تعتزم دول الخليج إتقان الذكاء الاصطناعي وفق شروطها الخاصة، والشراكة مع واشنطن هي أسرع طريق لتحقيق ذلك.

قبل بضع سنوات فقط، كان معظم الناس ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي على أنه مجرد حداثة تكتب القصائد وتجيب عن أسئلة الترفيه، وسرعان ما أصبح الذكاء الاصطناعي يعد العقود، ويقرأ الصور الطبية، ويكشف حالات الاحتيال.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 عودة آل بولسونارو.. ترمب يقترب من البرازيل والصين في الخلفية
* list 2 of 2 روسيا تحذر الناتو وتلوح باستخدام جميع الأسلحة لحماية كالينينغراد end of list

واليوم، يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي العمل لساعات بمفردهم، حيث يكتبون البرامج ويختبرونها، ويجرون الأبحاث، ويديرون مهام معقدة دون الحاجة إلى إشراف بشري يذكر.

قليلة هي التقنيات في التاريخ التي كانت لديها القدرة على تغيير حياة البشر بشكل عميق إلى هذا الحد، سواء للأفضل أم للأسوأ، في فترة زمنية قصيرة إلى هذا الحد، ويأتي كل تقدم أسرع من الذي سبقه، وأكثر قوة بكثير منه.

يبدأ الاستعداد للذكاء الاصطناعي بالطاقة والقدرة الحاسوبية، ويعتمد على الأشخاص الذين يجيدون استخدام هذه الأدوات، ويتطلب ذلك أن تكون الحكومات والشركات من جميع الأنواع على استعداد لإعادة بناء طريقة عملها بما يتناسب مع هذه التكنولوجيا، بدلا من ربطها بالعادات القديمة

عندما استضاف الرئيس دونالد ترمب الرئيس الصيني شي جين بينغ في زيارة دولة إلى واشنطن في سبتمبر/أيلول، احتل الذكاء الاصطناعي مكانا على جدول الأعمال إلى جانب القضايا التجارية وتايوان وأوكرانيا والحرب ضد النظام الإيراني.

وقد منح الزعيمان هذا الموضوع هذه المكانة لأن الدولة الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي ستتمتع بميزة في كل مجال تقريبا يحدد قوة الدولة: اقتصادها، وجيشها، وأجهزتها الاستخباراتية، وقدرتها على حماية شعبها. أصبح الذكاء الاصطناعي أساس القوة الوطنية والأمن القومي، وسيحدد أي الدول ستقود هذا القرن.

قضيت ما يقرب من ربع قرن أعمل لدى دونالد ترمب، أولا في شركته، حيث ترقيت إلى منصب المدير القانوني، ثم مبعوثه إلى الشرق الأوسط في البيت الأبيض. شاهدته في قاعات اجتماعات مجلس الإدارة وفي المكتب البيضاوي وهو يختزل صراعا معقدا إلى السؤال الوحيد الذي يحسمه. فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، الذي يسميه الآن "الذكاء الفائق "، فإن هذا السؤال هو: من سيفوز؟

إعلان

بالنسبة للرئيس ترمب، يعني الفوز الأمن والقوة الاقتصادية والبقاء في الصدارة أمام الصين. ويجب أن تقوم الولايات المتحدة وشركاؤها الموثوق بهم ببناء الأنظمة الأكثر كفاءة والتحكم فيها وحمايتها.

وتعمل العديد من الدول على تطوير هذه التكنولوجيا، وستذهب الوظائف والاستثمارات والإنتاجية إلى أولئك الذين يطورونها بأسرع ما يمكن، ويطورونها على أفضل وجه، ويضعونها موضع التنفيذ بتكلفة تستطيع اقتصاداتهم تحملها.

وتقود أمريكا هذا السباق، حيث تصنع الشركات الأمريكية النماذج الأكثر تقدما وتصمم أقوى الرقائق في العالم، بينما تقوم الصين بسد الفجوة بسرعة استثنائية، حيث تبني مختبرات ومحطات طاقة ومراكز حوسبة على نطاق من شأنه أن يثير إعجاب أي شخص ينتبه إلى ذلك.

والرئيس ترمب مصمم على توسيع تقدم أمريكا، وقد قال للمدن الأمريكية التي تقاوم إنشاء مراكز بيانات جديدة: "إذا قتلنا البطة التي تبيض ذهبا، فلن يكون لديكم سوى أنفسكم لتلوموها ".

تقول جميع الحكومات تقريبا الآن إنها تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي، وكذلك الحال بالنسبة لجميع الشركات تقريبا، بدءا من أكبر الشركات متعددة الجنسيات وصولا إلى الشركات العائلية.

لكن قلة قليلة منها فقط هي التي حققت "الاستعداد للذكاء الاصطناعي ".

يبدأ الاستعداد للذكاء الاصطناعي بالطاقة والقدرة الحاسوبية، ويعتمد على الأشخاص الذين يجيدون استخدام هذه الأدوات، ويتطلب ذلك أن تكون الحكومات والشركات من جميع الأنواع على استعداد لإعادة بناء طريقة عملها بما يتناسب مع هذه التكنولوجيا، بدلا من ربطها بالعادات القديمة.

ونظرا لأن التكنولوجيا تتغير من شهر لآخر، وأحيانا من أسبوع لآخر، فلا يمكن لأي شركة أو حكومة أن تعامل الاستعداد للذكاء الاصطناعي على أنه شيء يتم تحقيقه مرة واحدة فقط.

بالنسبة لدول الخليج، يرتبط الاستعداد ارتباطا وثيقا بهدف ثان: السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي. في الممارسة العملية، يعني ذلك أن تخزن بياناتها بموجب قوانينها الخاصة، وأن تكون نماذج اللغة قادرة على فهم اللغة العربية وثقافات العالم العربي، وأن تكون قوة الحوسبة موجودة على أراضيها، وأن يديرها مواطنوها

يشمل الاستعداد للذكاء الاصطناعي أيضا الدفاع ضد التهديدات التي تتكاثر بسرعة تضاهي سرعة تطور التكنولوجيا، فالشبكات الإجرامية والحكومات المعادية تستخدم بالفعل الذكاء الاصطناعي لاستكشاف البنوك والمستشفيات والموانئ وشبكات الكهرباء على مدار الساعة، وكل تقنية جديدة تطورها تنتشر إلى الآخرين في غضون أيام. لذا يتعين على المدافعين التحرك بسرعة أكبر من المهاجمين.

والدول التي تتخلف عن الركب ستفقد الاستثمارات والمواهب والنفوذ لصالح الدول المستعدة، وستواجه صعوبة في حماية شعوبها. وقد حذر الرئيس ترمب المدن الأمريكية من أن رفض هذه التكنولوجيا سيجعلها "متخلفة وفقيرة ". وتواجه الدول غير المستعدة للذكاء الاصطناعي الخطر نفسه.

في جميع أنحاء الشرق الأوسط، تستثمر كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، حتى إسرائيل استثمارات ضخمة في الاستعداد للذكاء الاصطناعي.

إعلان

بالنسبة لدول الخليج، يرتبط الاستعداد ارتباطا وثيقا بهدف ثان: السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي. في الممارسة العملية، يعني ذلك أن تخزن بياناتها بموجب قوانينها الخاصة، وأن تكون نماذج اللغة قادرة على فهم اللغة العربية وثقافات العالم العربي، وأن تكون قوة الحوسبة موجودة على أراضيها، وأن يديرها مواطنوها.

فالبلد الذي يعتمد بشكل مفرط على الآخرين في هذه التكنولوجيا يعتمد عليهم في اقتصاده وأمنه. فمراكز البيانات وحدها لا تضمن السيادة، والبلد الذي يمتلك القوة الحاسوبية الأكثر تقدما في العالم، لكنه يفتقر إلى الكوادر البشرية والمؤسسات اللازمة لاستخدامها، سيظل معتمدا على الآخرين لتشغيلها.

إن تصنيع كل شريحة وكل نموذج محليا ليس أمرا واقعيا ولا ضروريا، ما يهم هو أن تقرر حكومات دول الخليج كيفية نشر التكنولوجيا، وأن تحتفظ ببياناتها في المكان الذي تختاره، وأن تمتلك الكوادر البشرية والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها. والشراكة الموثوقة مع الولايات المتحدة تعزز هذا النوع من السيادة.

ستعتمد الموانئ وشبكات الكهرباء ومحطات تحلية المياه ومنشآت الطاقة في جميع أنحاء الخليج بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي، وتحتاج هذه الحكومات إلى القدرة على بناء تلك الأنظمة وتشغيلها وحمايتها بنفسها. وقد أكدت الحرب ضد النظام الإيراني مدى أهمية الحفاظ على أمن تلك البنية التحتية.

في المملكة العربية السعودية، تخطط شركة "هيوماين" (Humain) المتخصصة في الذكاء الاصطناعي -والتي أطلقها صندوق الاستثمار العام في مايو/أيار 2025- لتوفير سعة تبلغ 1.9 غيغاواط لمراكز البيانات بحلول عام 2030.

وقد دخلت في شراكة مع شركة "إنفيديا " الأمريكية لصناعة الرقائق الإلكترونية لتوفير ما يصل إلى 500 ميغاواط، بدءا من 18 ألف رقاقة متطورة، كما أبرمت شراكة مع شركة "أدفانسد مايكرو ديفايسز "، وهي شركة أمريكية أخرى متخصصة في صناعة الرقائق، في إطار تعاون يصل حجمه إلى 10 مليارات دولار ويشمل كلاً من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة.

وقد أصبح الذكاء الاصطناعي جزءا أساسيا من "رؤية 2030 "، وهي خطة المملكة لتنويع اقتصادها.

وفي أبوظبي، تعمل شركة جي 42، وهي شركة الذكاء الاصطناعي المدعومة من قبل صندوق الاستثمار السيادي "مبادلة "، على بناء " ستارغيت الإمارات "، مع شركائها الأمريكيين " أوبن إيه آي " و "أوراكل " و "إنفيديا " و "سيسكو ".

يخطط قادة دول الخليج لعقود قادمة، وهو ما لا تستطيع سوى قلة من الحكومات في العالم القيام به، ولديهم رأس المال والطاقة وجيل من الشباب الموهوبين لتنفيذ تلك الخطط

وستعمل هذه المجموعة التي تبلغ قدرتها 1 غيغاواط ضمن "حرم الذكاء الاصطناعي الإماراتي-الأمريكي "الذي تبلغ قدرته 5 غيغاواط، والذي تم الإعلان عنه في مايو/أيار 2025.

ومن المقرر أن تدخل أول 200 ميغاواط حيز التشغيل في عام 2026، وقد استثمرت مايكروسوفت 1.5 مليار دولار في جي 42 عام 2024 وتحتل مقعدا في مجلس إدارتها.

واعتمدت قطر إستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي في عام 2019، قبل معظم الدول بفترة طويلة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أطلقت "Qai "، وهي شركة وطنية متخصصة في الذكاء الاصطناعي مملوكة لهيئة قطر للاستثمار، صندوق الثروة السيادي للبلاد، بهدف بناء أنظمة وبنية تحتية للذكاء الاصطناعي والاستثمار فيها داخل البلاد وخارجها.

وقد شكلت "Qai " مشروعا مشتركا بقيمة 20 مليار دولار مع شركة الاستثمار العالمية "بروكفيلد " لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، كما استثمرت هيئة قطر للاستثمار في شركات أمريكية رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي.

وتدعم الشركات الأمريكية هذه الطموحات بأموالها الخاصة، ففي أواخر سبتمبر/أيلول، أعلنت مايكروسوفت أنها ستستثمر أكثر من 10 مليارات دولار في كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت بحلول عام 2030، بالتعاون مع "هيومين " و "جي 42 "، و "Qai ".

إعلان

وخلال اختبارات السلامة التي أجريت هذا الصيف، تجاوزت نماذج الذكاء الاصطناعي الحدود المقررة وحصلت من تلقاء نفسها على وصول غير مصرح به إلى أنظمة إنتاج حقيقية.

يمكن للولايات المتحدة وشركائها في الخليج، بالتعاون مع شركاء آخرين ذوي كفاءة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وضع معايير أمنية لكل من يعتمد على هذه التكنولوجيا.

يخطط قادة دول الخليج لعقود قادمة، وهو ما لا تستطيع سوى قلة من الحكومات في العالم القيام به، ولديهم رأس المال والطاقة وجيل من الشباب الموهوبين لتنفيذ تلك الخطط.

وتصنع الشركات الأمريكية أحدث التقنيات في أي مكان، وتضمن الشراكة بينهما بقاء أقوى الرقائق والأنظمة في أيد موثوقة، مما يخدم الأمن الأمريكي ويمنح حكومات دول الخليج الثقة في أنها تعتمد على أفضل التكنولوجيا المتاحة.

والدول التي تتحكم في هذه التكنولوجيا هي التي ستفوز بالسباق وتقرر كيفية تطويرها، ومن يحق له استخدامها، وكيفية الحفاظ على أمنها.

وتتمتع الولايات المتحدة وشركاؤها في الشرق الأوسط بالمقومات التي تؤهلهم ليكونوا تلك الدول، وسوف يصلون إلى ذلك الهدف معا بشكل أسرع مما يمكن لأي منهم أن يفعله بمفرده.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.