آخر الأخبار

المريخ قابل للحياة لكنه كوكب قاتل

شارك

إذا كنت من عشاق السينما، فربما تكون قد رأيت فيلم "المريخي" (The Martian)، وهو فيلم للخيال العلمي أنتج عام 2015، أو "للبشرية جمعاء" (For All Mankind)، وهو مسلسل تلفزيوني عن الفضاء، يظهر المريخ كوكبا صعبا ولكنه قابل للعيش بوجود طاقات بشرية تتحدى الصعاب، ومعارك مع الطبيعة وحلول مبتكرة للبقاء على قيد الحياة.

هذه القصص جعلت المريخ أقرب لنا، وكأننا نتنقل في صحرائه الحمراء مع أبطالها، لكن الواقع أكثر قسوة، فالغلاف الجوي للكوكب الأحمر رقيق جدا، ودرجة الحرارة فيه شديدة الانخفاض، والإشعاعات الشمسية والكونية تتساقط عليه بلا حماية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 دراسة: زلازل الأرض قد يكون سببها تأججات الشمس
* list 2 of 2 هل خدعتنا صورة الثقب الأسود؟ دراسة حديثة قد تقلب تصوراتنا عن بنية درب التبانة end of list

ويؤكد الدكتور "جفري بينيت"، مؤسس "علوم الأطفال الكبار" (Big Kid Science) بقوله إن "خلق بيئة صالحة للعيش على سطح المريخ يشبه بناء مدينة تحت الماء أو محطة فضاء محكمة الإغلاق؛ لأن البقاء على المريخ يتطلب موارد هائلة وتقنيات غير مسبوقة".

مصدر الصورة "مات ديمون" في مشهد من فيلم "المريخي" (أسوشيتد برس)

البقاء على السطح: التحديات الفيزيائية والبيئية

تخيل أنك ترتدي بدلة فضاء ثقيلة، تنظر إلى السماء الحمراء، وتهب رياح باردة تصل إلى 87 مئوية تحت الصفر في الليل. فالغلاف الجوي المكون أساسا من ثاني أكسيد الكربون بنسبة 95٪ لا يوفر أي ضغط أو أكسجين، وأي تنفس طبيعي سيقتلك على الفور.

يشرح الدكتور بينيت ذلك قائلا "إذا أردنا البقاء على المريخ، فيجب علينا العيش تحت سطحه أو داخل أنفاق الحمم البركانية، وهي بيئات توفر حماية طبيعية من الإشعاعات، وإلا سنحتاج إلى دروع سميكة وموارد هائلة لتدفئة الهواء وضغطه وتوفير الأكسجين".

ليس المريخ مجرد صحراء باردة؛ إنه عالم قاتل يختبر الإنسان في كل خطوة، فحتى أعلى الجبال وأعمق الحفر وأقرب القمم البركانية كلها معرضة للإشعاع المكثف، ودرجات الحرارة عليه تتأرجح بين النهار والليل بشكل مميت، وأي محاولة للعيش على السطح دون تحصينات ستنتهي بسرعة.

مصدر الصورة أنظار البشرية تتطلع لاستيطان المريخ في وقت ليس ببعيد (شترستوك)

الجاذبية المنخفضة.. حلم أم لعنة؟

قد يبدو القفز على المريخ وكأنك في فيلم خيالي، كما في "جون كارتر" (John Carter) (فيلم فانتازيا 2012)، حيث يستطيع الأبطال التنقل بسهولة بسبب جاذبية أقل.

إعلان

لكن الواقع العلمي مختلف جدا، فجاذبية المريخ تمثل نحو 38٪ من جاذبية الأرض، وهذا يعني أن العظام والعضلات ستفقد قوتها بسرعة، والجهاز القلبي والوعائي سيتغير، وحتى الأطفال المولودون هناك قد يواجهون مشاكل صحية مستمرة، إذ لا توجد بيانات طويلة المدى حول تأثير هذه الجاذبية على جسم الإنسان لأجيال كاملة، وهو سؤال لم يُجب عنه أحد حتى الآن.

إنتاج الهواء والماء.. تقنيات النجاة

الأكسجين والماء أساس الحياة، ولا بد منهما في المريخ، وفي محطة الفضاء الدولية تكنولوجيا لإنتاج الأوكسجين من الماء عبر التحليل الكهربائي المباشر، وهو تفكيك جزيء الماء إلى مكوناته الأصلية من الهيدروجين والأكسجين، لكن الماء على المريخ غالبا موجود على شكل جليد في القطبين أو تحت السطح، ويحتوي على مركبات شديدة السمية مثل البيركلورات (هو كلور مرتبط بأربع ذرات أكسجين)، ولذلك فستحتاج المستعمرات البشرية إلى تقنيات إزالة السموم أولا ثم تحلية المياه، إلى جانب عملية إعادة التدوير المستمرة.

مصدر الصورة مسبار بيرسيفيرانس وهو يلتقط صورة سيلفي (أسوشيتد برس)

ويمكن تحويل البيركلورات باستخدام بكتيريا مُهندسة أو حرارة مرتفعة، أما استخراج الماء عبر التفاعلات الكيميائية مع الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون فينتج أيضا وقود صواريخ وأكسجين للتنفس، مما يجعل هذه العملية متعددة الفوائد.

