي، والذي لم يظهر في تلك الدراسة لسببين، أولهما أن محافظة مثل أسوان، وهي الأقرب لإفريقيا، غير ممثلة في هذه الدراسة، والثاني أن الدول الإفريقية باستثناء دول جنوب غرب إفريقيا، ليس لديها بيانات جينية يمكن المقارنة معها، وبطبيعة الحال، فإن بعد المسافة بيننا وبين دول جنوب غرب القارة، لا يجعل بيننا وبينهم أي تقارب جيني".

ويؤيد الدكتور يحيى زكريا جاد، أستاذ الوراثة البشرية بالمركز القومي للبحوث، ما ذهب إليه أحمد، نافيا أن يكون التقارب الشرق أوسطي الذي رصدته الدراسة، موجها لما يحاول تيار "الأفروسنترك" ترويجه، ويهدف هذا التيار إلى إعادة قراءة التاريخ من منظور أفريقي، ويرى أن مصر القديمة كانت جزءا من أفريقيا ثقافيا وجغرافيا، وليست "منفصلة" أو "شرق أوسطية".

ويقول زكريا: "الجينوم البشري ليس صناديق مغلقة، فالمجموعات البشرية حول العالم كان بينها تدفق جيني، لذلك ستجد في دولة مثل مصر، كانت قبلة للعلم في فترات من تاريخها، تقاربا جينيا مع شعوب كثيرة أفريقية وغير أفريقية مثل الأتراك مثلا الذين حكموا مصر لفترة طويلة".

ويضيف: "ما توصلنا له في الدراسة هو بدايات، وستتكشف المزيد من الحقائق مع استكمال المشروع، ودراسة عينات من محافظات غير ممثلة مثل محافظة أسوان".

تطبيقات صحية

ومن الجدل التاريخي للأصول، إلى تطبيقات صحية منتظرة ستترتب على نتائج تلك الدراسة غير المسبوقة، وأهمها أنه توجد فجوة صادمة في الدراسات الجينية، تتمثل في أن ملايين البشر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ممثلون في أقل من 1% فقط في دراسات الارتباط الجيني عالميا، رغم أنهم يشكلون حوالي 6% من سكان العالم.

وأوضحت الدراسة أن هذه الفجوة، تقود إلى تشخيصات مضللة وتقديرات خاطئة لمخاطر الأمراض، حيث يبدو أن الغالبية العظمى من المصريين، وفق المقاييس الأوروبية، مرضى محتملون "على الورق"، وهو غير حقيقي وفق البيانات الجديدة التي تم رصدها.

ورصد الباحثون 51.3 مليون متغير جيني عند المصريين، منها 17.1 مليون متغير (33.4%) غير موجودة في قواعد البيانات العالمية، أي أن ثلث الجينات المكتشفة جديدة تماما علميا، وهذا يوضح أن المصريين كانوا غائبين جينيا عن قواعد البيانات العالمية.

مصدر الصورة يرى العلماء أن هذا مشروع واعد سيثمر عن قاعدة بيانات جينية وطنية (شترستوك)

زواج الأقارب وتأثيره الجيني

وتناولت تلك الدراسة أيضا، "مناطق التماثل الجيني المتتالية"، وهي أجزاء طويلة من الجينوم تكون فيها النسختان من الجين (من الأب والأم) متطابقتين تماما، ويرتبط ذلك بقوة بتاريخ الزواج بين الأقارب أو العزلة الوراثية، ووجد الباحثون أن معدلات هذه المناطق أعلى في أفراد من صعيد مصر، مقارنة بمناطق أخرى.

ويقول عبد الله: "هذا يتماشى مع الدراسات السكانية التي توثق ارتفاع نسب الزواج من الأقارب في بعض مجتمعات الصعيد، وهي ممارسة اجتماعية معروفة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا".

ويضيف أن الزيادة في "مناطق التماثل الجيني المتتالية"، تقلل التنوع الجيني داخل الأفراد وتزيد من احتمالات ظهور الأمراض الوراثية المتنحية في هذه المجتمعات، وهو ما تم إثباته في دراسات متعددة عن السكان ذوي نسب عالية من الزواج بين الأقارب".

حمى البحر المتوسط

ومن النتائج الصحية اللافتة أيضا، هو رصد أكثر حالة شائعة لجين مرتبط بأمراض، وكانت تتعلق بجين "إم إي إف في" (MEFV) المرتبط بمرض حمى البحر المتوسط، حيث وجدت الدراسة أن 9.1% من المصريين حاملون للجين، وقدرت أن حوالي 6600 طفل يولدون سنويا مصابين بالمرض.

إعلان

كما تم تحليل جينات المناعة، وكانت النتيجة أن المصريين أقرب في هذه الجينات لشعوب شرق المتوسط وبلاد الشام، وهي بيانات ستكون بالغة الأهمية عند تطوير اللقاحات، وزراعة الأعضاء، وفهم المناعة.

وأخيرا، تم الكشف عن مفاجأة مهمة في تقييم المخاطر الصحية، حيث وجدت الدراسة أن الأدوات الجينية التي يعتمدها العلماء لتحديد الأشخاص الأكثر عرضة للأمراض، والمعروفة باسم "درجات المخاطر الوراثية متعددة الجينات"، قد تكون مضللة عند تطبيقها على المصريين.

ويقول الدكتور أحمد مصطفى: "في حين تم تصميم هذه الأدوات في الأصل لمجموعات أوروبية، فإن استخدامها على المصريين أظهر أن نسبة كبيرة منهم تصنف على أنها عالية الخطورة لأمراض مثل السكتة الدماغية وأمراض الكلى والنقرس، وذلك على خلاف الواقع".

ويضيف أن "السبب البسيط لحدوث ذلك، هو أن التركيب الجيني للمصريين يختلف عن الأوروبيين، وبعض الأليلات (نسخة مختلفة من جين واحد تحدد صفة وراثية معينة، مثل لون العين أو فصيلة الدم) أو نسب ترددها تختلف بفعل التاريخ السكاني والزواج داخل المجتمع، ما يجعل المعيار الأوروبي غير قابل للنقل مباشرة".

فوائد بالجملة

وتعد هذه النتائج، كما يقول عبد الله، بأننا أمام مشروع واعد سيثمر عن قاعدة بيانات جينية وطنية يمكن أن تحدث ثورة في الطب الوقائي والشخصي.

ويقول: "ستمكن هذه القاعدة الأطباء من تشخيص الأمراض الوراثية بدقة أكبر، وتخصيص نماذج تقييم المخاطر الجينية للمصريين، بعيدا عن المعايير الأوروبية غير الممثلة، كما توفر هذه البيانات أساسا لبرامج الفحص الوقائي قبل الزواج، ودعم البحث العلمي المحلي، وتعزيز فهم الطفرات الوراثية النادرة، بما يسهم في تطوير الطب الشخصي على أرض الواقع".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار