في قلب كثير من الصناعات الحديثة توجد مادة تسمى " الأسيتالديهيد"، لا تسمع عنها كثيرا لأنه لا علاقة مباشرة لها بحياتك، لكنها تمثل لبنة تدخل في تصنيع طيف واسع من المنتجات، من العطور والمنكّهات والأصباغ واللدائن إلى المطاط الصناعي.
ومع اتساع الحاجة إلى هذه اللبنة، ظلت الصناعة تبحث عن طريقة إنتاج أكثر نظافة وأقل كلفة بيئية، فاليوم تُنتَج كميات كبيرة من الأسيتالديهيد عبر "عملية فاكر" الكيميائية، لكنّ هذا المسار "مكلف" وله أعباء بيئية.
يجعل ذلك البدائل الخضراء جذابة، خصوصا البديل الذي يبدأ من الإيثانول الحيوي، والفكرة الخضراء تبدو بسيطة، وهي أن نحول الإيثانول (الذي يمكن إنتاجه بالتخمير من الكتلة الحيوية) إلى أسيتالديهيد.
لكنّ المشكلة أن كثيرا من العوامل الحفازة التي تدير هذه التفاعلات تترك الكثير من النفايات، وتجعل من إنتاج الأسيتالديهيد مهمة صعبة.
ويبدو أن الحل قادم من المعدن الأصفر الشهير جدا والمسمى الذهب، فبحسب دراسة جديدة نشرت في دورية "تشاينيز جورنال أوف كاتاليسيز"، صمم فريق بحثي سلسلة حفازات جديدة تعتمد على جسيمات ذهب نانوية فوق دعامة من الأكاسيد على هيئة بيروفسكايت (نوع من البنى البلورية) مطعّمة بالنحاس بنسب مدروسة.
تنتج هذه التركيبة مردودا يقارب 95% عند 225 درجة مئوية مع ثبات تشغيل لنحو 80 ساعة، إضافة إلى انتقائية مرتفعة، هذا يعني إنتاجا شبه نقي للإيثانول الحيوي، وهو حلم راود العلماء لزمن.
ما يفسر الأداء ليس وجود الذهب وحده، بل ما يسميه الفريق تآزر الذهب والمنغنيز والنحاس، فالتطعيم المعتدل بالنحاس داخل البيروفسكايت يخلق مواقع نشطة قرب الذهب تُحسّن التفاعل وتوجهه نحو الأسيتالديهيد بدل تكوين نواتج جانبية.
أبرز تطبيقات هذا التطور أنه يفتح مسارا أكثر خضرة لإنتاج الأسيتالديهيد من الإيثانول الحيوي بكفاءة عالية وحرارة أقل، ما يعني عمليا خفض استهلاك الطاقة وتقليل التفاعلات الجانبية وتحسين عمر الحفّاز.
وإذا أمكن نقل الأداء من المختبر إلى المفاعل الصناعي، فقد يسهم في جعل الأسيتالديهيد بوابة لكيمياء متجددة، إذ يُستخدم كمادة وسيطة لإنتاج حمض الأسيتيك ومشتقاته ومواد مثل إيثيل أسيتات (مذيب واسع الاستخدام في الدهانات والأحبار واللاصقات)، إضافة إلى مركبات تدخل في البلاستيك والراتنجات وصناعات العطور والمنكهات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة