لماذا خان ماكس فيبر منهجه عند تفسير الإسلام؟
كان كتاب برايان س. تيرنر "ماكس فيبر والإسلام: مقاربة نقدية"، الذي ترجمته إلى التركية قبل سنوات طويلة، يكشف عن واحدة من أكثر المفارقات لفتا للنظر في علم الاجتماع عند فيبر. فقد كان ماكس فيبر أحد رواد منهج "علم الاجتماع التفهمي" الذي أحدث تحولا كبيرا في علم الاجتماع الحديث. وكان يرى أن فهم الفعل الاجتماعي يقتضي الانطلاق من المعاني التي يضفيها الناس أنفسهم على سلوكهم.
غير أن فيبر، عندما يصل إلى الإسلام، يعلق منهجه إلى حد بعيد؛ فلا ينطلق من الطريقة التي يفهم بها المسلمون عالمهم، بل يلجأ إلى القوالب التي ظل الغرب ينتجها عن الإسلام منذ قرون.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 علي أبو ياسين.. مسرحي من غزة يتقاسم جائزة "بن بينتر" بلقب "كاتب الشجاعة"
* list 2 of 2 "بيروت التي تقرأ لا تموت".. انطلاق الدورة الـ67 لمعرض الكتاب العربي end of list
تكمن أصالة منهج فيبر في أنه لم يكن يفسر الواقع الاجتماعي باختزاله في جملة من الأسباب الخارجية، بل كان يرى ضرورة الدخول أولا إلى عالم الفاعل الاجتماعي. فعندما كان يدرس السلوك الاقتصادي البروتستانتي المسيحي، كان يأخذ على محمل الجد معتقداته المتعلقة بالقَدَر والخلاص والمهنة والنجاح الدنيوي.
ولم ينظر إلى البروتستانتية باعتبارها مجرد انعكاس للمصالح الطبقية أو الظروف الاقتصادية، بل حاول فهم الكيفية التي يشكل بها الاعتقادُ الديني سلوكَ الإنسان. كما سعى في دراساته للهند والصين واليهودية القديمة إلى النفاذ إلى العوالم المفهومية الخاصة بهذه الأديان.
والسؤال الأساسي الذي يطرحه تيرنر في كتابه هو: لماذا لم يتعامل فيبر مع المسلمين بالسخاء المنهجي نفسه؟
يصور فيبر الإسلام، إلى حد كبير، بوصفه "دين المحاربين". فبحسب تصوره، أعادت مصالح المحاربين العرب تشكيل رسالة النبوة التوحيدية التي ظهرت في مكة.
وفي تفسيره لانتشار الإسلام، تتراجع إلى الخلف معاني الإيمان والأخلاق والبحث عن العدالة وتأسيس أمة جديدة، لتحل محلها دوافع الغنيمة والفتح ومصالح الطبقات المحاربة. وبهذه الطريقة، يجري إقصاء المعاني التي يضفيها المسلمون أنفسهم على أفعالهم، ويضع عالم الاجتماع محلها أسبابا مادية يحددها من الخارج.
الأهم من ذلك أن تصوير فيبر للإسلام يحمل آثار السجالات المسيحية في العصور الوسطى وآثار الاستشراق في القرن التاسع عشر. فالخطاب الدفاعي القديم الذي كان يزعم أن الإسلام انتشر بالعنف والشهوة والخداع يعود عند فيبر في صورة مصطلحات سوسيولوجية
وكما يقول تيرنر، فإن فيبر يقترب، في تفسيراته المتعلقة بالإسلام، اقترابا مدهشا من النموذج التفسيري الحتمي لدى ماركس. ففي تصويره للمجتمعات الإسلامية، تتعاقب مفاهيم مثل "أخلاق المحاربين"، والدولة الأبوية الإرثية (الباتريمونيالية)، والحكم الاعتباطي، وغياب القانون العقلاني، وعدم نشوء المدن المستقلة. ثم ينتهي إلى القول إن المجتمع الإسلامي لم يكن يمتلك القدرة على إنتاج الرأسمالية أو البرجوازية المدينية أو العقلانية القانونية.
لكن هذا السرد لم يبدأ مع فيبر. فالشرق عند هيغل هو فضاء لم تتطور فيه الحرية، ولا يكون فيه حر إلا الحاكم. أما في مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي عند ماركس، فالدولة هي المالك الحقيقي للأرض، في حين أن القرى الآسيوية منغلقة على نفسها، راكدة، وتعيد إنتاج الاستبداد.
ومفهوم فيبر عن "الدولة الأبوية الإرثية الشرقية"، وإن استخدم معجما سوسيولوجيا مختلفا، فإنه واصل هذا السرد إلى حد بعيد. وكما يبين تيرنر، فإن تصوير فيبر للمجتمع الإسلامي يشبه آراء ماركس وإنجلز حول المجتمعات الآسيوية أكثر مما يُظن عادة.
والأهم من ذلك أن تصوير فيبر للإسلام يحمل آثار السجالات المسيحية في العصور الوسطى وآثار الاستشراق في القرن التاسع عشر. فالخطاب الدفاعي القديم الذي كان يزعم أن الإسلام انتشر بالعنف والشهوة والخداع يعود عند فيبر في صورة مصطلحات سوسيولوجية.
إذ يقول إن النساء عُدِدن غنائم للمحاربين، وإن العالم الآخر في الإسلام صُور بوصفه جنة حسية للجندي، وإن ميل المسلمين إلى الترف والمظاهر حال دون نشوء تراكم اقتصادي عقلاني. أما التصوف فيراه تدينا جماهيريا عاطفيا لا ينتج أخلاقا دنيوية للمهنة والعمل. ويرى تيرنر أن فقرات فيبر هذه توحي بـ"خصومة شخصية ونفور" أكثر مما تعكس حيادا علميا (ماكس فيبر والإسلام، ص 241-244).
غير أن الواقع التاريخي للإسلام لا يمكن اختزاله في هذا السرد الأحادي. فالإسلام لم يكن دين المحاربين وحدهم، بل كان أيضا دين التجار الحضريين والحرفيين والفقهاء والمتصوفة والفلاحين وفئات اجتماعية شديدة التنوع. وقد خرجت قيادة المجتمع الإسلامي الأول من الوسط التجاري في مكة. كما أن لغة القرآن غنية جدا بمفاهيم البيع والدَين والكسب والميزان والأمانة والعقد.
ويلفت تيرنر النظر إلى وجود أوجه تشابه مهمة بين كتاب محمد بن الحسن الشيباني "كتاب الكسب" والعمل الذي كتبه ريتشارد ستيل حول أخلاق المهنة البروتستانتية. فالعمل والكسب عند الشيباني ليسا مجرد نشاطين مباحين، بل قد يتحولان، ضمن شروط معينة، إلى واجب ديني. وهذا المثال وحده يكشف مدى الانتقائية في تقديم الإسلام بوصفه نقيضا للسلوك الرأسمالي.
ويظهر معيار مزدوج مشابه في تناول فيبر للقانون الإسلامي. فقد جعل من "عدالة القاضي" رمزا للقضاء غير المنضبط والخاضع للأحكام الشخصية والاعتباطية، ورأى أن هذا الغموض القانوني حال دون تطور الرأسمالية.
لكنه يعترف في الوقت نفسه بأن القانون الإنجليزي لم يكن بدوره قانونا عقلانيا منظما من الناحية الشكلية. فإذا كان القانون الذي يصنعه القضاة في إنجلترا لم يمنع تطور الرأسمالية، فلماذا يُعد التعدد القانوني في المجتمعات الإسلامية سببا حتميا للتخلف الاقتصادي؟
المفارقة أن منهج البيروني أكثر وفاء لعلم الاجتماع التفهمي، الذي دافع عنه فيبر نظريا، من دراسات فيبر نفسه حول الإسلام. فبينما يظهر فيبر في دراسته لبعض الأديان الأخرى مؤسسا من مؤسسي علم الاجتماع الحديث، يبدو عند وصوله إلى الإسلام حاملا لأحكام موروثة من هيغل وماركس ومستشرقي القرن التاسع عشر
ويشير تيرنر كذلك إلى أن فيبر لم يدرك بما يكفي الفرق بين الفقهاء والقضاة، ولا الموقف المعارض الذي اتخذه العلماء أحيانا في مواجهة السلطة السياسية، ولا الدور الذي أدته الشريعة في التعبير عن استقلالية سكان المدن في مواجهة الحكم المطلق.
وهنا تظهر المشكلة المنهجية الأساسية. فحين يفسر فيبر معتقدات المسلمين، لا يبحث في المفاهيم التي يستخدمونها هم للتعبير عن إيمانهم. ولا يأخذ في الاعتبار التمييزات التي يقيمها القرآن بين المؤمنين والمنافقين والأعراب والمهاجرين والأنصار، وبين مستويات الالتزام المختلفة.
وبدلا من أن يحاول فهم أسباب انتماء المسلمين إلى الإسلام انطلاقا من أقوالهم وشهاداتهم، يفترض أنهم جميعا اعتنقوه بدافع المصلحة المادية والغنيمة. وهكذا يجري التخلي عن المبدأ الأساسي في علم الاجتماع التفهمي، أي الدخول إلى العالم الذاتي للفاعل الاجتماعي، ويُلبس المسلمون تفسيرا أُنتج من خارج عالمهم.
وهذه النقطة تجعل احتمال تأثر فيبر بالبيروني، بل وربما أخذه بعض أفكاره المنهجية عنه من دون الإشارة إليه، أكثر إثارة للاهتمام. وقد سبق أن طرحنا هذا الاحتمال، لا باعتباره حكما قاطعا بوقوع الانتحال، بل بوصفه سؤالا جديا يستحق البحث.
فقد بيّن البيروني، قبل فيبر بتسعة قرون، الشرط الأساسي لفهم دين آخر ومجتمع آخر: أن تتعلم لغته أولا، وأن تفهم مفاهيمه داخل عالمه الدلالي، وأن تنقل بصورة صحيحة ما يقوله أتباعه عن أنفسهم.
فعندما درس البيروني الهندوسية، لم يسخر من معتقدات الهندوس ولم يختزلها في مقولاته الخاصة؛ بل تعلم السنسكريتية، ورجع إلى نصوصهم، وحاول فهمهم من داخل عالمهم.
والمفارقة أن منهج البيروني أكثر وفاء لعلم الاجتماع التفهمي، الذي دافع عنه فيبر نظريا، من دراسات فيبر نفسه حول الإسلام. فبينما يظهر فيبر في دراسته لبعض الأديان الأخرى مؤسسا من مؤسسي علم الاجتماع الحديث، يبدو عند وصوله إلى الإسلام حاملا لأحكام موروثة من هيغل وماركس ومستشرقي القرن التاسع عشر.
ولا يتعلق الأمر بتجريد فيبر من قيمته العلمية جملة واحدة. وإنما يتعلق بإدراك أن أقوى المناهج في العلوم الاجتماعية لا تحرر أصحابها تلقائيا من تحيزاتهم. إن موقف فيبر من الإسلام يقدم لنا درسا مهما: لا يكفي امتلاك منهج لفهم عوالم الآخرين؛ بل لا بد من امتلاك قدر من الاتساق الأخلاقي والعلمي يسمح لنا بتطبيق هذا المنهج نفسه على المجتمعات التي تتحدى أحكامنا المسبقة أكثر من غيرها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.