إذا فكّرنا قليلًا في أحدث الأرقام المنشورة على قاعدة البيانات اللغوية "إثنولوج"، المهتمة بإحصاء أعداد متحدثي جميع اللغات الإنسانية الحية، فسنكتشف أن الدول القومية البالغ عددها 190 دولة تضم نحو 7168 لغة حية. هذا التفاوت الكبير بين عدد الدول وعدد اللغات الحية له دلالات واضحة، إذ يُظهِر أن معظم الحكومات تدعم لغة رسمية واحدة أو عدة لغات فقط، وهو ما يعني أن غالبية اللغات الحية في العالم لا تحظى بالدعم الرسمي، ومن يستخدمون هذه اللغات هم مجتمعات أقدم بكثير وأكثر محلية من الدول القومية، ويُعدُّ هذا التفاوت بين عدد الدول وعدد اللغات أحد العوامل التي سيتمخض عنها تحول كبير في الوعي البشري على مستوى العالم. وبالتالي تُعتَبر النتائج المترتبة على ذلك خسارة كبيرة في التنوع اللغوي.

وفي ظروف كهذه، من الطبيعي أن يراود علماءَ اللغة شعورٌ بالقلق الشديد إزاء حقيقة أن نصف اللغات البشرية -على الأقل- أصبح مُهدَّدًا بالاندثار. ويتحدث بهذه اللغات أقل من 10,000 شخص، بل إن مئات منها يتحدث بها أقل من عشرة أشخاص في العالم، وأغلب الظن أن هناك لغات عديدة لا يتحدث بها سوى شخص واحد فحسب على ظهر هذه البسيطة (فضلا عن أن الوضع أكثر سوءًا بالنسبة للغات الإشارة البالغ عددها 157 لغة حول العالم وفقا لإحصائيات قاعدة البيانات إثنولوج. وكما هو واضح، تواجه لغات الإشارة تهديدًا أكبر بالاندثار مقارنة باللغات المنطوقة).

وفي المقابل سنجد عددا هائلا من متحدثي اللغات الكبرى مثل العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والهندية، والصينية، والإسبانية، في حين تتلاشى اللغات الأقل شهرة بمرور الوقت. وفقًا لأحد التقديرات، فإن 96% من سكان العالم يتحدثون 4% فقط من جميع اللغات، والعكس صحيح أيضا. إذا انتبهنا إلى النسبة قليلًا، فسنكتشف أيضًا أن 4% فقط من سكان العالم يتحدثون 96% من جميع اللغات.

إن التنوع اللغوي على غرار التنوع البيولوجي، ليس موزعًا بالتساوي في جميع أنحاء العالم، إذ يبدو في أقوى حالاته في بعض المناطق مثل بابوا غينيا الجديدة (ثاني أكبر الجزر في العالم، وتقع في جنوب غرب المحيط الهادئ *)، وأفريقيا الاستوائية، وغابات الأمازون، وجبال الهيمالايا. في هذه المناطق، ساهم البُعد عن السلطة المركزية أو الدول القوية، والاعتماد على الاقتصادات المحلية البسيطة والمجتمعات الصغيرة، في حفظ وبقاء التنوع اللغوي المحلي حتى وقت قريب. لكن اليوم، تحولت مناطق مثل جاكرتا في إندونيسيا، ولاغوس في نيجيريا، ولندن، ونيويورك، وباريس إلى مدن تستقبل تدفقات هائلة من الهجرة الواسعة.

يتجمع الناس من مختلف أنحاء العالم في هذه المدن للعمل، والتعليم، والحصول على الخدمات، أو باعتبارها فرصة للنجاة والاستمتاع بالحياة العصرية. ورغم أن نيويورك تُعتَبر اليوم المدينة الأكثر تنوعًا في العالم من الناحية اللغوية، فإن بقاء هذا التنوع اللغوي في مثل هذه المدن والبوتقات المتعددة الثقافات لم يعد مضمونًا (فقد تؤدي عمليات الاندماج والتكيف إلى تراجع استخدام اللغات الأقل انتشارًا لصالح اللغات الأكثر شيوعًا*).

التنوع اللغوي على غرار التنوع البيولوجي، ليس موزعًا بالتساوي في جميع أنحاء العالم، إذ يبدو في أقوى حالاته في بعض المناطق مثل بابوا غينيا الجديدة (ثاني أكبر الجزر في العالم، وتقع في جنوب غرب المحيط الهادئ *)، وأفريقيا الاستوائية، وغابات الأمازون، وجبال الهيمالايا (بيكساباي) مصدر الصورة
التنوع اللغوي على غرار التنوع البيولوجي، ليس موزعًا بالتساوي في جميع أنحاء العالم (بيكساباي)

على الجانب الآخر، لا يمكن اعتبار اندثار اللغات أمرا جديدا، فلطالما تأرجحت اللغات بين مرحلتي الظهور والاختفاء على مر الزمن. أحيانًا كان يستمر بقاء بعض اللغات عدة أجيال حتى مع وجود أعداد صغيرة جدًّا من المتحدثين بها، وذلك عكس ما يحدث الآن، فقد بلغ معدل الفقد الحالي للغات نسبة غير مسبوقة تعادل تقريبًا نسبة فقد الأنواع الحيوانية والنباتية على الكوكب. ولمعرفة بداية اندثار هذه اللغات، سنحتاج إلى العودة بالزمن إلى الوراء قليلًا.

فمع انتشار الزراعة المستمرة على مدى آلاف السنين، تمكنت بعض المجموعات التي كانت تتحدث لغات معينة من زيادة أعدادها نتيجة لاعتمادها على الزراعة، بجانب استيطانها المناطق الجديدة التي كانت قبل ذلك مأهولة بمجموعات لغوية أصغر حجمًا وأكثر تنوعًا مثل الصيادين والبدو، وهو ما أدى إلى الاندثار التدريجي للغة الصيادين والبدو.

أما في العصر الحديث، فيعزى الفقدان المتسارع للغات إلى فتوحات الإمبراطوريات الاستعمارية، والتوسع الحضري المُفرط، والشبكات المتنامية للرأسمالية، والضغوط الوطنية التي تفرض استخدام لغة واحدة. ومع انتشار أنظمة التعليم الرسمي والأشكال الجديدة التي تبنتها وسائل الإعلام والاتصالات، أصبح من الصعب على اللغات الصغيرة الصمود طويلا في وجه عالم متغير باستمرار.

الحفاظ على اللغة الأم

في أغلب الأوقات، لا يُعير المتحدثون باللغات السائدة اهتماما كبيرا لقضية انقراض اللغات الصغيرة، ودائمًا ما يتساءلون: "ألن يتحول العالم إلى واقع أفضل إذا فهم الجميع بعضهم بعضًا؟" لكن هذا النوع من التفكير يغفل عن حقيقتين؛ الأولى هي أن التحدث باللغة ذاتها لا يضمن بالضرورة الفهم المتبادل أو السلام بين الأفراد الذين يتحدثون بها، بل يمكن لفتيل النزاعات والعنف أن يشتعل بين أفراد يتحدثون لغة واحدة.

أما الحقيقة الثانية، فهي التغافل عن الفوائد العلمية والفنية والإنسانية العميقة للتنوع اللغوي. في كتابه "عدد لا يُحصَى من الألسنة: كيف تُزيح اللغات الستار عن الاختلافات في طريقة تفكيرنا" In A Myriad of Tongues: How Languages Reveal Differences in How We Think، يتحدث عالم الأنثروبولوجيا اللغوية كاليب إيفريت، عن مدى ثراء هذه اللغات المُهددة بالانقراض، إذ يرى أنها لا تُمثل مجرد لهجات بدائية، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، لأنها ببساطة لغات زاخرة بالأدب الشفهي، والمعرفة التاريخية والعلمية، والخصائص اللغوية الفريدة، وغيرها من العجائب الأخرى التي نادرًا ما تمكن ترجمتها كلّها إلى لغات أخرى.

