لم تكن مباراة كرة القدم بين هاييتي وجمهورية الدومينيكان مجرد مواجهة جديدة في دوري أمم الكونكاكاف، رغم أن نتيجتها داخل الملعب بدت واضحة بفوز هاييتي 4-1.

فخارج الملعب، أعادت المباراة التي أقيمت منذ نحو أسبوع إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية بين البلدين الجارين، بعدما حاول عدد من مشجعي منتخب هاييتي اقتحام ملعب "فيليكس سانشيز" في العاصمة سانتو دومينغو، عقب نفاد التذاكر، ما أدى إلى اشتباكات وفوضى عند إحدى بوابات الملعب.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 الخلافات السياسية تشتعل بين هايتي والدومينيكان على خلفية مباراة كرة قدم
* list 2 of 2 اغتيال الرئيس الهاييتي يعود للواجهة.. نقل المتهمين بقتله للمحاكمة في فلوريدا end of list

الواقعة دفعت حكومة جمهورية الدومينيكان إلى اتخاذ قرار غير معتاد، بإعلان منع منتخب هاييتي من خوض مبارياته على الملاعب الرياضية في البلاد مستقبلا، وقال وزير الرياضة الدومينيكاني كيلفن كروز إن ما حدث عند أحد مداخل الملعب "غير مقبول"، مؤكدا أن بلاده لا تتسامح مع عدم الانضباط أو عدم الاحترام.

لكن أهمية الواقعة لا تتوقف عند قرار منع منتخب من اللعب في دولة مجاورة، وإنما تكشف مرة أخرى عن علاقة شديدة التعقيد بين كرة القدم والحدود؛ فحين تتواجه منتخبات تمثل دولا تجمع بينها أزمات سياسية أو اجتماعية، يصبح الملعب أحيانا امتدادا للتوتر الموجود خارجه..

مصدر الصورة احتفال أحد لاعبي هاييتي بتسجيل هدف أمام الدومينيكان (الفرنسية)

هاييتي والدومينيكان.. كرة القدم فوق جزيرة مثقلة بالخلافات

تتقاسم هاييتي وجمهورية الدومينيكان جزيرة هيسبانيولا، لكن العلاقة بين البلدين لطالما كانت شديدة الحساسية، خصوصا في الملفات المرتبطة بالهجرة والحدود.

ولهذا لم يكن مشهد الجماهير الهاييتية وهي تحاول الوصول إلى ملعب المباراة بمعزل عن السياق الأوسع للعلاقة بين البلدين، حتى وإن كانت الواقعة نفسها مرتبطة أساسا بنفاد التذاكر ومحاولة دخول الملعب دون تذاكر.

المفارقة أن كرة القدم كانت في الوقت نفسه مساحة تجمع بين الشعبين، قبل أن تتحول البوابات نفسها إلى نقطة صدام.

هندوراس والسلفادور.. حرب كرة القدم

وربما لا توجد واقعة في تاريخ كرة القدم أكثر وضوحا في التعبير عن خطورة تداخل الرياضة مع أزمات الحدود والهجرة من قصة هندوراس والسلفادور عام 1969.

إعلان

كانت العلاقات بين البلدين متوترة أصلا بسبب قضايا تتعلق بالأرض والهجرة والحدود، وازدادت الأزمة حدة مع وجود أعداد كبيرة من المهاجرين السلفادوريين في هندوراس.

ثم جاءت 3 مباريات فاصلة في تصفيات كأس العالم عام 1970، في المباراة الأولى، فازت هندوراس 1-0 في تيغوسيغالبا، وشهدت المواجهة توترا واعتداءات بين الجماهير، وبعد أسبوع، ردت السلفادور بالفوز 3-0 في سان سلفادور، وسط أحداث أكثر عنفا، وفي المباراة الفاصلة التي أقيمت في مكسيكو سيتي، فازت السلفادور 3-2 بعد وقت إضافي.

بعد أيام قليلة، اندلعت الحرب بين البلدين في 14 يوليو/تموز 1969.

الحرب استمرت نحو 100 ساعة، وتدخلت منظمة الدول الأمريكية لوقف القتال، بينما بقيت المباراة التي سبقتها في الذاكرة سببا وراء الاسم الذي عُرفت به الحرب: حرب كرة القدم.

لكن الحقيقة التاريخية الأكثر دقة هي أن كرة القدم لم تكن السبب الوحيد للحرب؛ بل كانت الشرارة التي تزامنت مع أزمات سياسية واقتصادية وحدودية وهجرة متراكمة بين البلدين.

وهنا تحديدا تكمن خطورة اللعبة، فأحيانا لا تصنع كرة القدم الأزمة، لكنها تمنحها المدرجات والهتافات والرموز الوطنية التي تجعلها أكثر قابلية للانفجار.

مصر والجزائر عام 2009

بعد 4 عقود، ظهرت صورة أخرى، وإن كانت مختلفة تماما في طبيعتها، خلال أزمة مصر والجزائر في تصفيات كأس العالم عام 2010.

لم تكن مصر والجزائر دولتين متجاورتين، لكن السودان، الدولة الثالثة، تحول إلى مسرح للمواجهة بعدما احتاج المنتخبان إلى مباراة فاصلة في أم درمان لتحديد المتأهل إلى كأس العالم.

وتدفق آلاف المشجعين من البلدين إلى الخرطوم. وخصصت السلطات السودانية ترتيبات أمنية استثنائية، مع فصل جماهير الفريقين وتقليص السعة المسموح بها للملعب، بينما انتشرت قوات أمنية كبيرة في محيط المباراة.

لم يكن الأمر مجرد سفر طبيعي لمشاهدة مباراة؛ فقد تحولت المباراة إلى قضية جماهيرية عابرة للحدود، ورافقتها توترات واتهامات متبادلة وأحداث عنف قبل المباراة وبعدها.

وفي تلك اللحظة، لم تعد الحدود الجغرافية عائقا أمام الجماهير؛ الطائرات والجسور الجوية وحافلات السفر نقلت الصراع من القاهرة والجزائر إلى الخرطوم.

نهائي كوبا أمريكا عام 2024

الأمر لم يعد مرتبطا فقط بالدول التي تعاني توترات سياسية.

في نهائي كوبا أمريكا عام 2024 بين الأرجنتين وكولومبيا في ملعب "هارد روك" بميامي، تحولت رغبة الجماهير في الوصول إلى المباراة إلى أزمة أمنية ضخمة.

آلاف المشجعين، وبينهم أعداد كبيرة من الأشخاص الذين لم يحملوا تذاكر، حاولوا اقتحام بوابات الملعب، وتسلق بعضهم الأسوار وقفز آخرون من بوابات الدخول، ما أدى إلى إغلاق المداخل وتأجيل انطلاق المباراة لأكثر من ساعة.

لم تكن هناك أزمة سياسية بين الأرجنتين وكولومبيا، لكن المشهد كان يحمل الفكرة نفسها، الجماهير التي تعبر الحدود لمتابعة منتخبها قد تصبح في بعض الأحيان جزءا من المشكلة الأمنية التي تحيط بالمباراة.

مونديال عام 2026 وأزمة التأشيرات

وربما قدم كأس العالم عام 2026 الشكل الأكثر وضوحا للعلاقة بين كرة القدم والحدود، ولكن هذه المرة من خلال التأشيرات والهجرة الرسمية.

إعلان

المونديال أقيم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لكن امتلاك تذكرة لم يكن كافيا لضمان الوصول إلى المباراة.

الفيفا نفسه أوضح أن الحصول على تذكرة لا يضمن الحصول على تأشيرة أو تصريح دخول إلى أي من الدول المضيفة، وأن المشجع الذي يفشل في الحصول على الوثائق المطلوبة أو يُمنع من الدخول لا يحق له الحصول على تعويض من الفيفا.

وبالفعل، واجه مشجعون وصحفيون ومسؤولون من عدة دول صعوبات في الوصول إلى البطولة، بينما أدت سياسات التأشيرات والهجرة الأمريكية إلى حرمان بعض المشجعين من حضور مباريات منتخباتهم.

وكانت أبرز الظواهر حرمان الجماهير الإيرانية من تشجيع منتخب بلادها، وفرض عدم دخول لاعبي منتخب إيران أنفسهم إلى ملاعب مبارياتهم إلا في الدقائق التسعين الخاصة بكل مباراة، وفرض إقامتهم في المكسيك ودخولهم للولايات المتحدة قبل كل مباراة بتأشيرات مراجَعة مرة أخرى، بخلاف إنقاص عدد كبير من أفراد البعثة الإيرانية بحكم تدابير استخراج التأشيرات.

مصدر الصورة حافلة منتخب إيران تغادر فندق الإقامة في المكسيك خلال كأس العالم 2026 (رويترز)

ووفق تقارير خلال البطولة، واجه مشجعون من دول عدة، بينها مصر والمغرب والعراق والأردن وأوزبكستان، صعوبات في الحصول على التأشيرات أو الدخول، في مفارقة بدت واضحة في بطولة رفعت شعارا يقوم على جمع العالم من خلال كرة القدم.