في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كشفت دراسة حديثة أن استمرار وجود الأم في حياة صغار الخيول بعد الأشهر الأولى من الولادة لا يقتصر أثره على الجانب العاطفي فقط، بل يمتد ليشمل تطور الدماغ، والسلوك الاجتماعي، والقدرة على التكيف مع التوتر، وحتى كفاءة النمو الجسدي.
وتشير النتائج إلى أن الفصل المبكر بين الأم وصغيرها قد يترك آثارا طويلة الأمد، يصعب تعويضها لاحقا، حتى في بيئة اجتماعية غنية.
تنطلق الدراسة التي نشرت يوم 13 يناير/كانون الثاني في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications)، من تساؤل أساسي: ماذا يحدث عندما يحرم الصغير من الارتباط اليومي بأمه في مرحلة مبكرة من حياته؟
هذا السؤال لا يخص عالم الحيوان فقط، بل يلامس نقاشا أوسع حول دور الرعاية المبكرة في تشكيل السلوك والقدرات الذهنية لدى الكائنات الاجتماعية، بما في ذلك الإنسان.
في تربية الخيول، كما في العديد من الحيوانات، يفصل الصغار عادة عن أمهاتهم في عمر يقارب ستة أشهر، لأسباب تنظيمية أو إنتاجية، ويفترض في كثير من الأحيان أن الصغير قادر بعد هذا العمر على الاعتماد على نفسه، خاصة إذا وضع في بيئة اجتماعية تضم أقرانه وحيوانات بالغة أخرى، لكن الباحثين أرادوا اختبار هذا الافتراض علميا: هل يكفي وجود بيئة اجتماعية بديلة لتعويض غياب الأم؟ أم أن للأم دورا فريدا لا يمكن تعويضه بسهولة؟
يوضح المؤلف الرئيسي للدراسة "ديفيد باريير"، الباحث في علوم المخ والأعصاب في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، أنه للوصول إلى إجابة لهذا التساؤل، تابع فريق البحث 24 مهرا تتراوح أعمارهم بين 6 و13 شهرا، قسمت إلى مجموعتين متساويتين: الأولى بقيت مع أمهاتها بعد عمر ستة أشهر، بينما فصلت المجموعة الثانية عن أمهاتها في العمر نفسه.
وعلى مدى سبعة أشهر، خضع الصغار لمتابعة دقيقة شملت تصوير الدماغ باستخدام الرنين المغناطيسي، ورصد السلوك اليومي مثل التفاعل الاجتماعي والاستكشاف والراحة، إلى جانب قياسات فسيولوجية كزيادة الوزن ومستويات الهرمونات والدهون في الدم.
ويكشف "باريير" في تصريحات للجزيرة نت أن النتائج أظهرت أن المهرات التي استمرت مع أمهاتها شهدت نموا أوضح في مناطق دماغية أساسية، مسؤولة عن تنظيم المشاعر والسلوك الاجتماعي والوظائف الحيوية، وهي بدورها تساعد الحيوان على التعامل مع التوتر، وفهم محيطه، وبناء علاقات اجتماعية متوازنة.
كما لاحظ الباحثون نشاطا أقوى في شبكة دماغية تعرف باسم "شبكة الوضع الافتراضي"، وهي شبكة ترتبط بالتفكير الاجتماعي وفهم الذات والآخرين، وتوجد لدى الإنسان أيضا؛ ويشير هذا إلى أن وجود الأم يسهم في بناء الأسس العصبية اللازمة لسلوك اجتماعي سليم.
انعكست هذه الاختلافات الدماغية بوضوح على السلوك، إذ كانت المهرات التي بقيت مع أمهاتها أكثر ميلا للتفاعل مع الآخرين، وأكثر فضولا واستكشافا، وأهدأ في سلوكها العام؛ كما أظهرت قدرة أفضل على الاقتراب من خيول غير مألوفة، ما يعكس ثقة اجتماعية أعلى، بحسب "باريير" الذي يضيف أنه في المقابل، أمضت المهرات المفصولة عن أمهاتها وقتا أطول في الأكل، لكنها لم تحقق نموا أفضل، وهو ما يشير إلى أن المشكلة لم تكن في كمية الغذاء، بل في كفاءة الاستفادة منه.
كما كشفت القياسات الفسيولوجية أن الصغار الذين بقوا مع أمهاتهم سجلوا مستويات أقل من هرمون التوتر (الكورتيزول)، ما يدل على دور الأم في تخفيف الضغوط النفسية. وفي الوقت نفسه، حققت هذه المجموعة زيادة أكبر في الوزن، واحتفظت بمستويات أعلى من الدهون الضرورية لنمو الدماغ والجسم، رغم أنها كانت تقضي وقتًا أقل في تناول الطعام.
ويرجح الباحثون أن هذا يعود إلى مزيج من الاستقرار النفسي، والتعلم الاجتماعي من الأم، وربما استمرار محدود للرضاعة الطبيعية، حتى بعد الاعتماد الأساسي على الغذاء الصلب. وتؤكد الدراسة على أن العلاقة بين الأم وصغيرها ليست مجرد رابط عاطفي، بل عنصر أساسي في بناء التوازن بين الدماغ والسلوك والجسد. ويشير الباحثون إلى أن هذه الآليات لا تقتصر على الخيول، بل تظهر في كثير من الثدييات الاجتماعية، بما في ذلك الإنسان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة