اليمن وباب المندب… هل تغير "فجر اليمن" ميزان القوة؟
تطرح التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن سؤالًا يتجاوز خريطة السيطرة التي تتغير من يوم إلى آخر، ويتعلق بما إذا كانت عملية "فجر اليمن" قد بدأت بالفعل تغيير ميزان القوة الذي حكم الحرب خلال السنوات الماضية، أم أنها تدفع الصراع إلى مرحلة جديدة تتغير فيها الجبهات وأدوات القتال، فيما يظل الحسم الإستراتيجي بعيدًا.
وتنبع أهمية هذا السؤال من المفارقة التي كشفتها معركة باب المندب.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 سوريا في مواجهة إسرائيل..ما بعد التفاوض ليس طريقا واحدا
* list 2 of 2 السيناريوهات المحتملة لعملية "فجر اليمن" بعد كسر معادلة الحوثيين end of list
فقد استطاع الحوثيون، في سبتمبر/أيلول الماضي، تحقيق تقدم سريع على الساحل الغربي والوصول إلى المخا وذو باب والمضيق، قبل أن تتمكن القوات الحكومية، بإسناد سعودي، من عكس جانب مهم من هذا التقدم مع بدء معركة "فجر اليمن"، التي سرعان ما امتدت من الساحل إلى مرتفعات تعز، بالتوازي مع توسيع الحوثيين استخدام الصواريخ والمسيرات باتجاه السعودية وعدن.
وبذلك أصبح الاختبار الحقيقي متعلقًا بقدرة القوات الحكومية على تثبيت سيطرتها وحمايتها وتحويل التقدم الميداني إلى تغير مستدام في ميزان القوة.
من الساحل إلى الجبال
أظهر اليومان الأوليان من عملية "فجر اليمن" أهمية الجمع بين القوات البرية والإسناد الجوي والتنسيق العملياتي.
فقد شاركت في الهجوم تشكيلات رئيسية، من بينها ألوية العمالقة وقوات درع الوطن والمقاومة الشعبية، واستفادت من كثافة الإسناد الجوي السعودي، وهو ما ساعدها على تحقيق تقدم سريع في منطقة ساحلية مكشوفة نسبيًا.
ومع انتقال العمليات بعيدًا عن الساحل، تدخل القوات الحكومية بيئة جغرافية وعسكرية أكثر تعقيدًا، تمتد عبر الوازعية وموزع وجبل حبشي وحيفان والمرتفعات المتصلة بجبهة تعز. وفي هذه المناطق تتراجع بعض مزايا القوة الجوية، وتتسع في المقابل فرص الدفاع والتحصين والكمائن والاستنزاف.
لهذا تكتسب معركة تعز أهمية تتجاوز حدود المحافظة. فالمرتفعات الواقعة إلى الشرق من الساحل تشكل العمق البري للمخا وذو باب وباب المندب، والسيطرة عليها تؤثر مباشرة في القدرة على حماية الساحل أو تهديده.
كما تدخل الطرق التي تربط تعز بالساحل وعدن في صميم المعركة على خطوط الإمداد والمناورة. ومن ثم يرتبط تثبيت السيطرة الحكومية على الساحل ببناء عمق بري يحمي القوات المنتشرة فيه ويحد من قدرة الحوثيين على الالتفاف عليها أو استنزافها.
كان الوصول إلى باب المندب، بهذا المعنى، اختبارًا لقدرة القوات الحكومية على الهجوم، فيما تمثل الجبال اختبارًا أصعب لقدرتها على تثبيت مكاسبها ومواصلة التقدم.
مصدر الصورة
السيطرة على المضيق والقدرة على تهديده
وتقود هذه المعادلة إلى مسألة أخرى تتعلق بمعنى السيطرة على باب المندب في الحروب الحديثة.
فقد منح وصول الحوثيين إلى الساحل موقعًا أفضل إزاء المضيق، بينما ظلت قدرتهم على التأثير في الملاحة مرتبطة بمنظومة أوسع من الصواريخ والمسيرات والوسائط البحرية.
وعلى المنوال نفسه، يؤدي إبعادهم عن المناطق المحاذية للمضيق إلى تقليص ميزتهم الجغرافية، مع بقاء جانب من قدرتهم على تهديد السفن من مسافات أبعد.
فمنذ عام 2023، راكم الحوثيون خبرة في استخدام الصواريخ والمسيرات والوسائط البحرية ضد أهداف في البحر الأحمر وخليج عدن، ويمكن تشغيل جانب من هذه القدرات من مواقع بعيدة عن الساحل المباشر. ولهذا يرتبط تأمين باب المندب بمساحة أوسع من المضيق، تمتد إلى منظومات الرصد والإطلاق ومخازن السلاح والاتصالات وخطوط الإمداد.
وتفسر هذه المعادلة انتقال العمليات تدريجيًا من استعادة المواقع الساحلية إلى الضغط على القدرات الحوثية في العمق.
فاستمرار عمل منظومة الصواريخ والمسيرات والوسائط البحرية يمنح الحوثيين قدرة على التأثير في أمن البحر الأحمر حتى مع تراجعهم بريًا.
ويصبح تأمين الملاحة، من هذه الزاوية، مرحلة أبعد من استعادة الضفة اليمنية للمضيق.
فقد حسنت القوات الحكومية موقعها الجغرافي حول باب المندب، بينما يتطلب تحويل هذا المكسب إلى أمن بحري مستدام تغييرًا أوسع في البيئة العسكرية المحيطة به.
الحوثيون وتعويض خسارة الجغرافيا
وفي مواجهة هذا التحول، بدأت ملامح الرد الحوثي تظهر من خلال توسيع دائرة استخدام الصواريخ والمسيرات.
فبالتوازي مع الضغط العسكري على جبهات تعز، استهدفت الجماعة مواقع ومطارات داخل السعودية، ووصل التصعيد في السابع من أكتوبر/تشرين الأول إلى مطار عدن، في الوقت الذي أعلن فيه التحالف اعتراض صاروخ باليستي أطلق باتجاه شمال الرياض.
ويكشف اختيار هذه الأهداف عن اتجاه لنقل جزء من كلفة الحرب من مناطق التراجع الحوثي إلى العمق الذي يستند إليه خصوم الجماعة.
فالضغط على المطارات والمنشآت السعودية يطال الطرف الذي يوفر الإسناد الجوي الرئيسي للحملة، فيما يحمل استهداف عدن رسالة تتعلق بقدرة الحوثيين على الوصول إلى مركز الحكومة في وقت تتعرض فيه جبهاتهم لضغط متزايد.
وتتشكل بذلك معادلة ميدانية جديدة تحاول فيها الحكومة وحلفاؤها تحويل التفوق الجوي والتقدم البري إلى واقع جغرافي أكثر استقرارًا، في حين يسعى الحوثيون إلى تعويض خسارة الأرض بتوسيع مجال النيران.
ويتوقف اتجاه الحرب إلى حد بعيد على قدرة كل طرف على الحد من عناصر القوة التي يستند إليها الطرف الآخر.
مصدر الصورة
ميزان القوة يتجاوز اليمن
تأخذ هذه المعادلة أبعادًا أوسع مع ازدياد الانخراط الإقليمي والدولي في الحرب. فالسعودية توفر الإسناد الرئيسي للعملية، وتشير المعلومات المنشورة إلى دعم أمريكي في مجالات الاستخبارات وتحديد الأهداف والتخطيط، بالتزامن مع ترتيبات دفاعية سعودية مع تركيا وباكستان. وفي الجهة المقابلة، تظل العلاقة بين الحوثيين وإيران حاضرة في الحسابات المحيطة بالصراع.
ويمنح باب المندب هذه التطورات وزنًا يتجاوز حدود اليمن؛ فالمضيق يشكّل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويتحكم في الطريق البحري المؤدي شمالًا إلى قناة السويس وميناء إيلات. وتتضاعف أهميته في ظل الاضطرابات التي أصابت الملاحة عبر هرمز. ومن ثم، تمنح القدرة على التأثير في باب المندب والضغط على السعودية الحوثيين وزنًا إستراتيجيًّا يتجاوز مساحة الأراضي التي يسيطرون عليها، وتجعل تقليص هذه القدرة هدفًا يتصل بحسابات إقليمية أوسع من الصراع الداخلي اليمني.
وعلى هذا الأساس، يمكن قراءة عملية "فجر اليمن" بوصفها محاولة لتغيير موقع اليمن داخل معادلة الصراع الإقليمي أيضًا، من خلال تقليص قدرة الحوثيين على توظيف الجغرافيا اليمنية للضغط على السعودية والملاحة في البحر الأحمر، وهو ما يربط نتائج المعركة بموازين القوة التي يعاد تشكيلها في المنطقة.
اختبار الاستدامة
حققت العملية حتى الآن تحولًا ميدانيًا مهمًا، وأظهرت قدرة القوات الحكومية وحلفائها على عكس مكاسب حوثية تحققت قبل أسابيع. وستتضح القيمة الإستراتيجية لهذه المكاسب مع انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر صعوبة.
ويتوقف تثبيت هذا التحول على قدرة القوات الحكومية على تأمين الساحل من جهة مرتفعات تعز، والحفاظ على التنسيق بين تشكيلاتها المختلفة مع اتساع مسرح العمليات، والحد من فاعلية الصواريخ والمسيرات والقدرات البحرية الحوثية. وتحقيق ذلك سيجعل آثار خسارة الساحل تمتد إلى قدرة الحوثيين على التأثير في باب المندب والبحر الأحمر.
واجتماع هذه العناصر يمكن أن يدفع المكاسب الحالية نحو تحول أوسع في ميزان القوة. وفي المقابل، سيمنح ثبات الحوثيين في المرتفعات واحتفاظهم بالقدرة على ضرب السعودية وعدن وتهديد الملاحة الصراع مسارًا مختلفًا، تصبح فيه استعادة الساحل تغيرًا مهمًا في خريطة السيطرة، مع استمرار عناصر أساسية من ميزان القوة السابق.
تكشف التحولات الجارية عن دخول الصراع في اليمن طورًا جديدًا تتداخل فيه الجغرافيا الداخلية بصورة أوثق مع معادلات الأمن الإقليمي.
فالساحل الغربي بات جزءًا من معادلة أمن باب المندب والبحر الأحمر، وأصبحت مرتفعات تعز والعمق البري للساحل عنصرين أساسيين في تثبيت السيطرة وتأمين خطوط الإمداد. وفي الوقت نفسه، تمنح الصواريخ والمسيرات والقدرات البحرية الحوثيين مجالًا لمواصلة التأثير في الممرات البحرية وموازين القوة الإقليمية مع تغير خطوط السيطرة على الأرض.
وفي هذا السياق، تكتسب عملية "فجر اليمن" أهميتها من قدرتها على إعادة صياغة العلاقة بين السيطرة البرية والنفوذ البحري. فتثبيت التحولات الميدانية في الساحل، وتأمين عمقها، والحفاظ على تماسك القوات المشاركة فيها، وتقليص فاعلية القدرات الحوثية بعيدة المدى، يمكن أن يعيد تشكيل ميزان القوة في اليمن ويؤثر في معادلة باب المندب والبحر الأحمر. وهنا تتصل نتائج المعركة بمشهد إقليمي أوسع تتقاطع فيه حسابات اليمن مع أمن السعودية وحركة الملاحة عبر البحر الأحمر والصراع الدائر حول الممرات الإستراتيجية في المنطقة.
_________________________
* باحث في مركز الجزيرة للدراسات