في السياق ذاته، تُشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أنه من الأفضل للأطفال أن يتعلموا بلغتهم الأم، وأن الحفاظ على اللغة الأم يمكن أن يعود بفوائد عظيمة على صحتهم العقلية والجسدية، كما أن الحفاظ على اللغات في حد ذاته يحمل بُعدًا أخلاقيًّا، نظرًا إلى تاريخ النزوح والاضطهاد والتهميش الذي يعاني منه معظم المتحدثين باللغات المُهدَّدة بالانقراض.

لكن في النهاية، لا يمكن اعتبار اندثار أي لغة أمرًا حتميًّا. فإذا توفر الدعم السياسي من الحكومات المحلية أو الوطنية، وخُصّصت موارد اقتصادية، حينها ستتمكن أي لغة من مواجهة التهديدات والإغراءات والضغوط التي تدفع الناس إلى تعلم واستخدام لغات أكثر انتشارًا لتلبية احتياجات التواصل في الحياة اليومية، وما يصاب ذلك من توحيد الهويات الوطنية وضغوط العولمة. ومع ذلك، لا تحظى معظم اللغات بهذا النوع من الدعم، وهو ما يؤدي بدوره إلى فقدان اللغة باعتماد الشباب طرق تواصل جديدة تختلف عن تلك التي يستخدمها المسنّون.

تُشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أنه من الأفضل للأطفال أن يتعلموا بلغتهم الأم، وأن الحفاظ على اللغة الأم يمكن أن يعود بفوائد عظيمة على صحتهم العقلية والجسدية (بيكساباي) مصدر الصورة
تُشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أنه من الأفضل للأطفال أن يتعلموا بلغتهم الأم، وأن الحفاظ على اللغة الأم يمكن أن يعود بفوائد عظيمة على صحتهم العقلية والجسدية (بيكساباي)

يُخالج المتحدثين باللغات الأقل انتشارًا شعورٌ بالتهميش وعدم الانتماء إلى هذا العالم الذي تمادت اللغات السائدة في التوغل فيه بقوة، فلم يعد الأمر مقتصرًا على أن الوصول إلى الوظائف والمدارس والفرص الأخرى أصبح مرتبطا باللغات السائدة مثل الإنجليزية، والصينية (الماندرينية)، والإسبانية فحسب، بل ازداد الأمر سوءًا بعدما أصبح يراود السكانَ الأصليين في أميركا الشمالية شعورٌ بالخجل من التحدث بلغاتهم الأم مثل الكِرِي (Cree)،  والناواتل (Nahuatl)، ولغة تشوانغ (Zhuang) التي تتحدث بها أقلية عرقية في الصين. وشعورهم المستمر بالخجل من لغتهم هو ما أدى في النهاية إلى سقوطهم في هاوية الشعور بالخجل من هويتهم الذاتية.

تواجه مثل هذه اللغات معارك شاقة في محاولة منها للبقاء والاستمرار. ورغم أنها تمثل نصف لغات العالم، فإنها مع ذلك تُعتَبر الأقل توثيقًا ومعرفة، إذ لا يعرفها سوى القليل من البشر، وليست موثّقة إلا في عدد قليل من الكتب أو التسجيلات، إن وُجِدت أصلًا، وفي أحيان أخرى قد لا يتوفر سوى قائمة بسيطة من الكلمات لتوثيق تلك اللغات. لكن في العقود القليلة الماضية، بدأت جهود جادة ومنظمَّة بين اللغويين لتوثيق اللغات المُهدَّدة بالانقراض وتطوير مجموعة من الممارسات والبروتوكولات والأدوات لهذا الهدف المنشود. وفي الوقت ذاته، يبذل المتحدثون بتلك اللغات ....