آخر الأخبار

القرد "بانش" الذي أدهش العالم.. علماء يفسرون حاجته لأم

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في خضم عالم يموج بالأحداث الساخنة والقصص المأساوية، كان من اللافت الاهتمام العالمي بقصة القرد "بانش" المطرود من عطف أمه في حديقة حيوان باليابان.

قد يرى البعض في ذلك ترفا في عالم مليء بقصص البشر المأساوية، إلا أن المفارقات التي صاحبت هذه القصة ربما هي التي أثمرت عن هذا التعاطف، وأولها أن الأم عادة ما تكون هي المدافع الأول عن أبنائها، وتحبهم على عيوبهم، سواء في عالمي البشر والحيوان، اللهم إلا ما ندر، لكن هذه الأم تخلت عن ابنها، بل وأغرت أقرانه على طرده، وكانت اللمة الأكثر مأساوية هي أن هذا القرد وجد ضالته في دمية وفرها له حراس الحديقة، كانت بالنسبة له أما بديلة.

وأثارت لقطات تعلق القرد بالأم البديلة موجة تعاطف واسعة في اليابان وخارجها، بدا معها هذا السلوك وكأنه "غير مسبوق"، غير أن خبيرا تحدث لموقع الجزيرة نت قال إن "فكرة تعلق القرود بأم بديلة من الدمى ليست سابقة فريدة، إذ سبق وتم إثباتها في دراسات علمية".

وأحالنا أستاذ علم الحيوان بجامعة القاهرة الدكتور محمد عادل قدري إلى أحد أهم وأبرز هذه الدراسات، التي كانت في عام 1965، عندما أثبت عالم النفس الأمريكي الدكتور هاري هارلو، من خلال تجارب على قرود الريسوس، الخطأ الشائع في كثير من الأبحاث النفسية آنذاك، التي كانت تذهب إلى أن الأطفال يرتبطون بأمهاتهم لأنهن يوفرن لهم الغذاء.

مصدر الصورة الدمية كانت ناعمة ومرنة لتعطي القرد "بانش" إحساس الأمومة (رويترز)

تجارب العالم هاري هارلو

وخلال تلك التجارب، أخذ هارلو صغار القرود من أمهاتهم البيولوجية وأعطاهم أمهات بديلات جامدات، إحداهما هيكل بسيط من الأسلاك والخشب، والأخرى مغطاة بالمطاط الإسفنجي وقماش ناعم، وتم توزيع الصغار على مجموعتين؛ الأولى كانت الأم المصنوعة من الأسلاك مزودة بزجاجة حليب، بينما لم تكن الأم المصنوعة من القماش مزودة بها، وفي المجموعة الثانية كانت الأم المصنوعة من القماش مزودة بالطعام بينما لم تكن الأم المصنوعة من الأسلاك مزودة به.

إعلان

في كلتا الحالتين، وجد هارلو أن صغار القرود قضوا وقتا أطول بكثير مع الأم المصنوعة من قماش ناعم مقارنة بالأم المصنوعة من السلك، وعندما كانت الأم السلكية فقط هي التي توفر الطعام، كان الصغار يأتون إليها للرضاعة ثم يعودون فورا للتشبث بالأم القماشية.

وأظهرت تجارب هارلو أيضا أن الصغار يلجؤون إلى الأمهات البديلات الجامدة طلبا للراحة عند مواجهة مواقف جديدة ومخيفة، فعند وضعهم في بيئة جديدة مع أم بديلة، كان الصغار يستكشفون المكان، ثم يعودون مسرعين إلى الأم البديلة عند شعورهم بالفزع، ثم يغامرون بالخروج لاستكشافه مرة أخرى. أما بدون أم بديلة، فقد أصيب الصغار بالشلل من الخوف، وانكمشوا على أنفسهم يمصون إبهامهم.

ويقول الدكتور محمد: "هذه التجارب مجتمعة تقدم سببا مهما لتعلق القرد "بانش" بدميته، وهو أنه عندما يحرم الصغير من أمه في مرحلة مبكرة يبحث عن بديل عاطفي يوفر له الإحساس بالأمان، وكانت اللعبة القماشية هي البديل".

تهدئة الجهاز العصبي

وتتجاوز اللعبة القماشية بالنسبة للقرد "بانش" توفير الإحساس بالأمان إلى بعد آخر يشير إليه الدكتور قدري، وهو وسيلة لتهدئة الجهاز العصبي، لما يتركه فقدان الأم البيولوجية من تأثير سلبي على الساعة البيولوجية.

وتتسبب صدمة فقد الأم مبكرا في إرباك الساعة البيولوجية للقرد، كما أثبتت ذلك دراسة لقسم الطب النفسي من كلية فاينبيرغ للطب بجامعة نورث وسترن في شيكاغو، ونشرتها دورية "جورنال أوف باينيل ريسيرش" (Journal of Pineal Research)، ويكون من نتيجة ذلك شعورا بالقلق وحاجة ماسة للتعلق، لذلك فإن تشبث القرد "بانش" بالدمية كان وسيلة لتهدئة الجهاز العصبي، كما يوضح الدكتور محمد.

وبالإضافة للساعة البيولوجية، فإن هناك تأثيرا آخر للانفصال عن الأم يتعلق بحدوث خلل دائم في نظام التوتر، حيث أظهرت دراسة أجراها باحثون من المختبر الرئيسي الحكومي لعلوم الدماغ والإدراك بالصين، ونشرت بدورية "بروسيدينغز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز" (Proceedings of the National Academy of Sciences – PNAS)، أن القرود التي فصلت عن أمهاتها في مرحلة مبكرة من حياتها أظهرت مستويات أقل من الكورتيزول في الشعر، وهذا لا يفسر على أنه هدوء، بل خللا في نظام الاستجابة للتوتر، فالدماغ لم يعد يستجيب للضغط بطريقة طبيعية، وبالتالي عند التعرض لضغط مفاجئ تكون استجابة الكورتيزول متأخرة وضعيفة، أي أن "ساعة التوتر" في الدماغ خرجت عن ضبطها.

ويقول الدكتور محمد إن "التعلق باللعبة يعمل كآلية تكيف لعلاج تلك المشكلة والحفاظ على الاستقرار السلوكي".

تدخل سلوكي مدروس

وانطلاقا مما سبق، يشير الدكتور محمد إلى أن اللعبة لم تكن تدليلا من حراس حديقة الحيوان بمدينة إيشيكاوا بمحافظة تشيبا شرق اليابان، لكنها كانت تدخلا سلوكيا مدروسا لمحاولة إنقاذ القرد من مشكلات نفسية كبيرة، ربما تهدد حياته.

ويقول إنه من المؤكد أن شكل اللعبة وملمسها كان مدروسا، حيث كانت تشبه القرد، وملمسها ناعم مرن بما يسمح بالضغط والالتصاق بالجسم لتقليد الدفء الجسدي للأم وتوفير إحساس الاحتضان والأمان.

ويلفت الباحث الانتباه إلى أن هذه الدراسات التي تم استخدامها لتفسير سلوك القرد "بانش"، هي لباحثين من أقسام الطب النفسي بكلية الطب البشري، حيث إن الدماغ الاجتماعي لدى القرود، واحتياجات الرعاية والطمأنينة لديها، قريبة جدا من البشر، لذلك يتم استخدامها كنماذج لفهم النمو النفسي البشري، وربما يكون هذا هو السبب الذي جعل قصة القرد "تلمس القلوب عالميا"، إذ إننا وجدنا فيها مرآة عصبية وسلوكية لما يحدث في حياتنا للصغار، عندما يعانون من الفقد أو الإهمال.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار