"وهم الزمن".. هل إحساسنا بالبعد الرابع حقيقي؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مقدمة للترجمة
"إنني أكبر وأنفق جُل وقتي كي أفهم الزمن، فلا أفهمه، لذا أشعر أنه عدوي الخفي الذي يضرب دون أن يكون باستطاعتي درء ضرباته عني. لا أعرف كيف يمضي، ولِمَ يمضي، وكيف أننا نحيا فيه ونعجز أن ندركه كما ينبغي له، أهو شيء يمرّنا ونمرّه، أم حال تعترينا؟ وإذا مضى، فإلى أين يمضي؟ أين تذهب كل أعوامنا التي تغادرنا؟ ولِمَ لا يمكن أن نحتفظ بها في مكان ما كثيابنا وأشيائنا العتيقة؟"
"ليلى الجهني، من كتابها (في معنى أن أكبر)"
ما الزمن؟ ولماذا يبدو كأنه يتدفق؟ وكيف يمكن أن يتغير إدراكنا له في بعض الأحيان، فيبدو أحيانا بطيئا وأحيانا سريعا؟ والأهم من ذلك، ما العلاقة بين الزمن الذي نعيشه والزمن الذي تصفه قوانين الطبيعة؟ يأخذنا البحث عن إجابات حول طبيعة الزمن إلى منطقة ضبابية وخطيرة بين علم الأعصاب والفيزياء، يحاول دانييل كوسينز، الكاتب من نيو ساينتيت سبر أغوارها في هذه المادة.
نص الترجمة
قبل فترة من الزمن، كُلِّف طلاب في جامعة تينيسي بالولايات المتحدة بمهمة غريبة بعض الشيء، فقد طُلب منهم أن يتخيلوا أنفسهم أقزاما (مثل سكان ليليبوت في رواية رحلات جاليفر). كان أمامهم نموذج مصغر لردهة تجمعهم، تتضمن أثاثا وتماثيل صغيرة، وطُلِب منهم أن يتخيلوا أنفسهم مكان هؤلاء الأقزام جالسين على الكراسي الصغيرة، يحتسون القهوة في أكواب صغيرة. بعد ذلك، تعين عليهم أن يحددوا اللحظة التي راودهم فيها شعور بأن 30 دقيقة قد مرت.
بالنسبة للطلاب الذين تخيلوا أنفسهم أقزاما، بدا الوقت وكأنه يمر أسرع مما هو عليه في الواقع، بمعنى أن تقديراتهم للوقت كانت أقصر بكثير من الوقت الفعلي الذي مرّ، أما الأمر الأكثر إثارة للانتباه فكان الإحساس بتسارع الوقت الذي تناسب مع حجم النماذج المصغرة التي عُرضت عليهم، فكلما كان النموذج أصغر، زاد إحساسهم بأن الوقت يمر أسرع.
من حين لآخر، يستشهد علماء الأعصاب بهذه النتيجة الغريبة التي نُشرت في مجلة ساينس عام 1981 للإشارة إلى أن الدماغ قد يعالج الزمان والمكان بطريقة مترابطة ومتشابكة، مشابهة للطريقة التي يربط بها الكون بينهما في إطار نظرية النسبية العامة لأينشتاين. وتُعتبر هذه التجربة أحد أهم الأمثلة التي تُظهِر مدى مرونة إدراكنا للوقت ومدى الغموض الذي يكتنفه.
ربما يكون الزمن هو أحد أكثر الجوانب المحورية في تجربتنا الإنسانية، ومع ذلك لم تَحسِم الفيزياء الحديثة بعد ما إذا كان الزمن خاصية أساسية من خصائص الكون. وهو ما يفتح الباب لأسئلة عميقة على غرار: ما الزمن؟ ولماذا يبدو كأنه يتدفق؟ وكيف يمكن أن يتغير إدراكنا له في بعض الأحيان، فيبدو أحيانا بطيئا وأحيانا سريعا؟ والأهم من ذلك، ما العلاقة بين الزمن الذي نعيشه والزمن الذي تصفه قوانين الطبيعة؟
يأخذنا البحث عن إجابات حول طبيعة الزمن إلى منطقة ضبابية وخطيرة بين علم الأعصاب والفيزياء، وتكشف هذه المنطقة عن حدود قدرتنا البشرية على فهم الواقع كما هو حقا؛ ما يجبرنا على مواجهة فكرة أن الوقت ربما ليس خاصية حقيقية للعالم الخارجي، بل هو ناتج عن الطريقة التي يعالج بها دماغنا المعلومات.
بالنسبة لنيوتن، كان الزمن مفهوما مطلقا وثابتا، أشبه بـ"ساعة رئيسية" تعمل بانتظام خارج الكون، وتحدد إيقاع جميع الأحداث. ووفقا لذلك، أعلن نيوتن ذات مرة قائلا: يمكن لحركة الأجسام أن تتغير، أي قد تتسارع أو تتباطأ، لكن "تدفق الزمن المطلق" يظل ثابتا وغير قابل للتغيير. وهكذا كان الزمن بالنسبة إليه هو نفسه في كل مكان.
ولكن ما إن ظهرت نظرية النسبية لألبرت أينشتاين حتى انهارت فكرة الزمن المُطلَق التي تبناها نيوتن. وفقا لنظرية النسبية، فإن الزمان والمكان ليسا كيانين منفصلين، بل هما كيانان متحدان في نسيج رباعي الأبعاد يُعرَف بـ"الزمكان"، وهو وسطٌ مشوّه بفعل الجاذبية والحركة، وهو ما يؤدي إلى أن يصبح الزمن نسبيا وليس مطلقا. ومن ثم، لا يمكن لشخصين مراقبين أن يتفقا دائما على توقيت حدث معين.
كما أوضحت النسبية أن الماضي والحاضر والمستقبل تعتمد على وجهة نظر كل مراقب، وليست حقائق عالمية ثابتة. وبناء على ذلك، أصر أينشتاين على أن تدفق الزمن ليس سوى "وهْم مستمر ومستعصٍ". ويؤكد العديد من علماء الفيزياء اليوم على أن مفهوم "الآن" الموضوعي، كما نفهمه في حياتنا اليومية، ليس له وجود حقيقي في الكون.
في السياق ذاته، يقول كارلو روفيلي، عالم الفيزياء النظرية بجامعة إيكس مرسيليا في فرنسا: "إنني مثل الجميع، أشعر بهذا التناقض بين الطريقة التي تصف بها المعادلات الزمن، والطريقة التي ندرك بها الزمن في حياتنا اليومية". فهل يمكن التوفيق بين هذين المنظورين المختلفين للزمن؟
للبحث عن تفسير لطبيعة الزمن، نبدأ عادة بالنظر إلى تلك الكتلة الرمادية (الدماغ البشري)، ومع ذلك، يختلف الزمن عن غيره من الأشياء التي ندركها بحواسنا، فهو ليس مجرد شيء خارجي نشعر به، بل هو جزء لا يتجزأ من كل ما ندركه في حياتنا.
وعلى عكس الحواس الأخرى، مثل البصر والشم واللمس والسمع والتذوق، لا يوجد عضو حسي مخصص أو مسار عصبي معين مسؤول عن إدراك الزمن. كما أنه لا توجد حالة سريرية معروفة يفقد فيها الشخص تماما قدرته على إدراك الزمن، على عكس فقدان القدرة على الرؤية أو السمع مثلا. وهو ما يجعل دراسة الزمن في الدماغ أمرا مستعصيا.
ينطوي الدماغ البشري على مجموعة معقدة من الآليات العصبية التي تعمل على تنظيم الزمن وترتيب الأحداث بترتيب زمني معين. ومع ذلك، يوضح ديان بونومانو، أستاذ علم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، أن الدماغ لا يحتوي على جهاز واحد ومحدد، مثل ساعة اليد التقليدية، لقياس الزمن بصورة موحدة، بل هناك مجموعة من الآليات العصبية المختلفة التي تعمل معا لقياس جوانب مختلفة من الزمن. فمثلا، يمكن اعتبار الدماغ كما لو كان ورشة لصنع الساعات في العصر الفيكتوري، زاخرة بأنواع مختلفة من الآلات والأدوات التي صُممت كل منها لقياس جانب مختلف من جوانب الزمن.
والآن، دعنا نتحدث عن الآليات المختلفة في الدماغ التي تتحكم في إدراك الزمن على مستويات مُتعددة. أولا، هناك "الساعة البيولوجية الرئيسية" التي تقع في منطقة النواة فوق التصالبية، وتنظم الإيقاع اليومي الذي يساعد الجسم على التكيف مع دورة الليل والنهار.
تعتمد هذه الساعة على تذبذبات تشبه حركة البندول داخل البروتينات؛ ما يساعدنا على التزامن مع الإيقاعات الشمسية. ثم هناك مجموعات من خلايا الدماغ التي تتحكم في التوقيت السريع للأحداث التي تبزغ في فترات زمنية قصيرة جدا، مثل ردود الفعل السريعة للأفعال الجسدية. ومن بين أولئك الذين أظهروا هذا هو ديان بونومانو، الذي أثبت أن أي مجموعة من الخلايا العصبية يمكنها تتبع أجزاء من الثانية عن طريق إطلاقها لأنماط متكررة من النشاط العصبي؛ ما يشير إلى أن جميع خلايا الدماغ قد تمتلك القدرة ذاتها على قياس الزمن.
مصدر الصورة
النظام داخل الدماغ
ولكن لا يمكن لأي من هذه الظواهر تفسير الإحساس المعتاد أو المألوف بمرور الزمن، أو الإحساس بأننا نمر بالأحداث وكأننا ننجذب عبر تيار زمني. وعن ذلك، يقول إدوارد موزر من معهد كافلي لعلوم الأعصاب في النرويج: "تعتمد تجربتنا للعالم على ترتيب الأحداث التي نعتبرها متسلسلة وسببية، وتحدث على مدار ثوانٍ ودقائق وساعات".
ويحدد الدماغ ما يحدث في الوقت الحقيقي ليتمكن من خلق الذكريات العرضية (وهي ذكريات شخصية وفردية تتضمن تفاصيل حول الأحداث التي عايشها الشخص، مثل الذكريات التي تتعلق بمكان معين، أو شخص معين، أو موقف معين مر به*)، وبدون هذه الذكريات لا يمكن للمرء تذكر الماضي، أو الإحساس بمرور الزمن. ومن جانبه، يؤكد موزر: "لكي نفهم كيف يعمل هذا، يتعين علينا أن نفهم كيف يخلق دماغنا التسلسلات، أو بمعنى أدق كيف ينظّم الأحداث في تسلسل زمني".
في عام 2014، فاز كل من "إدوارد موزر" وزوجته "ماي بريت موزر" بجائزة نوبل في الطب عن دورهما في اكتشاف "الخلايا الشبكية" التي تتعقب موقع الفئران في المكان لتساعد في بناء خريطة تنقل داخل الدماغ؛ ما يسمح للفئران بالتنقل في البيئة. وفي الآونة الأخيرة، اكتشف موزر وزوجته نوعا آخر من الخلايا العصبية، التي يعتقدان أنها مكافِئة للخلايا الشبكية، والمسؤولة عن ترتيب الأحداث وفقا للزمن.
وبالتعاون مع ألبرت تساو، الذي يعمل الآن في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا، سجل الباحثون نشاط مجموعة من الخلايا العصبية أثناء بحث الفئران عن قطع من الشوكولاتة في متاهة. في البداية، لم يكن هناك نمط واضح أو قابل للتفسير في النشاط العصبي لهذه الخلايا، ولكن في نهاية المطاف تمكن الباحثون من ملاحظة أن النشاط العصبي للخلايا كان يتغير وفقا لما يمر به كل فأر. إلا أنه لم يظهر نمط متكرر في النشاط العصبي إلا عندما وضعوا فأرا في حلقة على شكل الرقم 8، ليجبروه على العودة إلى المكان ذاته من جديد للحصول على الشوكولاتة، ومن هنا بدأ يظهر نمط متكرر في النشاط العصبي لهذه الخلايا.
يعتقد موزر وزوجته أن هذه الخلايا تعمل على ترتيب الأحداث في تسلسل زمني، إذ تنسجم هذه الفكرة مع بنية الدماغ في المنطقة التي توجد فيها هذه الخلايا. فالقشرة المخية الأنفية الجانبية المسؤولة عن ترتيب الأحداث الزمنية، والقشرة الدماغية الأنفية الوسطى حيث توجد الخلايا الشبكية (المسؤولة عن تمثيل المواقع المكانية)، ترسل كلاهما إشارات مباشرة إلى الحُصين المجاور، وهو المركز المسؤول عن تكوين الذكريات.
وفقا للزوجين موزر، فإن هذه الآلية تسمح للدماغ بدمج تمثيلات الزمان والمكان التي تنتجها الخلايا المتخصصة؛ ما يتيح لنا تكوين تجربة موحدة عما حدث، وأين حدث، ومتى حدث بالضبط. ومن جانبه، يؤكد إدوارد موزر أن هذا الترتيب منطقي للغاية، لأن المكان والزمان هما عنصران أساسيان في تكوين الذكريات العرضية (التي تربط الأحداث بمواضعها الزمنية والمكانية*).
ولكن هذا يثير تساؤلا آخر، وهو: ما طبيعة الوقت الذي تدركه أدمغتنا؟ في اجتماع عُقد حول موضوع المكان والزمان في الدماغ، أشار عالم الأعصاب "جورجي بوزاكي"، من جامعة نيويورك، مرارا وتكرارا إلى أن الزمن الذي يدركه الدماغ ليس الزمن الذي تقيسه الساعات، فالساعات هي اختراع ثقافي صنعه الإنسان، ومن غير المرجح أن تكون الخلايا العصبية قد تطورت لتتبع هذا النوع من الزمن.
وبدلا من ذلك، يبدو أن الزمن الذي ندركه بصورة حدسية يشبه الزمن الذي أشار إليه نيوتن على أنه يتقدم بمعدل ثابت ومنتظم، ويوفر خلفية يمكن للدماغ من خلالها تتبع تسلسل الأحداث. يبدو أن أدمغتنا تطورت لإدراك الزمن بصورة بسيطة ومنتظمة، لأن هذا يناسب حياتنا اليومية وحركاتنا البطيئة. لم يكن هناك حاجة تطورية لإدراك التأثيرات الغريبة للزمن كما في نظريات أينشتاين، لأنها لا تؤثر على حياتنا العملية أو تقدم أي ميزة للبقاء.
ولكن ثمة أسباب تدعو للاعتقاد بأننا ندرك بعض الجوانب "النسبية" للزمن كما وصفها أينشتاين، وخاصة العلاقة الوثيقة ب ....