كشفت دراسة علمية جديدة عن ارتفاعات قياسية في مستويات مياه المحيطات والبحار حول القارة الأفريقية، بما في ذلك البحر المتوسط والبحر الأحمر، خلال السنوات القليلة الماضية.
كما أظهرت أن هذه الارتفاعات تتجاوز المتوسط العالمي مدفوعة بظاهرة النينيو، مما يهدد ملايين البشر في عدد من المناطق الساحلية الأفريقية المكتظة بالسكان.
كشفت الدراسة التي أجراها باحثون في قسم علوم المحيطات بجامعة كيب تاون، ونشرت في دورية "كوميونيكيشنز إيرث آند إنفايرومنت" (Communications Earth & Environment)، وحللت بيانات الأقمار الصناعية لأكثر من ثلاثة عقود، من عام 1993 إلى عام 2024، في المحيط الأطلسي والمحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والمياه المجاورة لأفريقيا؛ عن ارتفاع مستويات سطح البحار الإقليمية في السنوات الأخيرة بنحو 11.26 سنتيمترا وبوتيرة أسرع من المتوسط العالمي.
وبحسب بيان نشر على موقع جامعة كيب تاون، فإن ظاهرة النينيو -وهي اضطراب مناخي طبيعي يتميز بارتفاع غير عادي في درجات حرارة سطح المياه بوسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي- أنتجت عامي 2023 و2024 ارتفاعا في مستوى سطح البحر بلغ 27 ملم، وهو الأكبر على الإطلاق، ويفوق الشذوذ القياسي الذي أحدثته عامي 1997 و1998، والذي بلغ نحو 19 ملم.
لفهم سبب ظاهرة النينيو الأخيرة بشكل أكبر من تلك التي حدثت في أواخر تسعينيات القرن الماضي، يقول فرانك غومسي، الباحث الرئيسي في الدراسة، في حوار مع الجزيرة نت عبر البريد الإلكتروني، إن ظروفا مناخية أخرى كانت مهيأة مسبقا لبلوغ هذا المستوى القياسي. فعندما ضربت ظاهرة النينيو، وصلت ثلاث ظواهر أخرى هي ثنائي قطب المحيط الهندي، ونينيو المحيط الأطلسي، ومؤشر شمال الأطلسي الاستوائي، إلى قيم إيجابية قياسية في الوقت نفسه.
أدى هذا الوضع إلى كبح صعود المياه الباردة (التيارات الصاعدة) وخلق طبقات حرارية قياسية أكبر من المتوسط بأكثر من خمسة أضعاف. ونتج عن ذلك زيادة محتوى حرارة المحيط أربعة أضعاف مقارنة بالأحداث السابقة، مما أدى إلى حلقة مفرغة حبست المزيد من الدفء بالقرب من السطح ورفعت مستوى سطح البحر.
وبحسب غومسي فإن ما يثير القلق هو أن هذه الحرارة لا تتبدد بسرعة، فالمحيط له "ذاكرة طويلة"، إذ تبقى الحرارة محصورة في الطبقات السطحية، وكلما ارتفعت درجة حرارة الماء، زاد التمدد. ومن إجمالي الارتفاع البالغ 11.26 سم المسجل حول أفريقيا منذ عام 1993، حدث ما يقرب من 20% خلال الدورة الأخيرة لظاهرة النينيو وحدها.
حددت الدراسة نقطة تحول حاسمة حدثت عام 2009 تقريبا، عندما تسارع ارتفاع مستوى سطح البحر بنسبة 73%، ليقفز من 2.72 إلى 4.70 ملم سنويا. وساهمت الفترة 2023-2024 وحدها بنحو خمس إجمالي الارتفاع المسجل منذ عام 1993.
ما يميز هذه الأحواض، وفق الباحث في جامعة كيب تاون، هو اختلاف عوامل ارتفاع مستوى السطح مقارنة بالمحيطات، ففي المحيط المفتوح، كان ما بين 70 و86 بالمئة من شذوذ مستوى سطح البحر خلال هذه الظاهرة ناتجا عن التمدد الحراري.
أما في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، فقد شكل هذا العامل ثلث الشذوذ الكلي تقريبا، فيما جاء الثلثان المتبقيان أساسا من التدفقات المائية إليهما من المحيط، إلى جانب مساهمات محتملة من تغيرات الملوحة في هذه الأحواض ذات معدلات التبخر العالية.
وبحسب الباحث، فإن هذا الاختلاف ينشأ من طبيعتهما الجغرافية شبه المغلقة، مما يعني أنها تستجيب بشكل مختلف للتأثيرات المناخية. فبدلا من مجرد ارتفاع درجة حرارتها كما هو الحال في المحيط المفتوح، فإنها تتأثر بشدة بتغيرات الضغط الجوي البعيدة، وبتبادل المياه بفعل الرياح عبر فتحاتها الضيقة، وكذلك بأنماط هطول الأمطار والتبخر الإقليمية.
أظهر البحر الأبيض المتوسط اتجاها طويل الأمد لارتفاع مستوى سطح البحر بمعدل 3.42 مليمتر سنويا، مع تسارع معتدل نسبيا مقارنة بأحواض أفريقية أخرى. ومع ذلك، فقد شهد الجزء الشرقي منه، وخاصة بالقرب من الساحل المصري، اتجاهات تجاوزت 4 مليمترات سنويا. وتعد دلتا النيل من المناطق المعرضة للخطر بشكل خاص لأنها تواجه تهديدا مزدوجا يتمثل في ارتفاع مستوى سطح البحر من الأعلى وهبوط الأرض من الأسفل، ويتفاقم هذا التهديد بسبب انخفاض إمدادات الرواسب من السدود المقامة في أعالي النهر.
أما البحر الأحمر، فقد أظهر اتجاهات منتظمة نسبيا تتراوح بين 2 و4 مليمترات سنويا، وهي أعلى من المتوسط العالمي، ويشهد موجات حر بحرية متزايدة تهدد النظم البيئية للشعاب المرجانية والمجتمعات الساحلية التي تعتمد عليها.
يقول غومسي إن ارتفاع مستويات البحار والمحيطات حول سواحل أفريقيا يهدد حياة أكثر من 15 مليون ساكن. ويتعين مزيد الاستثمار في إنشاء شبكات قياس المد والجزر، إذ تمتلك أفريقيا أحد أضعف أنظمة الرصد في العالم. كما أنه لم يعد كافيا القيام بالتخطيط العمراني للمدن الساحلية بناء على المتوسطات، بل يجب توقع هذه الذروات العرضية المتطرفة التي باتت تشكل القاعدة. أحداث عامي 2023 و2024 لم تكن معزولة، بل كانت لمحة عن نظام مناخي جديد تضخم فيه الحالة الحرارية للمحيط كل صدمة مناخية مستقبلية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة