مثل صوفي اختار الخلوة للتفرغ للذكر والدعاء والأوراد، اختار أستاذ الفيزياء النظرية عبد الناصر توفيق الملقب بـ"أينشتاين القرن"، التفرغ لعلم الفيزياء الذي وقع في عشقه منذ سنوات الدراسة الثانوية، ليبدع نظرية صفق لها أهل التخصص بعد أن أنهت الخصام بين النسبية العامة والكمومية.

لكن صاحبها الذي اختار أن يواصل البحث والعلم بعيدا عن الأضواء، ظل صامتا، تاركا للآخرين مهمة الحديث عنها.

ويبدو أن مريديه من الباحثين الشباب، أحزنهم غيابه عن الحضور الإعلامي رغم قيمة أبحاثه وأهميتها، فدشنوا مجموعة على فيسبوك تحت عنوان "توفيق أينشتاين القرن" للترويج لأعماله، ومن بينها هذه النظرية الرائدة، لتلفت تلك المجموعة انتباهنا وتدفعنا للبحث عن هذا الرجل الذي ترك بصمة تدفع الباحثين إلى أن ينفقوا من وقتهم لتلخيص أبحاثه والترويج لها.

طلبتُ من أحدهم، وهو بيتر إسكندر الباحث بجامعة "باريس دوفين" بفرنسا، وسيلة للتواصل مع الدكتور توفيق لإجراء مقابلة صحفية معه، فشعرت بسعادة بالغة لديه وكأني أطلب إجراء الحوار معه شخصيا، وهو ما زاد فضولي للحديث مع هذا الرجل الذي يبدو أنه لم يترك أثرا علميا فقط لدى مريديه من الباحثين الشباب، لكنه ترك أيضا أثرا إنسانيا وشخصيا.

لم أضيع وقتا طويلا، فقد تواصلت معه على الفور بعد الحصول على وسيلة التواصل، ليمنحني موعدا بعد أسبوعين، وزادت تلك الفترة الطويلة من فضولي وشغفي لهذا اللقاء الذي استمر مدة ساعة ونصف تنقلنا خلالها بين العلم والإيمان، لأقول لنفسي في ختامه "الآن عرفت لماذا يحبه إسكندر وأقرانه من الباحثين الشباب".. وفيما يلي نص الحوار.

مصدر الصورة
الدكتور عبد الناصر توفيق (يسار) خلال حواره مع مراسل الجزيرة نت (الجزيرة)
  • لو أردنا في البداية تلخيص صفحات سيرتك الذاتية الطويلة في سطور قليلة، فماذا تقول؟

(تنهيدة عميقة استعدادا لإجابة طويلة).. اسمي عبد الناصر محمود توفيق، من قرية تسمى "بني عمار" بمحافظة سوهاج "جنوب مصر"، ويقال إن عائلتي لها جذور تمتد إلى جعفر بن أبي طالب، لذلك تستطيع القول إنني أنتمي إلى عائلة متدينة، لكن ذلك لم يدفعني لدراسة العلوم الشرعية والدينية، فقد وقعت في عشق العلوم الطبيعية منذ المرحلة الإعدادية، والفضل في ذلك يرجع إلى أستاذ مادة العلوم بالمدرسة.

وزاد تعلقي بالعلوم، وتحديدا الفيزياء، في المرحلة الثانوية، لذلك كان القرار بعد حصولي على شهادة الثانوية العامة بمجموع كبير يؤهلني للالتحاق بكلية الطب، هو الإلتحاق بكلية العلوم جامعة أسيوط (جنوب مصر)، وزاد من هذه الرغبة بزوغ نجم العالم المصري فاروق الباز في ذلك الوقت.

لكن ورغم أن بزوغ نجم الباز جاء من تخصص الجيولوجيا، فإن قراري وأنا التحق بالكلية هو أن أتخصص في الفيزياء، لذلك ومع حصولي على أعلى الدرجات في كل مواد العلوم في السنة الأولى من الكلية، فإنني اخترت التخصص في الفيزياء، رغم محاولات عميدة الكلية آنذاك -وكانت متخصصة في الكيمياء- أن تثنيني عن هذه الرغبة.

وواصلت سنوات الدراسة في الكلية بتفوق، وعينت معيدا بها، وحصلت على درجة الماجستير من جامعة أسيوط، ثم سافرت إلى ألمانيا للحصول على الدكتوراه، وبعد حصولي عليها قضيت فترة طويلة هناك أستاذا، وتنقلت بين أكثر من جامعة، وحصلت على الجنسية الألمانية.

ولأن قرار الاستمرار في الغربة لم يكن حاضرا عندي، فقد فضلت منذ سنوات العودة إلى الوطن قبل أن يتقدم بي السن، حتى أستطيع المساهمة في بناء مدرسة علمية في مجال الفيزياء النظرية.

وعملت بعد العودة في جامعة أسيوط، لكن لم يرق لي الحال هناك فاستقلت منها، وانتقلت إلى الجامعة الحديثة للعلوم والتكنولوجيا (إحدى الجامعات الخاصة)، حيث أسست بها المركز المصري للفيزياء النظرية، ثم استقر بي المقام الآن في جامعة المستقبل (إحدى الجامعات الخاصة)، وقد كنت أبحث دوما خلال تنقلي بين الجامعات المختلفة عن "البحث العلمي"، فحيثما يوجد مكان يوفر ظروفا مناسبة لهذا الغرض وتمويلا مناسبا لذلك، فهذا هو وطني.

مصدر الصورة
الدكتور عبد الناصر توفيق أعلن عن نظريته لتوحيد النسبية والكمومية في أكثر من فعالية علمية (الجزيرة)

الفيزياء النظرية.. نصيب ضئيل من كعكة التمويل

  • رغم جهدك الملموس في محاولة بناء مدرسة علمية في الفيزياء النظرية، يبدو لي وكأنه تخصص "غير جماهيري" لا يدرك قيمة أبحاثه ونظرياته إلا المتخصصون فيه، حتى إننا كصحفيين علميين نتجنب كثيرا الكتابة فيه لصعوبته الشديدة، فهل السبب أنكم مقصرون في تقريب تخصصكم للجمهور العام؟

(تختفي ملامح الوجه الهادئة المميزة للدكتور توفيق لتفسح المجال لملامح متحمسة).. لسنا مقصرين، ولكن ما حدث هو أنه خلال الخمسين عاما الماضية، وبسبب طغيان المادة، التهمت العلوم التطبيقية النصيب الأكبر من كعكة تمويل البحث العلمي، ولعل ذلك ساهم في عدم إنجاز بحوث نظرية قوية تخلق جماهيرية لهذا التخصص الذي كان باحثوه -مثل ألبرت أينشتاين- هم صفوة الصفوة منذ بدايات القرن الماضي وحتى عام 1950.

وأثق تماما أنه لو أتيح التمويل المناسب لهذا التخصص، وعُرض جماهيريا بشكل بسيط، لأصبح باحثوه هم نجوم المجتمع، لأنه تخصص يضع الأساس الذي تُبنى عليه العلوم الأخرى، والدليل على ذلك أن العالم البريطاني ستيفن هوكينغ -وهو أحد رواد التخصص حتى وفاته في 14 مارس/آذار 2018- عندما كان يخرج من حين لآخر بنظريات جديدة، كان حديثه يثير الاهتمام العام.

  • بعيدا عن ستيفن هوكينغ، لأن آراءه الصادمة ربما هي التي جذبت الاهتمام، لكني صراحة ألتمس كل العذر لجهات التمويل، فمن الطبيعي أن تمنح تمويلها لبحوث سيكون لها مردود تطبيقي.. فهل فعلا لا يوجد للفيزياء النظرية أي مردود تطبيقي؟

(تختفي ملامحة الهادئة أكثر وأكثر).. بالعكس فهي الأساس الذي تُبنى عليه كل العلوم التطبيقية، لذلك فإن وكالات التمويل العالمية للأبحاث العلمية، وأنا عضو في بعضها، تحرص على أن تعطيه نسبة 10% من تمويلها مقابل 90% للعلوم التطبيقية الأخرى، والحرص على استمرار تلك النسبة -رغم أنها ضئيلة ولا تلبي طموحاتنا- يعني أن الوكالات التمويلية تدرك جيدا أنه يجب الحفاظ على استمرار إبداعات الباحثين في هذا المجال، حتى وإن لم تكن له تطبيقات مباشرة.

مصدر الصورة
الدكتور عبد الناصر توفيق (وسط) بجوار المصادم النيوكلوتروني بالمعهد المشترك للأبحاث النووية في دوبنا شمال موسكو (الجزيرة)

اختراع "الويب" ونظام "جي بي إس"

  • دعني أتوقف عند جملتك الأخيرة "حتى وإن لم تكن له تطبيقات مباشرة"، فهل يعني ذلك أن أبحاثكم تبنى عليها تطبيقات بشكل غير مباشر؟

بالضبط، فاختراع الإنترنت، الذي يقوم عليه التواصل في الحضارة الحديثة، خرج من "المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سرن" التي تقع على الحدود بين سويسرا وفرنسا، وتعتبر أكبر مختبر في العالم لدراسة فيزياء الجسيمات، حيث اختُرع داخلها شبكة "الويب" العالمية، وهي مكون أساسي للإنترنت، على يد العالم البريطاني "السير تيم بيرنرز لي" عام 1989، حيث قام بتطوير أول موقع ويب ومتصفح ويب لمواجهة تحديات تبادل المعلومات بين الباحثين من مواقع مختلفة داخل المنظمة، وفي عام 1990 أُنشئ أول موقع على شبكة الإنترنت في "سرن"، وأُطلق في عام 1991، وكان هذا بمثابة بداية التوفر العام لشبكة الويب العالمية.

وبالإضافة لذلك، فإن ألبرت أينشتاين نفسه لم يكن مهندسا أو مخترعا، ولكنه كان عالما نظريا، ومن قبله إسحاق نيوتن الذي كان أكثر جنوحا للنظرية من أينشتاين، ولكن النظريات التي وضعها الاثنان، قامت عليها الحضارة الحديثة، فاختراع الـ"جي بي إس" الذي استخدمتَه كي تصل لهذا المكان الذي نلتقي فيه الآن، هو تطبيق غير مباشر لنظرية النسبية لأينشتاين.

  • كيف قام نظام "جي بي إس" على النظرية النسبية؟

(يطلب ورقة من ملف الأوراق الذي أحمله، وأمسك بقلمه لشرح العلاقة بين النظرية النسبية ونظام تحديد المواقع).. "النسبية العامة" تنص على أن الجاذبية تؤثر على الزمكان (يشمل الزمكان الأبعاد المكانية الثلاثة وهي الطول والعرض والارتفاع، مضافا لها البعد الرابع للزمن)، وفي مجالات الجاذبية الأقوى، يمر الوقت ببطء أكبر مقارنة بالمجالات الأضعف، وبسبب مجال الجاذبية الأرضية فإن الوقت يمر بشكل أبطأ قليلا على سطح الأرض، مقارنة بالأقمار الصناعية لنظام تحديد المواقع العالمي "جي بي إس" الموجودة في مدارها.

ووفقا للنظرية النسبية الخاصة، فإن الوقت ليس مطلقا، ولكنه يعتمد على الحركة النسبية للمراقبين، فالكائنات التي تتحرك بسرعات مختلفة تواجه الوقت بشكل مختلف، ويمر الوقت بشكل أبطأ بالنسبة لجسم سريع الحركة مقارنة بجسم ثابت، وتتحرك الأقمار الصناعية لنظام تحديد المواقع العالمي  "جي بي إس"  بسرعات عالية جدا (حوالي 14 ألف كيلومتر في الساعة أو 9 آلاف ميل في الساعة)، ووفقا للنظرية النسبية الخاصة، فإن الساعات الموجودة على هذه الأقمار الصناعية تعمل بمعدل مختلف قليلا عن الساعات الموجودة على سطح الأرض، ووفقا للنسبية العامة، يكون مجال الجاذبية على ارتفاع الأقمار الصناعية لنظام تحديد المواقع العالمي جي بي إس أضعف منه على سطح الأرض، وهذا يتسبب بتشغيل الساعات الموجودة على الأقمار الصناعية بشكل أسرع قليلاً من الساعات الموجودة على الأرض.

ويعني الجمع بين هذه التأثيرات أن الساعات الموجودة على الأقمار الصناعية لنظام تحديد المواقع العالمي جي بي إس تعاني من تمدد زمني مقارنة بالساعات الموجودة على الأرض، وإذا لم يُصحح، فإن هذا الاختلاف في ضبط الوقت قد يؤدي إلى أخطاء كبيرة في دقة النظام في حدود الكيلومترات، لذلك يجب على المهندسين الذين يعملون في نظام تحديد المواقع العالمي أن يأخذوا في الاعتبار تأثيرات النسبية الخاصة بسبب سرعة القمر الصناعي، والنسبية العامة بسبب مجال الجاذبية الأضعف على ارتفاعات القمر الصناعي.

قاعدة البناء العلمي للتخصصات المختلفة

  • بالطبع هذا تأثير إيجابي لنظريتي النسبية، ولكن هناك تأثيرات سلبية ....