في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على الرابط أعلاه للمشاهدة على الموقع الرسمي

تتناول أكثر من 150 مليون امرأة حول العالم حبوبا لتحديد النسل، والتي غالبا ما تسمى ببساطة "حبوب منع الحمل"، ويتحملن وحدهن عبء ومسؤولية الرغبة في الإنجاب. ولكن ماذا لو كان للرجل حبوب يتناولها لتقليل الخصوبة عنده ومنع الحمل عند النساء؟

تُجرى حاليا تجارب على أول حبوب منع حمل للرجال على الإطلاق، لتضع قريبا المزيد من القوة بين أيدي الرجال لمنع الحمل غير المرغوب فيه بموثوقية عالية، بعد عشرات السنوات من اقتصار تلك الوسائل على النساء.

وتسعى التجارب إلى الإجابة على سؤال طبي أساسي: هل هذا الدواء آمن وفعال؟ لكن لا شك في أن الشركات المصنعة تتساءل عن شيء آخر هو: هل نرى الرجال يُقبلون عليه دون خوف من الآثار على خصوبتهم؟

وسائل أنثوية محفوفة بالمخاطر

كان عام 1960 عاما محوريا في تاريخ تنظيم الأسرة، حين طُرحت حبوب منع الحمل في الأسواق الأميركية والعالمية لأول مرة بعد حصولها على موافقة "إدارة الغذاء والدواء الأميركية"، وبعد مرور عام أصبحت حبوب منع الحمل متاحة في ألمانيا الغربية، ثم في ألمانيا الشرقية بعد أربع سنوات. وسُمّي العقار الأول "إنوفيد"، وكانت تدخل في تركيبه مادة البروجِستين التي تُضعف فرص الحمل. وطُوِّرت هذه الحبوب بجهود طبيب أمراض النساء الأميركي "جون روك" وعالم الأحياء الأميركي "غريغوري بينكوس"، وبدعم من "مارغريت سانغر" التي اعتُبرت من الرائدات في مجال تنظيم الأسرة.

في البداية، سَوّقت صناعة الأدوية الحبوب على أنها علاج لشكاوى الدورة الشهرية، ووُصفت حصريا للنساء المتزوجات. وفي ذلك الوقت، كان الخوف من الحمل غير المرغوب فيه يهيمن على الحياة الجنسية.

وعلى الرغم من صغر حجمها، فإن الحبوب سرعان ما انتشرت وكان لها تأثير اقتصادي واجتماعي، إذ ذهبت إلى أبعد من أي طريقة سابقة في الفصل بين الجنس من أجل المتعة والجنس من أجل الإنجاب، واعتُبرت حينها "قضية نسائية"، إذ أتاحت للنساء التفرغ للدراسة والعمل بدلا من أعمال المنزل وتغيير الحفاظات.

وفي القرن العشرين، انتشرت العديد من وسائل منع الحمل التي زادت من ثقل المسؤولية على النساء. فبحسب الأمم المتحدة، مازالت 67% من وسائل منع الحمل نسائية، ومن أبرزها الحبوب اليومية وحُقن الإستروجين والبروجسترون والأدوات التي تُزرع تحت الجليد في أعلى الذراع، يُضاف ذلك إلى التعقيم الدائم عبر ربط أو قطع قناتي فالوب لمنع وصول البويضات إلى الرحم.

واليوم، يمكن للنساء الاختيار بين وسائل أخرى بما في ذلك حبوب منع الحمل، واللصقات أو الأغشية، وحقن منع الحمل، وتلك التي تُوضع داخل المهبل مثل اللولب والواقي الأنثوي، والتي تتراوح فعاليتها من 71 إلى 99%. وعلى الرغم من أن لها فوائدها، فإن هناك أيضا مخاطر صحية مرتبطة بتحديد النسل الهرموني، وفقا لموقع "هيلث لاين".

يعتمد عمل حبوب منع الحمل الأنثوية على الهرمونات التي تعطِّل الدورة الشهرية، وأُثيرت الكثير من الشائعات حولها، منها مثلًا أنها قد تتسبب بأنواع مختلفة من السرطانات وفق بعض الدراسات، لكن العلماء يقولون إن هذا الأمر غير صحيح إلا في حالة استخدامها على المدى الطويل مثل تأثير أي دواء نتناوله لفترة طويلة. بل ثبت أن استخدام وسائل منع الحمل عن طريق الفم قد يقلل بشكل كبير من سرطان المبيض، وخطر الإصابة بسرطان الرحم، كما يمكنه أن يقلل من خطر الإصابة بسرطان القولون.

كما يُشاع أيضا أن وسائل منع الحمل تمنع الحمل نهائيا حتى بعد التوقف عن استخدامها، بينما يقول العلماء إن هذا غير صحيح. وأثارت عدد من الدراسات المتعارضة الجدل حول العلاقة بين حبوب منع الحمل والاكتئاب لدى النساء، فقالت بعض الدراسات إن حبوب منع الحمل تُسبب الاكتئاب ونفت ذلك دراسات أخرى، وقالت دراسات ثالثة إن الأمر غير واضح.

هذا التركيز على النساء اللواتي يُمكن لهن الحمل، ساهم في انتشار فكرة أنهن "مسؤولات بشكل طبيعي" عن وسائل منع الحمل، كما تقول الأستاذة المساعدة في جامعة أوريغون "كريستال ليتل جون"، في كتاب "فلتتعودي على الحبة.. العبء غير المتكافئ للسياسة الإنجابية".

وهكذا ظلت النساء لسنوات يتساءلن: متى سيتمكن العلم من تحقيق المكاسب السريعة في مجال المساواة بين الجنسين ويُطلب من الرجال أن يتحملوا جزءا صغيرا من المسؤولية عن تنظيم الأسرة؟ ومتى سيسمح الطب الحديث للرجال بالقيام بدورهم على الأقل في التخطيط لإنجاب الأطفال، ومنع حالات الحمل في التوقيت الخاطئ أو غير المرغوب فيه؟

كيف دخل الرجال عالم منع الحمل؟

كانت حبوب منع الحمل للرجال رؤية مطروحة لعقود من الزمن، فمنذ السبعينيات على الأقل -أي بعد وقت قصير من إتاحة حبوب منع الحمل للنساء على نطاق واسع- حاول العلماء على فترات متقطعة تطوير وسائل منع حمل فعالة وطويلة الأمد للرجال، إلا أن الفكرة واجهت عقبات كثيرة.

وتعرقلت المحاولات الرامية إلى طرح وسيلة جديدة وفعالة لمنع الحمل في السوق بسبب عدد من العوامل، منها التمويل المحدود، والإجراءات التنظيمية المطوّلة، والتحديات البيولوجية، والقضايا المجتمعية مثل الاعتقاد السائد منذ فترة طويلة بأن الأشخاص الذين يمكنهم الحمل (أي النساء) يجب أن يتحملوا مسؤولية منع الحمل.

وبالإضافة إلى ذلك يقول بعض الخبراء إن نجاح حبوب منع الحمل لدى النساء قد يكون مسؤولا جزئيا عن التأخر في تطوير خيارات منع الحمل للرجال، فقد سيطرت وسائل منع الحمل عن طريق الفم، وكان تأثيرها على النساء عميقا لدرجة أنها غيَّرت من أنماط الحياة لديهن.

وعلى مدى السنوات الماضية، تخلت صناعة الأدوية عن معظم استثماراتها في مجال وسائل منع الحمل بشكل عام، وتراجعت عن تطوير أبحاث منع الحمل لدى الذكور بشكل خاص، ولم يتبق سوى المنظمات غير الربحية والكيانات العامة التي تسعى إلى استخدام وسائل منع الحمل للرجال. وتُرجع التفسيرات الرئيسية ذلك إلى التوقعات غير المؤكدة للطلب في السوق مقابل الحاجة إلى استثمارات مهمة لإثبات سلامة المنتجات المرشحة الحالية، وعلاوة على ذلك ركزت العديد من الموارد على إعطاء المزيد من الخيارات للنساء.

وحاول الباحثون طويلا تطوير نظير لهذه الحبوب للذكور باستخدام الطرق نفسها، والعمل على هرمون الذكورة، وتسببت هذه المحاولات في آثار جانبية غير مرغوب فيها مثل زيادة الوزن ونوبات الاكتئاب وزيادة مستويات الكولسترول، وهو ما يزيد من مخاطر أمراض القلب.

وعلى الرغم من أن ما يقرب من نصف حالات الحمل في جميع أنحاء العالم تكون غير مقصودة، انحصرت خيارات منع الحمل المتاحة للرجال في شكلين معتمدين: الواقي الذكري وقطع القناة الدافقة، وفقا للمعهد الوطني للصحة.

مصدر الصورة
على عكس النساء، تنحصر خيارات منع الحمل المتاحة للرجال في الواقي الذكري وقطع القناة الدافقة (أن سبلاش)

وهذه الخيارات فعالة لكنها لا تخلو من عيوب، فالواقي الذكري له فائدة إضافية تتمثل في حماية الناس من الأمراض المنقولة جنسيا، لكنه لا يحظى بشعبية نسبيا، فعندما لا يُستخدم بشكل صحيح فإنه يمكن أن يتمزق، ولديه معدل فشل في الاستخدام يبلغ نحو 13%، وفقًا لـ"مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها".

من ناحية أخرى هناك التعقيم عبر قطع أو سد الأسهرين، وهما القناتان اللتان تنقلان الحيوانات المنوية نحو القضيب، وهذا لا يعني توقف إنتاج السائل المنوي لكنه يكون خاليا من الحيوانات المنوية، وتتمتع هذه العملية بمعدل نجاح مرتفع، إلا أن الأطباء لا يوصون أبدا بإجراء هذه العملية الجراحية إذا كان صاحبها ينوي استعادة وصل الأسهرين لاحقا.

وتشير إرشادات قطع القناة الدافقة للجمعية الأميركية لجراحة المسالك البولية، إلى أن عمليات استعادة الخصوبة قد لا تكون ناجحة دائما. ويميل إجراء عكس قطع القناة الدافقة إلى أن يكون صعبا ومكلفا وليس مضمونا بشكل كامل، مما قد يتسبب بعقم نهائي وفق مراجع صحية عديدة، كما يوجد ربط بين عمليات التعقيم ومضاعفات مثل العدوى والألم قصير الأمد والمزمن.

وبالإضافة إلى ذلك، يلجأ بعض الرجال أيضا إلى الأساليب الحرارية، وهي حلقة حرارية مطاطية أو سروال يحتوي على حلقة تُمرَّر حول القضيب والصفن المغلف للخصيتين فترتفعان إلى أعلى، مما يزيد درجة حرارتهما ويتوقف إنتاج الحيوانات المنوية.

استدعت هذه الوسائل التفكير في طرق أسهل لتحكم الرجل في الرغبة في الإنجاب، وفي الآونة الأخيرة فقط كان هناك تدفق متواصل للدراسات البحثية التي جعلت العديد من وسائل منع الحمل الذكورية -الهرمونية وغير الهرمونية- قيد البحث والتطوير السريري، لكن أغلبها تستخدم عوامل هرمونية تثبط هرمون التستوستيرون لمنع إنتاج الحيوانات المنوية.

فعلى سبيل المثال، هناك تركيبة هُلامية (جِل) لمنع الحمل تسمَّى "إن إي إس/تي"، تُدهَن على أكتاف الرجل وأعلى ذراعيه مرة واحدة يوميا، وتقلل إنتاج الحيوانات المنوية إلى أقل من مليون حيوان منوي لكل مليلتر مقارنة بما بين 15 مليونا و200 مليون حيوان منوي لكل مليلتر اللازمة لحدوث الحمل. وتقوم المعاهد الوطنية للصحة بتمويل