هذه التقنية ليست مجرد خيال علمي، بل هي بالفعل تعمل على متن المسبار "بيرسيفيرانس" (Perseverance)، حيث تنتج كميات محدودة من الأكسجين، ومن المتوقع أن تثبت فعاليتها في المستقبل إذا تم توسيع مصادر الطاقة لدعم مستعمرات صغيرة على المريخ.

الزراعة على المريخ.. من التربة إلى الهيدروبونيك

التربة المريخية أو "الريغوليث" (Regolith) (الغبار والصخور المطحونة على سطح المريخ) تربة غنية بالمعادن، ولكنها تحتوي على بيركلورات سامة، لذا فإن الزراعة المباشرة صعبة.

وقد أظهرت التجارب على محطة الفضاء الدولية أن الطحالب الزرقاء (Cyanobacteria) يمكن أن تعيش في ظروف مشابهة للمريخ إذا تم دمجها مع تربة اصطناعية وتوفرت لها حماية جزئية من الإشعاع، وأن "الهيدروبونيك" (أي الزراعة في الماء) و"الأيروبونيك" (الزراعة في الهواء) المغذى بالمغذيات، ستكون طرقا عملية لإنتاج الغذاء دون الاعتماد على تربة ملوثة.

وتقول بعض القصص الواقعية إن رحلات المحاكاة على الأرض مثل مشروع "مارس 500" (Mars 500) في روسيا، وضعت المشاركين في بيئة مشابهة للمريخ 17 شهرا، وأظهرت أن الزراعة ليست مجرد غذاء، بل وسيلة للحفاظ على الصحة النفسية والشعور بالإنجاز.

مصدر الصورة رسم تخيلي لرواد فضاء ومستعمرات بشرية مستقبلية على سطح المريخ (ناسا)

بناء المساكن.. من الرسم ثلاثي الأبعاد إلى الكهوف البركانية

من أجل البقاء على المريخ، هناك خياران، إما بناء مساكن محمية بمواد هندسية حديثة، مثل "الإسمنت النجمي" (StarCrete) (مادة خرسانية مطورة خصيصا لمحاكاة البناء على المريخ) الذي طوره باحثو جامعة مانشستر، أو الاستفادة من الكهوف البركانية والحفر الطبيعية.

وستتيح تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد للبيوت على المريخ استخدام الريغوليث لتوفير عزل حراري وحماية من الإشعاع، بينما تتطلب الكهوف الطبيعية اختبارات هندسية دقيقة لضمان سلامتها، فدرجات الحرارة القاسية تتطلب تقنيات عزل ذكية، مستوحاة من البيوت السلبية على الأرض، لتقليل الطاقة المطلوبة للتدفئة والحفاظ على بيئة مستقرة للبقاء على قيد الحياة.

السفر إلى المريخ.. رحلة عقلية وجسدية

قد تستغرق الرحلة إلى المريخ بين 6-9 أشهر ذهابا فقط، مع تأخر اتصالات يصل إلى 22 دقيقة ذهابا وإيابا، أي أن القرارات الطارئة ستحتاج إلى الاعتماد الكامل على الطاقم.

إعلان

فقد أظهرت التجارب على محطة الفضاء الدولية ودراسة التوأم "كيلي" (Kelly) تغيرات في التعبير الجيني وطول التيلوميرات، وتأثيرات على الجهاز المناعي والعضلي، وهي بيانات أساسية لتخطيط الرعاية الصحية على المريخ.

ولا يقل التحدي النفسي أهمية عن الفيزيائي: العزلة والروتين الممل والمشاهد المحدودة، جميعها قد تسبب اكتئابا وانخفاضا في الأداء العقلي، واستخدام تقنيات مثل "حاضنات النباتات" (Veggie Pods) (هي وحدات صغيرة تستخدم على متن المحطات الفضائية لتوفير نباتات طازجة) يمكن أن يحسن المزاج ويخفف الضغط النفسي، كما توضح تجارب كل من ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية.

مصدر الصورة رائدا الفضاء التوأم سكوت (يمين) ومارك كيلي، أمام اللوحة الجديدة لمدرستهما الابتدائية في نيوجيرسي (ديريك ستورم)

من هم اللاعبون الرئيسيون؟

من بين الشركات الرائدة ستكون شركة "سبيس إكس" بقيادة " إيلون ماسك" الذي خطط أولا للمريخ، ثم ركز مؤخرا على القمر لتحقيق أهداف أسرع في بناء مستعمرات تجريبية.

المشاريع أمثال "ستارشب" (Starship) و"موكسي" (MOXIE)، وأرتيميس-3″ (Artemis 3)، فتمثل الركائز الأولى لتحقيق حلم الوصول إلى المريخ، وأما الحكومات فستشارك من خلال وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) ووكالة الفضاء الأوروبية (إيسا) ووكالات الفضاء الروسية والصينية، في تمويل الأبحاث والتجارب والمحاكاة.

وتشمل الأهداف العلمية دراسة الأرض من منظور المريخ، والبحث عن الحياة السابقة، واختبار التكيف البشري مع بيئات قاسية.

أما اقتصاديا، فيمكن لمستعمرات المريخ أن تصبح محطات لإنتاج المواد الخام والطاقة، وربما تصنيع الأقمار الصناعية خارج الأرض، وفقا لرؤية "ماسك" حول استخدام الطاقة الشمسية والبنى التحتية المستدامة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار