آخر الأخبار

عُقد الضوء الصينية.. الفيزياء تضع حجر الأساس لاتصالات الجيل السادس

شارك

سباق عالمي محموم نحو تطوير شبكات الجيل السادس من الاتصالات، لكنها تعوقه عقبة فيزيائية كبرى، فبينما تعد ترددات تيراهيرتز بنقل بيانات بسرعة تفوق شبكات الجيل الخامس بمئات المرات، إلا أنها تعاني من هشاشة شديدة، إذ يمكن لقطرات المطر أو حتى الرطوبة في الجو أن تشتت إشاراتها وتعيق الاتصال.

بيد أن فريقا بحثيا دوليا بقيادة جامعة تيانجين الصينية وجد حلا هندسيا مبتكرا لهذه المعضلة، ليس عبر تقوية الإشارة اللاسلكية فحسب، بل عبر تغيير شكل محتويات الإشارة ذاتها لتصبح أشبه بعقد محكمة الإغلاق تقاوم الانفراط والتشتت.

وتقدم الدراسة التي نشرت في دورية "أوبتيكا" (Optica) المتخصصة مفهوما جديدا لنقل المعلومات عبر الهواء باستخدام نبضات ضوئية معقدة، مما يمهد الطريق لاتصالات لاسلكية فائقة السرعة وشديدة الاستقرار.

يقول الباحث بمركز موجات تيراهيرتز في المختبر الرئيسي الحكومي لتكنولوجيا وأجهزة القياس الدقيق بجامعة تيانجين الصينية الدكتور شيوكيان تشانغ، وهو أحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "تعتمد الروابط اللاسلكية حاليا بشكل أساسي على السعة والتوقيت والتردد والطور، ويضيف نهجنا بعدا إضافيا، حيث يمكن للأنماط المكانية المستقرة المختلفة أن تعمل كمسارات منفصلة على طريق سريع".

مصدر الصورة إذا تعرضت الإشارة التقليدية لتشويش، فإنها تتشوه وتضيع البيانات (مارسين شتشيبانسكي)

لماذا نحتاج إلى أشكال جديدة للضوء؟

لفهم أهمية هذا الابتكار، يجب فهم الطريقة التقليدية التي ننقل بها البيانات حاليا؛ ففي معظم أنظمة الاتصالات، يسافر الضوء أو الموجات الراديوية كموجات بسيطة تشبه تلك التي يحدثها سقوط حجر في بركة ماء. هذه الموجات فعالة، لكنها عرضة للتلاشي والتشويش، خاصة عند استخدام الترددات العالية جدا مثل تيراهيرتز.

الحل الذي يقترحه البحث الجديد هو التخلي عن الشكل التقليدي للموجة، واستبداله بهياكل ثلاثية الأبعاد تعرف باسم النبضات الحلقية.

إعلان

ولتقريب الصورة إلى الذهن، يمكن تخيل هذه النبضات مثل حلقات الدخان التي ينفثها المدخن فتطير عبر الهواء محافظة على شكلها الدائري لمسافات طويلة؛ هذه الهيكلية المغلقة تمنح النبضة تماسكا تفتقده الموجات التقليدية.

داخل هذه الحلقات الضوئية الطائرة، قام الباحثون بتضمين تراكيب فيزيائية دقيقة تعرف باسم "السكيرميونات". ورغم غرابة الاسم، يمكن للقارئ تخيله ببساطة كنوع من العقد المُحكمة في نسيج المجالات الكهرومغناطيسية.

يشرح تشانغ: "في علم البصريات، يشير مصطلح "السكيرميون البصري" إلى حقل ضوئي مُهيكل ذي ترتيب مُحدد ومستقر في بنية تشبه القنفذ، ويمكنك أيضا تخيلها كدوامات ضوئية صغيرة، حيث تلتف المجالات الكهربائية والمغناطيسية للضوء بشكل دائري أو حلزوني. هذا النمط شديد الاستقرار ويحافظ على بنيته حتى في ظل الاضطرابات".

بمعنى آخر، إذا تعرضت الإشارة التقليدية لتشويش، فإنها تتشوه وتضيع البيانات، أما في حالة السكيرميونات، فإن التشويش قد يهز العقدة لكنه لا يفكها، فتصل المعلومات إلى المستقبل سليمة لأن البنية الهندسية الأساسية للإشارة بقيت محافظة على هيكلها ومحتواها. هذا الثبات يجعلها مرشحا مثاليا لحمل المعلومات في البيئات المفتوحة والظروف الجوية المتقلبة التي عادة ما تدمر إشارات الجيل السادس.

مصدر الصورة يسافر الضوء أو الموجات الراديوية كموجات بسيطة تشبه تلك التي يحدثها سقوط حجر في بركة ماء (شترستوك)

مفتاح تبديل لغة الضوء

الجديد في الدراسة ليس مجرد توليد هذه العقد، فقد تم ذلك مسبقا في ظروف معملية محددة، غير أن الإنجاز الحقيقي يكمن في ابتكار جهاز يتيح التحكم في نوع هذه العقد وتبديلها بشكل فوري؛ فقد طوّر الفريق شريحة ذكية دقيقة تعرف باسم "السطح الفائق".

يقول تشانغ: "الأسطح الفائقة هي مواد بصرية اصطناعية فائقة الرقة ذات هياكل دقيقة التصميم، تتفاعل هذه الهياكل مع الضوء بطرق فريدة، مما يسمح بالتحكم الدقيق في خصائصه، ويفتح آفاقًا جديدة تمامًا لتصميم الأجهزة البصرية".

إذا نظرت في السطح الفائق تحت المجهر، ستجد ملايين الأنماط أو "الأعمدة" الأصغر من طول موجة الضوء نفسه، وبدلا من تمرير الضوء عبر زجاج سميك لينحني، تمر موجات الضوء عبر هذه الهياكل الدقيقة، حيث "يصطاد" كل عمود على السطح الضوء ويؤخره لجزء من الثانية. ومن خلال ترتيب هذه الأعمدة بأشكال وأحجام مختلفة، يمكن إجبار الضوء على الانحراف يمينا أو يسارا أو التجمع في نقطة واحدة فور خروجه من السطح، بالتالي التحكم في اتجاهه وسرعته.

يشرح تشانغ بحماس: "كانت اللحظة الأكثر إثارة للدهشة لفريقنا هي إدراكنا أننا لم نكن نشاهد مجرد عرض توضيحي لمرة واحدة، بل كنا نشهد بالفعل تحولًا قابلًا للتكرار والتحكم بين حالات سكيرميون متميزة؛ فعندما غيّرنا استقطاب الليزر الوارد، انقلبت بنية السكيرميون من نمط إلى آخر في الوقت الفعلي!".
قدرات مذهلة

تكمن المفاجأة في سلاسة هذا الانتقال وموثوقيته، فالأمر أشبه ما يكون بضغطة زر. يضيف تشانغ: "تصميم النظام شيء، ورؤية البنية والانقلاب بهذا الوضوح والاتساق عبر انتشار ثلاثي الأبعاد شيء آخر، مما أكّد جدوى هذا النهج؛ كانت هذه لحظة تأكد فيها فريقنا أننا لم نبتكر شيئا يعمل فحسب، بل شيئا يمكن التحكم به بدقة واستخدامه في تطبيقات عملية".

إعلان

هذه القدرة على التبديل بين الحالتين الكهربائية والمغناطيسية هي أساس البيانات الرقمية القائمة على الأصفار والآحاد، وبذلك، لا يعد هذا النظام مجرد مولد لأشكال ضوئية جديدة، بل هو جهاز إرسال قادر على حماية المعلومات داخل هيكل العقدة نفسها. وبدلا من الأجهزة الضخمة والمعقدة المستخدمة حاليا لتوليد ترددات تيراهيرتز، يمكن لشريحة صغيرة أن تقوم بالمهمة بكفاءة أعلى ومرونة أكبر.

علاوة على ذلك، فإن دقة العقد الضوئية التي تم قياسها في التجربة وصلت إلى مستويات تطابق التوقعات النظرية بنسبة عالية جدا، مما يؤكد جودة التصنيع وإمكانية الاعتماد على هذه التقنية في نقل بيانات دقيقة وحساسة، فالأمان عنصر لا غنى عنه في الاتصالات لأي شخص.
يقول تشانغ: "من الناحية الأمنية، سيحتاج أي متنصت إلى التقاط وإعادة بناء النمط الهيكلي كاملا، بدلا من مجرد رصد وجود الإشارة، مما قد يدعم استراتيجيات مصادقة وتشفير أقوى".

رغم أن الطريق لا يزال طويلا قبل أن نرى هذه الشرائح داخل هواتفنا أو في أبراج اتصالات الجيل السادس، إلا أن هذا البحث يضع الأسس الفيزيائية لشبكات المستقبل. نحن نتحدث عن مستقبل لا تكون فيه سرعة الإنترنت هي العامل الوحيد، بل "ذكاء" الإشارة وقدرتها على مقاومة التشتت والتصنت والبيئة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار