مع تفاقم مشكلة شح المياه في مناطق كثيرة من العالم، يلجأ المزارعون أحيانا إلى استخدام مياه الصرف المعالجة لري المحاصيل الزراعية.
لكن هذه الممارسة تثير قلق بعض المستهلكين والجهات التنظيمية، بسبب احتمال انتقال مركبات كيميائية موجودة في هذه المياه إلى الغذاء، بما في ذلك بقايا الأدوية المستخدمة لعلاج بعض الاضطرابات النفسية.
وتشير دراسة جديدة نشرت يوم 12 مارس في مجلة "إنفيرونمنتال ساينس أند تكنولوجي Environmental Science and Technology " إلى أن بعض النباتات قد تميل إلى تخزين هذه المركبات في أوراقها بدلا من الأجزاء التي يتناولها الناس عادة، إذ تشير النتائج إلى أن الثمار والجذور الصالحة للأكل تحتوي على مستويات أقل بكثير من هذه المواد مقارنة بالأوراق.
تقول الباحثة الرئيسية في الدراسة، دانييلا سانشيز، طالبة الدكتوراه في قسم الصحة البيئية والهندسة في جامعة جون هوبكنز، إن الزراعة تستهلك كميات ضخمة من المياه العذبة، ومع تزايد موجات الجفاف وتراجع الأمطار في مناطق عديدة من العالم، قد يصبح استخدام المياه المعالجة خيارا ضروريا في المستقبل.
لكن لضمان استخدام هذه المياه بأمان، يحتاج العلماء إلى فهم دقيق لكيفية امتصاص النباتات للمواد الكيميائية الموجودة في المياه، وكيفية انتقال هذه المواد داخل أجزاء النبات المختلفة.
ومن ثم، ركزت الدراسة على أربعة أدوية شائعة ترصد عادة في مياه الصرف المعالجة، وهي: كاربامازيبين، المستخدم لعلاج الصرع وبعض الاضطرابات العصبية؛ ولاموتريجين، لعلاج الصرع واضطراب ثنائي القطب؛ وأميتريبتيلين، المستخدم لعلاج الاكتئاب؛ وفلوكسيتين، المعروف تجاريا باسم بروزاك لعلاج الاكتئاب.
توضح سانشيز في تصريحات للجزيرة نت، أن الفريق أجرى تجارب مخبرية على نباتات الطماطم والجزر والخس داخل غرف زراعية يتم التحكم بدرجة حرارتها وظروفها البيئية؛ وخلال مدة وصلت إلى 45 يوما، تمت تغذية النباتات بمحلول مائي يحتوي على أملاح ومغذيات إضافة إلى أحد هذه الأدوية.
بعد ذلك، حلل العلماء أجزاء مختلفة من النباتات باستخدام تقنيات كيميائية متقدمة لمعرفة كيف تمتص النباتات هذه الأدوية وما إذا كانت تتحول إلى مركبات أخرى داخل أنسجتها.
أظهرت النتائج أن الأدوية ومركباتها الثانوية تتراكم في الغالب داخل الأوراق؛ إذ احتوت أوراق الطماطم على تركيزات من الأدوية تزيد أكثر من 200 مرة عن تلك الموجودة في ثمار الطماطم نفسها. أما في نبات الجزر، فكانت تركيزات هذه المركبات في الأوراق أعلى بنحو سبع مرات مقارنة بالجذور التي يستهلكها البشر كغذاء.
ويؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني وجود خطر مباشر على الصحة، بل تهدف أساسا إلى فهم كيفية انتقال هذه المواد داخل النبات؛ كما يرجح الفريق أن حركة الماء داخل النبات تلعب دورا رئيسيا في نقل هذه المركبات الكيميائية.
إذ يعمل الماء داخل النبات كشبكة نقل تحمل المغذيات والعناصر المختلفة من الجذور إلى بقية الأجزاء. وبما أن معظم الماء ينتقل في النهاية إلى الأوراق – حيث يتبخر عبر فتحات دقيقة تسمى الثغور – فإن المركبات التي يحملها الماء قد تبقى عالقة في الأوراق بعد تبخره.
توضح سانشيز أن النباتات لا تمتلك آليات فعالة للتخلص من هذه المركبات، على عكس جسم الإنسان الذي يستطيع التخلص من المواد الزائدة عبر البول. ولهذا، تميل النباتات إلى تخزين هذه المواد داخل جدران الخلايا أو داخل تجاويف خلوية تعمل كنوع من مخزن للنفايات؛ ومع مرور الوقت، قد تتراكم هذه المركبات داخل أنسجة النبات، خاصة في الأوراق.
أظهرت الدراسة أيضا أن النباتات تختلف في قدرتها على امتصاص أنواع مختلفة من الأدوية، إذ وجد الباحثون أن دواء لاموتريجين يتراكم بكميات منخفضة نسبيًا في جميع أجزاء النبات. أما كاربامازيبين فكان أكثر قابلية للتراكم، إذ ظهر بتركيزات أعلى في عدة أجزاء من النباتات، بما في ذلك جذور الجزر وثمار الطماطم وأوراق الخس.
ويرى الباحثون أن معرفة الأدوية الأكثر قابلية للتراكم في الأجزاء التي يستهلكها البشر قد يكون مفيدا للجهات التنظيمية عند تقييم المخاطر المحتملة مستقبلا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة