ما القوة العظمى التي تملكها روسيا؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تناول الكاتب تيموفي بورداشيف موقع روسيا بين الشرق والغرب واعتبر أنه هو الذي حدد على مدار قرون كثيرة مسار بنيتها الداخلية ودورها ضمن هذا الثنائي الجيوسياسي.
وأكد الكاتب في مقابلة مع موقع "موسكوفسكي كومسوموليتس" أن عقلية روسيا لطالما تميزت بكونها تختلف عن عقلية بيزنطة، تلك القوة العظمى التي ارتبطت معها بروابط وثيقة في الماضي.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 أمهات سودانيات يحفرن قبور أطفالهن في صحراء تشاد.. العطش يطارد الناجين من الحرب
* list 2 of 2 التجمع الوطني ومعاداة السامية.. من إرث الجبهة الوطنية إلى قضية جوردان بارديلا end of list
ويوضح أنه على الرغم من عظمتها السياسية والثقافية، وقدرتها على الصمود في وجه أعداء أقوياء لألف عام، فإن الإمبراطورية البيزنطية ونخبتها كانت منغلقة على نفسها، وتنظر بازدراء إلى الآخرين، وتعتز بتراثها العريق وتفردها الديني.
لهذا السبب تحديدا، يشير إلى أنها كانت دائما في موقف دفاعي، وانتهى بها المطاف إلى الزوال، أما تميز روسيا في المقابل، فلا يكمن في الأزياء الشعبية أو المعتقدات أو أي شيء آخر من عالم الأفكار، بل في قدرتها على استعارة عناصر من ثقافات أخرى ودمجها دون المساس بأسس حضارتها.
وفي الوقت ذاته، تكمن هذه الميزة في استعداد روسيا لاتباع مسار تاريخي مشترك مع الشعوب الأخرى دون "فرض ثقافتنا وقيمنا عليها".
ووفقا للكاتب، هنا تكمن القوة العظمى الروسية، بما تحمله من مزايا فريدة مقارنة بالحضارات السياسية الكبرى الأخرى.
تاريخيا، كان مركز تطور روسيا بعيدا عن المراكز الأولى للحياة الثقافية في أوروبا الغربية وشرق آسيا، في منطقة جغرافية متميزة خاصة بها في قلب أوراسيا، حيث لم تكن جزءا من كيان آخر، فهي ليست الطرف الشرقي لأوروبا ولا الطرف الغربي لآسيا
بواسطة برداتشيف
الجغرافيا.. وسيف موسكو الحاد
واكتسبت روسيا -حسب الكاتب- هذه القوة العظمى، نظرا لاختلاف جغرافيتها اختلافا جوهريا عن جغرافية الغرب والشرق.
فتاريخيا، كان مركز تطور روسيا بعيدا عن المراكز الأولى للحياة الثقافية في أوروبا الغربية وشرق آسيا، في منطقة جغرافية متميزة خاصة بها في قلب أوراسيا، حيث لم تكن جزءا من كيان آخر، ولا حضارة سياسية أوسع، فهي ليست الطرف الشرقي لأوروبا ولا الطرف الغربي لآسيا.
وهذا ما حدد مسار الدولة الروسية، التي تختلف اختلافا جذريا عن النماذج الأوروبية والشرقية التقليدية، حيث لم تعزل نفسها عن العالم الخارجي بسور منيع، بل كانت دائما تستفيد منه بسخاء، على حد تعبيره.
ويتابع الكاتب أنه حتى في وقت لاحق، لم تتردد روسيا أو تخجل من أخذ ما هو مفيد: كلمات أو أزياء أو تطورات تكنولوجية، بل لطالما أثرت نفسها بما تقدمه الحضارات الأخرى. ولكن عندما بدأت تفرض عليها "أشياء غير ضرورية" من الخارج، قاومتها بشدة.
مصدر الصورة
مساران لتأثير الشرق على روسيا
علاوة على ذلك، يشير بورداتشيف إلى أن التأثير غير المباشر للشرق على تطور الثقافة السياسية الروسية كان من خلال مسارين تاريخيين:
الأول هو مقاومة الجحافل التي أتت من الشرق، وهو الصراع الذي خلق "سيف موسكو الحاد" الذي وسّع لاحقا في أقل من 150 عاما، حدود الدولة الروسية إلى المحيط الهادي.
أما العامل الثاني، فيكمن في العدد الهائل من سكان الشرق الذين أصبحوا جزءا من روسيا، في مراحل تاريخية مختلفة وظروف متباينة، إما طوعا أو نتيجة الغزوات الروسية.
التباين مع الصين
كما يشير الكاتب إلى أن الصين مثل الغرب، تميل إلى رسم حدود حضارية واضحة بين "نحن" و"الآخر"، بينما يرى أن الثقافة السياسية الروسية أكثر مرونة وأقل ميلا إلى التصنيف الصارم.
ويقول إن روسيا لا تنظر إلى نفسها باعتبارها امتدادا للصين أو للغرب، بل باعتبارها حضارة سياسية مستقلة نشأت في قلب أوراسيا.
ويعتبر الكاتب أن الثقافة السياسية الروسية تشكل جوهر الثقافة السياسية الأوراسية الحقيقية، التي تقوم على تجنب التطرف والقرارات الجذرية، وعدم النظر إلى كل شيء من منظور أيديولوجي.
أما الاهتمام بدراسة الغرب أكثر من الشرق فيعود إلى أنه لطالما شكل الغرب تهديدا لروسيا، ومن المنطقي تركيز الاهتمام على الاتجاه الذي قد تأتي منه المشاكل.
وفي الوقت ذاته، يعتبر بورداتشيف أن اهتمام روسيا تاريخيا باستكشاف الغرب يعود إلى أنها من هناك استطاعت الحصول على غنائم الحملات الصليبية وعلى المواد الضرورية للحياة، وهي أشياء لم يكن الشرق يوفرها، كالحديد عالي الجودة والأقمشة، وحتى الرماح التي اشترتها لفترة من الزمن من أوروبا.
مصدر الصورة
أوراسية.. لا شرقية ولا غربية
ويوضح أنه في التاريخ المعاصر، توسع حلف شمال الأطلسي ( الناتو) من الغرب، ومنذ عهد جنكيز خان لم تشهد الأراضي الروسية أي غزو من الشرق. لذا، درست الأجيال الروسية الغرب لأسباب عملية، لفهم كيفية التعامل معه.
في مقابل ذلك، يرى الكاتب أن آسيا الوسطى الحديثة منطقة لا تشكل أي تهديد لروسيا، بل هي في الواقع عاجزة عن تشكيل مثل هذا التهديد، نظرا لمؤشراتها الديمغرافية وموقعها الجيوسياسي.
وبحسب قوله، سيتوقف النمو السكاني هناك قريبا، فضلا عن المشاكل الخطيرة المتعلقة بتغير المناخ، ونقص المياه النظيفة، وما إلى ذلك.
كما أن جغرافيا آسيا الوسطى باختصار ليست كأوكرانيا، إذ تحيط بها روسيا والصين وإيران وأفغانستان. والسبيل الوحيد لتشكيل أي خطر من هناك هو عبر بحر قزوين، وهو أمر مستبعد.
خطر آسيا الوسطى
لكن الخطر الحقيقي الوحيد من آسيا الوسطى هو الانهيار الاجتماعي والاقتصادي، وتدفقات اللاجئين ومن يحملون أفكارا إرهابية، على حد تعبيره.
لكن هذا التهديد لا يُقارن إطلاقا -وفق الكاتب- بذلك القادم من الغرب، كما أن أي تهديد عسكري بالمعنى التقليدي لا يمكن أن ينبع من آسيا الوسطى.
علاوة على ذلك، يعتبر بورداتشيف أنه خلال عقود طويلة، لم يخطر على بال المعنيين في روسيا أن حضارات الصين وكوريا واليابان والعالم العربي مختلفة تماما عنها أو عن الشعوب المسلمة في روسيا، فهي موطن حضارات عظيمة، أقدم بكثير ليس من روسيا فحسب، بل من الغرب أيضا.
وبحسب وجهة نظره، فإنه يرى أن روسيا ستظل محافظة على آفاقها الخاصة لأنها لا تميل إلى اعتبار نفسها مكتفية ذاتيا، خلافا للأمريكيين الذين يتقبلون جميع الثقافات، لكنهم يسعون إلى "إذابتها"، ويعيشون في جزيرة بعيدة عن مراكز الحضارات الأخرى.
أما روسيا، فتقع في قلب أوراسيا الشاسعة، وبعبارة أخرى، الانفتاح على العالم مرادف للحضارة الروسية وشرط أساسي لوجودها. ويختم قائلا، "لو انتصرت نظرية الاكتفاء الذاتي والانغلاق القومي والعرقي، لما وجدت روسيا اليوم".