تتواصل الاحتجاجات الحاشدة المناهضة للنظام الإيراني منذ أكثر من أسبوعين. والخميس (15 كانون الثاني/يناير 2025) ذكرت منظمة "نت بلوكس" أن الإنترنت لا يزال محجوباً لليوم السابع على التوالي.
وأضافت المنظمة "في هذه الأثناء، يؤدي فراغ المعلومات عبر الإنترنت إلى تضخيم الحسابات الموالية للنظام والمواد المزيفة المولدة بالذكاء الاصطناعي وغيرها من الأجندات". ما نتج عنه صعوبة في التحقق من صحة المحتوى بشكل مستقل.
لا يزال الوصول إلى المعلومات الموثوقة من داخل إيران محدوداً للغاية. وتكاد وسائل الإعلام الأجنبية لا تستطيع تغطية الأحداث من داخل البلاد، ويواجه المواطنون الذين يوثقون الاحتجاجات مخاطر جسيمة. أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، يوم الأربعاء (14 كانون الثاني/يناير 2026)، بمقتل ما لا يقل عن 2400 شخص في حملة قمع أمنية دموية خلال الموجة الأخيرة من الاحتجاجات، بينما تقول بعض منظمات حقوق الإنسان أن العدد أعلى من ذلك.
يقول الخبراء إن صعوبة الوصول للمعلومات والأخبار الدقيقة ليس جديداً، بل هو جزء من استراتيجية طويلة الأمد يتبعها النظام الإيراني. توضح سارة بازوبندي، الباحثة الرئيسية والزميلة غير المقيمة في معهد السياسة الأمنية بجامعة كيل في ألمانيا (ISPK)، أن قطع الإنترنت تكتيك متعمد لخلق الشكوك". وتضيف بازوبندي لـ DW: "ولجعلنا في حيرة من أمرنا بشأن من يقول الحقيقة".
فرضت السلطات قطعاً شبه كامل لخدمات الإنترنت والهاتف. ولم تكن المكالمات الدولية ممكنة إلا بشكل متقطع بعد أيام من الانقطاع. تُحدد هذه القيود نوعية الصور والفيديوهات التي تصل إلى الجمهور داخل البلاد وخارجها، مما يفتح الباب أمام التضليل الإعلامي والمعلومات المغلوطة.
وقد قام فريق DW بفحص بعض الأمثلة.
صورة من: facebookالادعاء: يُظهر مقطع فيديو متداول على الإنترنت حشوداً غفيرة تسير ليلاً، مُضيئين هواتفهم المحمولة. وجاء في التعليق المصاحب: "أغلقت الحكومة إنارة الشوارع لإخفاء حجم المتظاهرين الهائل، لكن الجميع استخدموا أضواء هواتفهم للتدليل على وجودهم". حصد الفيديو أكثر من 750 ألف مشاهدة، و انتشر على نطاق واسع مع ادعاءات مماثلة.
DW تتحقق: مُزيّف
تتوافق المؤشرات البصرية، مثل زاوية الرؤية العلوية، وغياب الوجوه الظاهرة، وأنماط أضواء الفلاش، مع الصور المُولّدة بالذكاء الاصطناعي. في الجزء الثاني من الفيديو، تظهر الأيدي والهواتف المحمولة مشوّهة بشكل غير طبيعي.
ادّعت مستخدمة نشرت الفيديو على إنستغرام أنها أنشأته باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مؤكدةً أنه غير حقيقي وأنها ولدته لأنها "استلهمته" من الاحتجاجات الجارية في إيران. حصد هذا المنشور أكثر من 60 مليون مشاهدة. مع ذلك، لم يُشِر الكثير ممن قاموا بتحميل الفيديو وإعادة نشره إلى أنه مُولّد بالذكاء الاصطناعي.
وهناك فيديوهات أخرى متداولة على الإنترنت والتي يُزعم أنها صُوّرت خلال الاحتجاجات الإيرانية، لكن يصعب التحقق منها بسبب انقطاع الاتصالات. يقول فرهاد سوزانجي، رئيس تحرير "فاكتنامه"، وهي منصة للتحقق من الحقائق تُدار من كندا وتُعنى بالتحقق من الادعاءات المتعلقة بإيران: "هناك انقطاع تام للاتصالات. من الصعب جداً التحقق من بعض الفيديوهات التي تنتشر".
في الغالب تؤدي فجوة المعلومات إلى انتشار فيديوهات قديمة على أنها جديدة، وهو أمر شائع خلال الأزمات.
صورة من: Xالادعاء: يُظهر مقطع فيديو رجلاً يُنزل علماً من مبنى، وقد تم تداوله على أنه من تظاهرات إيران. وكتب المستخدم باللغة الإسبانية على موقع إكس: "سيطر المتظاهرون، الوطنيون الشجعان في إيران، على مقر للحرس الثوري الإيراني وأنزلوا علم الجمهورية".
DW تتحقق: مُزيّف
أظهر البحث العكسي عن الصور أن مقطع الفيديو قديم. ويعود للاحتجاجات في نيبال في أيلول/سبتمبر 2025. يرتدي الأشخاص في الفيديو ملابس صيفية، وتشير التعليقات القديمة إلى أن الموقع هو مقر الحزب الشيوعي النيبالي. وقد عاد الفيديو للظهور وسط اضطرابات متجددة في إيران، مما يوضح كيف يتم تحريف فيديوهات قديمة عندما يكون هناك تعتيماً على الاحتجاجات في إيران.
بينما يصعب التحقق من صحة الصور الملتقطة للاحتجاجات المناهضة للنظام، يسهل توثيق صور ومقاطع فيديو المسيرات المؤيدة له. وقد تم تنظيم هذه المسيرات بحضور أمني واضح، وتمت تغطيتها من قبل وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية ووكالات الصور الدولية.
مع ذلك، لا تكشف هذه الصور ومقاطع الفيديو عن كيفية تنظيم هذه التجمعات.
يصف فرهاد سوزانجي، رئيس تحرير "فاكتنامه"، منصة تحقق من الحقائق تُدار من كندا وتُعنى بالتحقق من الادعاءات المتعلقة بإيران، تلك المظاهرات "المؤيدة" للنظام بأنها "تجمعات مُرتبة ومُرخصة من قِبل الحكومة، مع توفير الحماية الكاملة، حيث يُزوّد المشاركون باللافتات وكل ما يلزم. بل وتُوفّر لهم وسائل النقل"، واصفاً إياها بأنها جزء من بروباغندا النظام.
إلى جانب ذلك، تعج وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو مؤيدة للنظام لا تخلو من الفبركات.
صورة من: Instagramالادعاء: يُظهر فيديو متداول على الإنترنت حشداً ضخماً يحمل علماً إيرانياً كبيراً، ويُقدّم على أنه مظاهرة مؤيدة للحكومة بلغات متعددة، بما في ذلك الهندية و العربية .
DW تتحقق: مُزيّف
يؤكد تحليل DW أن الفيديو مُولّد بالذكاء الاصطناعي. فالعديد من الوجوه غير واضحة، وفي لحظة ما، يبدو أن شخصاً ما يخرج من العلم نفسه. يستخدم الفيديو زوايا تصوير واسعة لتضخيم الحجم، وهي سمة شائعة في مقاطع الفيديو المُولّدة بالذكاء الاصطناعي.
يُظهر هذا المثال أن المحتوىات المولدة بالذكاء الاصطناعي قد تكون لدعم سردية المعارضين أو المؤيدين للنظام.
واجهت إيران احتجاجاتٍ مماثلةً من قبل ، ويقول الخبراء إن النظام معروف بأساليبه في التضليل الإعلامي والتلاعب.
مع ذلك، التزم النظام الإيراني صمتاً مريباً في بداية الاحتجاجات الحالية ، بحسب فرهاد سوزانجي، رئيس تحرير "فاكتنامه"، منصة تحقق من الحقائق تُدار من كندا وتُعنى بالتحقق من الادعاءات المتعلقة بإيران. ويقول إن الوضع كان أشبه بـ"ارتباكٍ ما" و"غيابٍ للاستراتيجية" لدى السلطات.
وتؤكد سارة بازوبندي، الباحثة الرئيسية والزميلة غير المقيمة في معهد السياسة الأمنية بجامعة كيل في ألمانيا (ISPK)، هذا الرأي، قائلة إن بعض الأساليب التي استخدمها النظام في هذه الاحتجاجات الراهنة كانت خاطئة للغاية، "وفي رأيي، تم اختيارها على عجل".
تحرير: عبده جميل المخلافي
المصدر:
DW