في 24 يوليو/تموز 2025، وأثناء "السول 4608″، (اليوم المريخي رقم 4608 من عمرها على سطح المريخ في فوهة غيل)، التقطت المركبة "كيوريوسيتي" -التابعة لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا)- صورة لصخرة صغيرة لا يتجاوز عرضها بضعة سنتيمترات، لكن مظهرها كان لافتا إلى حد غير مألوف.
بدا السطح متشعبا ومتعرجا على نحو يذكّر كثيرين بالمرجان أو الشعب المرجانية على الأرض، وحينها لم تتحول الصورة فورا إلى خبر واسع الانتشار، لأن ما تلتقطه المركبات الجوالة يوميا يعد بالآلاف، ويخضع لمسار علمي بطيء ودقيق يبدأ بالتحقق والمعايرة والمقارنة، ثم التحليل الجيولوجي، قبل أن يُحسم إن كانت اللقطة تمثل ظاهرة استثنائية أم هي مجرد تنويع بصري ضمن عمليات معروفة.
التأخر في إعلان الخبر حتى مطلع 2026 لا يعود إلى إخفاء أو تردد، بل إلى طبيعة العمل العلمي نفسه، فمؤسسات مثل مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، الذي يدير مهمة "كيوريوسيتي"، لا تطرح تفسيرا علنيا قبل التأكد من السياق الجيولوجي الكامل للصورة، ومقارنتها باكتشافات سابقة، ومراجعتها من فرق متعددة التخصصات.
وعندما أعيد طرح الصورة إعلاميا بعد أشهر، كان ذلك بعد أن استقر الرأي العلمي حولها بوصفها مثالا واضحا على دور الماء القديم في تشكيل سطح المريخ، ليس أكثر.
بحسب بيانات وكالة "ناسا" وتحليلات الجيولوجيين، لا تمثل هذه الصخرة بقايا أي كائن حي، بل هي نتاج عملية جيولوجية معروفة جيدا على الأرض والمريخ معا.
وتقول الفرضية إنه في الماضي السحيق، حين كان المريخ أكثر دفئا ورطوبة، تسربت مياه جوفية محملة بالمعادن عبر شقوق دقيقة في الصخور الرسوبية، ومع تبخر الماء ترسبت المعادن داخل تلك الشقوق وتصلبت، مكونة عروقا صلبة.
ولاحقا، وعلى مدى ملايين السنين، نحتت الرياح المحملة بالرمال الصخور الأضعف المحيطة، تاركة هذه العروق المعدنية بارزة على السطح بأشكال متشابكة تشبه أحيانا المرجان أو الزهور.
هذا النمط رصده العلماء مرارا، ففي عام 2022 وثقت "كيوريوسيتي" صخرة "زهرة" مريخية تشكلت بالطريقة نفسها تقريبا.
وتؤكد ناسا أن هذه العمليات شائعة في البيئات الصحراوية القاسية، حيث يكون النحت الريحي طويل الأمد هو العامل المهيمن بعد اختفاء الماء السائل.
رغم العناوين الجذابة، كان موقف المؤسسات العلمية واضحا وحذرا، فقد شددت ناسا في بياناتها على أن التشابه الشكلي مع المرجان لا يعني تشابها بيولوجيا.
فالمرجان على الأرض كائن حي بحري معقد، ينتمي إلى اللافقاريات، ويبني هياكله الكلسية عبر عمليات حيوية داخل محيطات غنية بالحياة، أما الصخرة المريخية فهي بنية معدنية صرفة، لا تحتوي على أي مؤشرات بيولوجية مثل الأنماط الخلوية، أو المركبات العضوية المعقدة المرتبطة بالحياة.
معهد علوم الكواكب في الولايات المتحدة أوضح أن "التشابه الشكلي وحده ليس معيارا لإثبات الحياة"، مشيرا إلى أن الطبيعة قادرة على إنتاج أشكال متقاربة بصريا عبر عمليات مختلفة جذريا.
كما أشار علماء في الجمعية الجيولوجية الأميركية إلى أن هذه الاكتشافات، بدلا من أن تكون دليلا على حياة، فهي دليل قوي على وجود نظم مائية قديمة، وهي شرط أساسي، لكنه غير كافٍ، لقيام الحياة.
على الرغم من نفي أي صلة مباشرة بالحياة، فإن أهمية الصخرة "المرجانية" تكمن في ما تقوله عن تاريخ المريخ، وهو أن وجود عروق معدنية بهذه الأشكال يعني أن الماء لم يكن عابرا أو نادرا، بل كان نشطا بما يكفي لاختراق الصخور وحمل المعادن وإعادة تشكيل القشرة السطحية.
هذا يدعم الفرضية القائلة إن فوهة "غيل" (Gale Crater)، وجبل "شارب" (Mount Sharp) تحديدا، شهدا فترات طويلة من الاستقرار النسبي، ربما كانت صالحة لوجود بيئات ميكروبية في الماضي.
وكالة الفضاء الأوروبية علقت بدورها على مثل هذه الاكتشافات بالقول إن "كل دليل جيولوجي جديد يساعد على تضييق نافذة الزمن التي كان فيها المريخ صالحا للحياة".
ومع تراكم هذه الأدلة، تصبح لدى العلماء خريطة أوضح للأماكن التي تستحق البحث الأعمق، سواء عبر تحاليل أكثر تقدما أو عبر مهمات مستقبلية تعيد عينات إلى الأرض.
عودة القصة إلى الإعلام في 2026 ترتبط بسياق أوسع، إذ يتزايد الاهتمام العام بمهام المريخ مع اقتراب مراحل حاسمة في برنامج إعادة العينات، وازدياد دور الذكاء الاصطناعي في تحليل صور الكواكب.
ولم تكن إعادة نشر الصورة إعلانا جديدا بقدر ما كانت قراءة علمية جديدة مدروسة، وشرحا مبسطا للجمهور حول ما تعنيه هذه الأشكال الغريبة، وما لا تعنيه في الوقت نفسه.
فالصخرة التي بدت كمرجان على سطح المريخ لا تحمل دليلا على حياة، لكنها تحمل قصة أعمق عن كوكب كان يوما أكثر رطوبة وحركة.
وبين حذر العلماء وحماس الجمهور، تظل مثل هذه الاكتشافات تذكيرا بأن طريق فهم المريخ يمر عبر الجيولوجيا أولا، وأن البحث عن الحياة يحتاج صبرا بقدر ما يحتاج خيالا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة