في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لطالما لفتت النملة انتباه الإنسان بذكائها وقدرتها على التواصل والتنظيم. فمستعمرات النمل قادرة على العثور على أقصر طريق إلى الغذاء، وتنظيم توزيع المهام بين أفرادها، والتكيف مع التغيرات المفاجئة في البيئة، وكل ذلك من دون أي إدارة مركزية أو توجيه مباشر. هذه المفارقة بين البساطة الفردية والذكاء الجماعي، كانت مصدر إلهام مباشر لعلماء الحاسوب في تطوير نوع جديد من الخوارزميات.
وفي حديث خاص للجزيرة نت، يوضح الدكتور كريستيان بلوم، الباحث في المجلس الوطني الإسباني للبحوث العلمية، أن النمل يحقق ذلك عبر آلية بسيطة لكنها فعالة. فكل نملة تترك خلفها أثرًا كيميائيًا يُعرف بـ "الفيرومون" خلال بحثها عن أقصر طريق إلى الطعام، ونظرًا لأن المسارات الأقصر تُستخدم أكثر، فإنها تتعزز بكمية أكبر من الفيرومونات، بما يجعلها أكثر جاذبية لبقية النمل. وبمرور الوقت، يتلاشى أثر المسارات الأطول أو الأقل كفاءة، وتستقر المستعمرة على الحل الأفضل دون أن تقرر ذلك بشكل واعٍ.
هذا المبدأ يُترجم في علم الحاسوب إلى ما يُعرف بخوارزميات "تحسين مستعمرات النمل"، وهي أساليب تحاكي طريقة عمل أسراب النمل في الطبيعة، لكن بدلاً من الفيرومونات الكيميائية، تستخدم هذه الخوارزميات إشارات رقمية أو أوزانًا حسابية تُحدّث باستمرار بناءً على أداء الشبكة وجودة المسارات المختلفة، مثل سرعة الاتصال أو درجة الازدحام، ثم تتخذ الطرق الأفضل تلقائيًا. أي إن كل جزء في الشبكة يتخذ قرارات بسيطة بناءً على ما يواجهه محليًا. ومع الوقت، تنجح الشبكة ككل في تنظيم نفسها والوصول إلى مسارات أكثر كفاءة، من دون وجود جهة مركزية تتحكم بها.
وعن أسباب تفوق خوارزميات الأسراب في إدارة الازدحام وإعادة التوجيه أثناء الأعطال مقارنة بالأنظمة المركزية، يشير الدكتور بلوم إلى أن قوتها الحقيقية تظهر عند تعرض الشبكات للازدحام أو الأعطال المفاجئة. فبما أنها لا تعتمد على مركز تحكم واحد، تستطيع البيانات أن تغير مسارها تلقائيًا إذا تعطل أحد المسارات أو أصبح مزدحمًا، تمامًا كما تتخلى النملات عن مسار مقطوع وتبدأ في استكشاف طرق بديلة جديدة.
ويضيف بلوم أن أنظمة التوجيه التقليدية تعتمد غالبًا على صورة شاملة ومركزية للشبكة، وهو ما يجعلها أبطأ في الاستجابة وأكثر عرضة للفشل إذا تعطل هذا المركز. أما الخوارزميات المستوحاة من سلوك الأسراب، فتعمل بطريقة مختلفة؛ إذ تواصل تجربة عدة مسارات في الوقت نفسه، وتعدل اختياراتها بشكل مستمر وفوري.
لهذا السبب، تُعد هذه الخوارزميات أكثر ملاءمة للبيئات المتغيرة وغير المتوقعة، مثل شبكات الاتصالات الحديثة أو أنظمة البيانات الضخمة، حيث لا يمكن التنبؤ بالأعطال أو الضغط على الشبكة مسبقًا. فبدلاً من انتظار قرار مركزي، تتكيف الشبكة بنفسها حتى تصل إلى الحل الأكثر كفاءة.
ورغم هذه المزايا، يشير الدكتور بلوم إلى أن خوارزميات الأسراب، ومنها تلك المستوحاة من سلوك النمل، ليست خالية من التحديات. فمن بين أبرز القيود أنها قد تحتاج وقتًا أطول للوصول إلى الحل الأمثل عند التعامل مع شبكات ضخمة جدًا، كما قد يكون ضبطها بدقة أكثر صعوبة، فضلاً عن أنها قد تفرض عبئًا إضافيًا في أحيان، من حيث تبادل الإشارات والمعلومات داخل الشبكة.
غير أن بلوم يوضح أن الأبحاث الجارية تعمل على تجاوز هذه العقبات، من خلال دمج خوارزميات النمل مع تقنيات التعلم الآلي والتحليل اللحظي للبيانات، حيث لا تكتفي الشبكات في هذه الحالة بتجربة المسارات المختلفة، بل تتعلم من أدائها السابق، فتتعرف على أماكن الازدحام أو الأعطال المتكررة وتحسن قراراتها بمرور الوقت، بينما يسمح التحليل اللحظي بمراقبة ما يحدث داخل الشبكة والتفاعل معه فورًا بدلاً من الاعتماد على معلومات متأخرة.
هذا الدمج يسمح بتحسين سرعة الاستجابة واستقرار الأداء، وجعل هذه الخوارزميات أكثر استقلالية وقدرة على العمل بكفاءة على نطاقات واسعة ومعقدة. ومع هذا التطور، يتوقع بلوم أن يفتح ذلك الباب أمام الأفكار المستوحاة من الطبيعة، ويمنحها دورًا متزايدًا في ابتكارات رقمية أكثر مرونة وقدرة على التعافي الذاتي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة