في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تواجه إسرائيل اتساعا متزايدا في عزلتها الأوروبية، مع انتقال الاعتراض على حربها في غزة وسياساتها في الضفة الغربية من الاحتجاجات الشعبية إلى قرارات مهنية ونقابية وضغوط اقتصادية بدأت تقلق الصناعات الدفاعية الإسرائيلية.

وفيما تتعثر حكومات الاتحاد الأوروبي في الاتفاق على إجراءات موحدة، تتحرك قطاعات من المجتمع الأوروبي لفرض كلفة عملية على استمرار السياسات الإسرائيلية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 من تهجير الرضع إلى إعمار بـ71 مليار دولار.. سيناريوهات إسرائيلية لمستقبل غزة
* list 2 of 2 اختطاف أطفال وصداقات مع الموساد.. هكذا قادت المصادفة لاعتقال هانِنغ end of list

في تقرير لها من بروكسل، ترصد جنيفر رانكين، مراسلة صحيفة "غارديان "، المفارقة بين تصاعد الغضب الشعبي الأوروبي وعجز الاتحاد الأوروبي عن تحويله إلى سياسة مشتركة.

فعلى الرغم من التحول الذي شهدته المواقف البريطانية، وإعلان لندن فرض عقوبات تجارية واسعة على المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، وإدانتها ما وصفته بالتطهير العرقي في الضفة الغربية، لم تنتقل هذه الخطوات حتى الآن إلى تحرك أوروبي جماعي بالحجم المتوقع.

Protestors attend a pro-Palestinian demonstration on the three-year anniversary of the deadly October 7, 2023 attack on Israel by Hamas, in Berlin, Germany, October 7, 2026. REUTERS/Christian Mang مصدر الصورة مسيرة مؤيدة للفلسطينيين في برلين بألمانيا في الذكرى السنوية الثالثة لهجوم السابع من أكتوبر 2023 (رويترز)

اتساع الهوة

وانضمت فرنسا وكندا إلى التعهد بفرض قيود على منتجات المستوطنات ومعاقبة الجهات التي تسهّل أنشطتها أو تستفيد منها، كما أعلنت دول أخرى عزمها تقييد التجارة مع الشركات العاملة وراء الخط الأخضر. لكن هذه التحركات لا تزال دون مستوى تشكيل جبهة أوروبية موحدة قادرة على تغيير حسابات الحكومة الإسرائيلية.

وتكشف استطلاعات الرأي عن اتساع الهوة بين السياسات الرسمية ومواقف قطاعات واسعة من الجمهور. فبحسب استطلاع لمركز "بيو" للأبحاث شمل 10 بلدان أوروبية، ارتفعت النظرة السلبية إلى إسرائيل في دول عدة مقارنة بالعام السابق.

وبلغت نسبة أصحاب الآراء السلبية 75% في إيطاليا و73% في ألمانيا و70% في بولندا، في مؤشر إلى أن الانتقادات لم تعد محصورة في الدول الأكثر تأييدا للقضية الفلسطينية.

Pro-Palestinian protestors hold a flag and a banner outside the RTE (Radio Telefis Eireann) Irish public service broadcaster television studios as demonstrators call for an Irish boycott of the 2026 Eurovision Song Contest if there is Israeli participation, in Dublin, Ireland, November 1, 2025. REUTERS/Clodagh Kilcoyne مصدر الصورة 5 دول قررت مقاطعة مسابقة الأغنية الأوروبية "يوروفيجن" هذا العام احتجاجا على مشاركة إسرائيل (رويترز)

المجال الثقافي

ويمتد هذا التحول إلى المجال الثقافي أيضا، فقد اختارت 5 دول مقاطعة مسابقة الأغنية الأوروبية "يوروفيجن" هذا العام احتجاجا على مشاركة إسرائيل، بعد أن رفض المنظمون استبعادها على خلفية سلوكها في حرب غزة وتصاعد العنف في الضفة الغربية. وهكذا باتت مشاركة إسرائيل في فعاليات أوروبية تواجه اعتراضات تتجاوز الدوائر السياسية إلى المؤسسات الثقافية والجمهور.

إعلان

وتأتي هذه التحولات في ظل استمرار الكارثة الإنسانية في غزة، حيث أوردت "غارديان" أن عدد الشهداء الفلسطينيين تجاوز 74 ألفا، بينهم ما لا يقل عن 21 ألفا و200 طفل، منذ اندلاع الحرب في أعقاب هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ولا تزال الأوضاع الإنسانية تعاني نقص المياه والغذاء والأدوية والمعدات الطبية، إلى جانب انهيار اقتصادي وانتشار الأمراض واستمرار سقوط القتلى رغم إعلان وقف إطلاق النار.

يديعوت أحرونوت:
التداعيات قد تتجاوز الشركات العاملة في المستوطنات إلى مؤسسات إسرائيلية أخرى، إذ قد تفضل شركات أجنبية تجنب التعامل مع الموردين الإسرائيليين لتقليل المخاطر القانونية والتجارية

انقسامات داخلية

غير أن الاتحاد الأوروبي، الذي تربطه بإسرائيل علاقة تجارية واسعة تبلغ قيمتها نحو 68 مليار يورو (نحو 73.4 مليار دولار)، لا يزال أسير انقساماته الداخلية.

فإسبانيا وأيرلندا تدفعان باتجاه مراجعة مدى التزام إسرائيل بشروط حقوق الإنسان الواردة في اتفاق الشراكة مع الاتحاد، بينما تعارض ألمانيا والنمسا اتخاذ إجراءات تستهدف الحكومة الإسرائيلية، وتقترب مواقف التشيك وإيطاليا من توجهات حكومة بنيامين نتنياهو. أما فرنسا وهولندا ودول أخرى فتتخذ مواقف أكثر انتقادا، لكنها لم تنجح في تحويلها إلى إجماع على العقوبات.

ووصف مدير مشروع الشرق الأوسط الأوروبي في بروكسل مارتن كونيش، موقف الاتحاد بأنه استمرار لحالة من "عدم الفاعلية التي يفرضها على نفسه".

وازداد الضغط على بروكسل بعدما أصدر أكثر من 500 مسؤول ودبلوماسي أوروبي سابق بيانا انتقدوا فيه عجز الاتحاد عن التحرك إزاء ما يجري في غزة والضفة الغربية، واتهموا ألمانيا وإيطاليا بعرقلة الإجراءات الأوروبية، بما يقوّض قيم الاتحاد و حل الدولتين.

EDITORS NOTE: Graphic content / Mourners carry the body of Hussam Hawso, an 8-year-old Palestinian boy who was reportedly killed in an Israeli strike on residential buildings in the Sabra neighbourhood the previous night, during his funeral at Al-Shifa Hospital in Gaza City on October 9, 2026. مصدر الصورة تشييع طفل استُشهد في غارة إسرائيلية على قطاع غزة (الفرنسية)

ضغوط من مؤسسات مهنية ونقابية

لكن ما تعجز الحكومات عن إنجازه على المستوى الجماعي بدأ يظهر في مؤسسات مهنية ونقابية. ففي تقرير آخر لـ "غارديان"، يقول دينيس كامبل إن الكلية الملكية للصيدلة في بريطانيا أنهت رعاية شركة "تيفا" الإسرائيلية للأدوية ومشاركتها في مؤتمرها السنوي، بعد مراجعة داخلية أثارت مخاوف بشأن أنشطة للشركة لا تتوافق مع قيم المؤسسة.

وجاء القرار بعد خطوة مماثلة اتخذتها الكلية الملكية للتمريض، التي قطعت علاقاتها بالشركة عقب ضغوط من ناشطين مؤيدين للفلسطينيين.

واستندت حملة الضغط إلى مطالبة المؤسسات الصحية بتطبيق معايير أخلاقية متسقة، مشيرة إلى أن مؤسسات مهنية بريطانية اتخذت إجراءات ضد شركات روسية بعد غزو أوكرانيا عام 2022.

وطالب ناشطون بتطبيق التدقيق الأخلاقي نفسه على العلاقات التجارية والاستثمارات المرتبطة بإسرائيل، فيما دعوا مؤسسات صحية أخرى إلى مراجعة علاقاتها مع شركة "تيفا".

ولا يستند الجدل حول الشركة إلى موقفها من إسرائيل وحده؛ فقد سبق أن واجهت غرامات وتسويات قانونية في الولايات المتحدة وأوروبا، من بينها غرامة أوروبية بقيمة 462.6 مليون يورو (نحو 499.6 مليون دولار) عام 2024 على خلفية عرقلة المنافسة في سوق دواء لعلاج التصلب المتعدد، فضلا عن قضايا سابقة تتعلق بتثبيت أسعار أدوية والرشوة. ومع ذلك، رفضت الشركة قرار الكلية الملكية للصيدلة، محذرة من تسييس الرعاية الصحية.

إعلان

الصناعات الدفاعية

وفي قطاع أكثر حساسية، تتزايد المخاوف الإسرائيلية من أن تتحول القيود التجارية إلى ضغوط على الصناعات الدفاعية. ويشير يوفال أزولاي في موقع "واي نت" التابع لصحيفة يديعوت أحرونوت إلى أن شركات تصنيع أسلحة بريطانية وكندية بدأت توجيه استفسارات إلى شركات دفاع إسرائيلية بشأن أنشطتها في المستوطنات ومصادر المواد الخام وعلاقاتها التجارية مع الشركات العاملة هناك. وقد تصبح الإجابات عاملا حاسما في استمرار التعاون، خصوصا إذا خشيت الشركات الأجنبية مخالفة أنظمة العقوبات.

وتكمن الخطورة في أن التداعيات قد تتجاوز الشركات العاملة في المستوطنات إلى مؤسسات إسرائيلية أخرى، إذ قد تفضل شركات أجنبية تجنب التعامل مع الموردين الإسرائيليين لتقليل المخاطر القانونية والتجارية. كما أن استبدال مكونات تستخدم في الطائرات المقاتلة والمروحيات والطائرات المسيّرة وأنظمة الاتصالات قد يستغرق أشهرا، بسبب الاختبارات والتعديلات اللازمة لضمان سلامة الأنظمة وجاهزيتها.

بينما يتحدث نتنياهو عن بناء استقلال أمني وصناعي يجعل إسرائيل أقل اعتمادا على الخارج، تكشف الضغوط الأوروبية مدى صعوبة تحقيق ذلك مصدر الصورة بينما يتحدث نتنياهو عن بناء استقلال أمني وصناعي يجعل إسرائيل أقل اعتمادا على الخارج، تكشف الضغوط الأوروبية مدى صعوبة تحقيق ذلك (الفرنسية)

محاولات لتعطيل النقل

وفي فرنسا، انتقل الضغط من المطالبة بالمقاطعة إلى محاولة تعطيل شحنات مرتبطة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية. وذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، في تقرير لهاغاي أميت بالتعاون مع "ذي ماركر"، أن منظمات عمالية فرنسية قالت إنها منعت تحميل شحنة من المكونات المخصصة لشركة " إلبيت سيستمز" الإسرائيلية على رحلة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية من مطار شارل ديغول إلى مطار بن غوريون.

وأعلنت النقابات أنها ستسعى أيضا إلى منع نقل الشحنة على رحلة لشركة "العال"، مطالبة السلطات الفرنسية وشركات الطيران بوقفها. في المقابل، أكدت الخطوط الجوية الفرنسية أن الشحنة لم تُنقل على متن طائراتها، وقالت إنها لا تنقل أسلحة أو ذخائر إلى إسرائيل.

لا تعني هذه التحركات أن أوروبا اتفقت على سياسة موحدة، أو أن العزلة الشعبية ستتحول تلقائيا إلى حظر شامل للتجارة والسلاح. لكنها تكشف أن إسرائيل تواجه بيئة أوروبية مختلفة، لم تعد فيها المواقف الحكومية وحدها هي المحدد للعلاقات معها. فحين تتحرك النقابات والمؤسسات المهنية والشركات لتقليص علاقاتها أو إعادة فحصها، يصبح استمرار التعاون أكثر كلفة وتعقيدا.

وهنا تتجلى المفارقة التي تواجه نتنياهو: فبينما تتحدث حكومته عن بناء استقلال أمني وصناعي يجعل إسرائيل أقل اعتمادا على الخارج، تكشف الضغوط الأوروبية مدى صعوبة تحقيق ذلك في عالم تتشابك فيه سلاسل الإنتاج والتكنولوجيا والتسليح.

وقد تواصل الحكومات المماطلة، لكن المجتمعات والمؤسسات التي بدأت تسحب الغطاء الأخلاقي والتجاري عن إسرائيل تضيق تدريجيا مساحة المناورة المتاحة لها.