آخر الأخبار

سر مدفون تحت بحر الشمال.. العلماء يكشفون أصل "فوهة سيلفربيت"

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في عام 2002، تم التعرف لأول مرة على فوهة سيلفربيت، وهي بنية غامضة مدفونة تحت قاع بحر الشمال، تقع على بعد نحو 129 كيلومترا من سواحل يوركشاير في شمال شرق إنجلترا، وعلى عمق يقارب 700 متر تحت قاع البحر، ويبلغ عرضها نحو 3 كيلومترات، وتحاط بمنطقة من الصدوع الدائرية تمتد لنحو 20 كيلومترا.

وقد أوحت بنيتها الدائرية وقمتها المركزية والصدوع الحلقية المتراكزة حولها بكونها ناتجة عن اصطدام كوني، إلا أن غياب الأدلة الحاسمة فتح الباب أمام تفسيرات بديلة، من بينها فرضيات تُرجع تكوينها إلى عمليات جيولوجية تقليدية، مثل تحركات رواسب الملح في الأعماق أو انهيار قاع البحر بفعل نشاط بركاني قديم.

يقول البروفيسور غاريث كولينز من إمبريال كوليدج لندن إن "هذا الجدل استمر على مدار السنوات الماضية بسبب عدم اكتمال بيانات التصوير الزلزالي المتاحة آنذاك، والأهم غياب المعادن المتحولة صدميا، وهي الدليل القاطع على حدوث اصطدام، مما جعل أصل الفوهة غير واضح".

وبعد أكثر من عقدين من الجدل العلمي، توصل كولينز وزملاؤه إلى أدلة متضافرة تثبت أن هذه الفوهة تكونت نتيجة اصطدام كويكب عنيف بالأرض قبل ملايين السنين، ونُشرت نتائجهم في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications).

مصدر الصورة بحر الشمال (شترستوك)

أدلة مخفية في قاع البحر

في عام 2009، بلغ الجدل حول أصل الفوهة ذروته خلال اجتماع للجمعية الجيولوجية في لندن، حيث صوتت الغالبية العظمى -وكان معظمهم من جيولوجيي البترول- ضد فرضية الاصطدام.

بعد نحو عقدين، عاد كولينز وزملاؤه إلى دراسة موقع الفوهة، إثر إشارة تلقوها عام 2022 عقب اكتشاف فوهة "نادير" قبالة غرب أفريقيا، حيث أعيدوا فحص البيانات الزلزالية القديمة ودمجوها مع بيانات حديثة عالية الدقة وعينات الحفر ونماذج المحاكاة، لتقود النتائج إلى قلب الاستنتاجات السابقة بالكامل.

إعلان

باستخدام تقنيات حديثة للتصوير الزلزالي ثلاثي الأبعاد، إلى جانب تحليل فتات الصخور المستخرجة من بئر نفط في المنطقة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، تمكن الباحثون من إعادة بناء صورة للفوهة بتفاصيل لم تكن ممكنة سابقا.

ويشير كولينز إلى أن "بيانات زلزالية ثلاثية الأبعاد عالية الدقة، وفرتها شراكة نورذرن إنديورانس، أتاحت لأول مرة رؤية غير مسبوقة لبنية فوهة اصطدام نموذجية، كاشفة بوضوح عن مجموعة من السمات الحاسمة، تشمل ارتفاعًا مركزيًا، وأنماط صدوع دائرية وشعاعية، وخندقًا حلقيًا محيطًا، إضافة إلى فوهات ثانوية أصغر على قاع البحر الذي كان قائمًا وقت الاصطدام".

ويؤكد الباحث الذي ساهم في النماذج الحاسوبية للدراسة الجديدة، في حديثه للجزيرة نت أن "هذه الخصائص مجتمعة تشكل بصمة تشخيصية واضحة لاصطدام فائق السرعة ترك وراءه واحدة من أندر فوهات الاصطدام تحت الماء على كوكب الأرض، ولا يمكن تفسيرها بتحركات الملح أو النشاط البركاني أو أي آلية جيولوجية أخرى".

أما التحليل المجهري لعينات الصخور فقد شكل الدليل الحاسم على هذا الاصطدام، إذ احتوت العينات على بلورات كوارتز وفلسبار نادرة تحمل آثارًا مجهرية لا تتشكل إلا تحت الضغوط الهائلة الناتجة عن اصطدامات فائقة السرعة، مما يؤكد أن الفوهة نتجت عن تصادم عالي الطاقة.

وتشير النماذج الحاسوبية المستندة إلى هذه الأدلة إلى أن الجسم المصطدم بقاع البحر كان كويكبًا بعرض 160 مترًا، وكان يتحرك بسرعة تُقدر بين 15 و20 كيلومترًا في الثانية.

ويظهر نمط الصدوع المحيطة بالفوهة -حيث تتباعد الصخور غربًا وتنضغط شرقًا- أن الكويكب ارتطم بالأرض بزاوية منخفضة، قادمًا من جهة الغرب. كما تظهر السجلات الزلزالية أن الحدث وقع خلال العصر الإيوسيني الأوسط، قبل نحو 43 إلى 46 مليون عام.

وبحسب كولينز، أدى الاصطدام إلى حفر فوهة مؤقتة بعمق كيلومتر واحد خلال نحو 12 ثانية فقط، وتوليد تسونامي قوي وتدفقات ارتدادية أعادت ملء الفوهة سريعًا، وقذف عمود ضخم من المواد إلى أعلى، وربما عمود ثان غني بالغازات نتيجة التحلل السريع لرواسب الطباشير، وإطلاق كتل صخرية شكلت عشرات الفوهات الثانوية حول الحافة.

ويُقدّر أن الاصطدام رفع عمودًا هائلًا من الصخور ومياه البحر بارتفاع يصل إلى 1.5 كيلومتر في السماء. وفي غضون دقائق، انهار العمود مرة أخرى إلى المحيط، مشكلاً موجة تسونامي تجاوز ارتفاعها 100 متر، وأطلق طاقة هائلة أعادت تشكيل قاع البحر، وأثرت على المنطقة المحيطة.

قيمة علمية استثنائية

تعد فوهات الاصطدام نادرة للغاية على الأرض، إذ تمحو عمليات التعرية وحركة الصفائح التكتونية معظم آثار هذه الأحداث بمرور الزمن. ولا يوجد حاليًا سوى أقل من 250 فوهة مؤكدة على اليابسة، منها نحو 33 فقط تقع تحت المحيطات.

وبتأكيد أصلها، تنضم سيلفربيت الآن إلى فوهات بارزة مثل فوهة "تشيكسولوب" في المكسيك، المرتبطة بانقراض الديناصورات، وكذلك فوهة "نادير" قبالة سواحل غرب أفريقيا، التي تم تحديدها مؤخرًا كفوهة اصطدامية أخرى.

وتعد سيلفربيت اليوم واحدة من أفضل الفوهات الاصطدامية البحرية تصويرا على سطح الأرض؛ لذلك يشير كولينز إلى أن الحالة الفردية لحفظها توفر نافذة نادرة لفهم كيفية حدوث الاصطدامات في البيئات البحرية الضحلة، ورؤى حول عمليات تسييل الصخور والتصدع والتدفقات الارتدادية وتكون الفوهات الثانوية وانبعاث الغازات من الصخور الكربوناتية.

إعلان

ويخلص إلى أن أهميتها لا تقتصر على حسم جدل علمي طويل، بل تمتد إلى كون هذه البنية المحفوظة بشكل استثنائي مصدرا غنيا بالمعلومات يمكن أن يساعد في فهم تأثير فوهات الاصطدام على الكواكب والأقمار الأخرى، وكذلك استشراف ما قد يحدث إذا تكرر حدث مماثل في المستقبل.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار