"تحررنا وأصبحنا بيضة القبان".. كيف تغيّر واقع الطائفة العلوية في لبنان بعد سقوط بشار الأسد؟
يعيش العلويون في جبل محسن ما يصفه أبناؤه بمرحلة من "التحرر" السياسي منذ سقوط نظام الأسد، مع تنامي قدرتهم على اختيار ممثليهم، وسط تحديات اجتماعية ومخاوف من تجدد التوتر الطائفي.
بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، لم تتوقف تداعيات التحول السياسي عند الحدود السورية، بل امتدت إلى لبنان، حيث ترك نفوذ دمشق على مدى عقود أثره في السياسة والأمن والعلاقات بين القوى والطوائف.
ومن بين أكثر الفئات التي تجد نفسها أمام واقع جديد، العلويون اللبنانيون، بحكم الارتباط الذي لطالما نُسب إلى طائفتهم وبين نظام الأسد وحلفائه في لبنان.
وقد أفرز هذا التحول تغييراً ملحوظاً في الخطاب السياسي داخل الشارع العلوي، ولا سيما في منطقة جبل محسن التي تسكنها هذه الأقلية في بلد الأرز. فبدلاً من الاصطفاف إلى جانب النظام السابق و"حزب الله" الحليف التقليدي لبشار الأسد، برزت توجهات تدعو إلى النأي بالنفس والابتعاد التدريجي عن التحالفات السابقة.
هذه الخطوة البراغماتية تأتي في سياق السعي للحفاظ على الاستقرار المحلي، والاندماج بشكل أكبر في النسيج الوطني اللبناني، وتجنب الانعكاسات السلبية المترتبة عن انهيار موازين القوى الإقليمية السابقة. فهل يمهّد هذا المسار لانتقال العلويين في لبنان من مظلة التأثير السوري إلى بناء قرار سياسي محلي مستقل؟
تستند هذه المادة إلى شهادتيْ شخصين من أبناء الطائفة العلوية في لبنان، نشير لهما باسمين مستعاريْن وهما "سمير" و"ماجد"، بناءً على طلبهما، لدواعٍ أمنية واجتماعية.
في حديثه لـ"يورنيوز"، يرى سمير وهو ناشط اجتماعي في جبل محسن أن المرحلة الجديدة التي تعيشها الطائفة انعكست بصورة أساسية على طريقة تعاطي أبناء المنطقة مع التحولات الاقليمية وتأثيرها على قرارهم السياسي، وعلى شعورهم بقدرتهم على اختيار ممثليهم بأنفسهم.
أرقام بلا إحصاء دقيق
ولا توجد، بحسب سمير، أرقام رسمية دقيقة لعدد العلويين في لبنان، حيث تختلف التقديرات المتداولة بشأن حجم الطائفة.
لكن مدير مكتب رئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ أحمد عاصي أدلى قبل مدة بتصريح لصحيفة "اندبندنت عربية" قال فيه إن تعداد أبناء الطائفة يتراوح ما بين 120 إلى 150 ألفاً، مشيراً إلى أن "الرقم الفعلي قد يكون أكبر، نظراً إلى تسجيل بعض العائلات العلوية أبناءها على قيود طوائف أخرى، سنّية أو شيعية أو مسيحية، خلال الحرب الأهلية أو سعياً إلى الحصول على فرص ومواقع داخل الدولة".
وتتمثل هذه الطائفة العلوية في مجلس النواب بمقعدين، أحدهما مخصص لطرابلس والآخر لدائرة عكار.
ويرى سمير أن العلاقة بين أبناء جبل محسن ذي الأغلبية العلوية والسكانّ السنّة في منطقة باب التبانة وطرابلس عامة لا تقوم على عداء ديني أو طائفي في الحياة اليومية. فهو يتحدث عن علاقات اجتماعية وتجارية ومصاهرات، وعن حركة بين المناطق، كما يشير إلى أن العلويين في عكّار ذات الأغلبية السنّية هم جزء أيضاً من التعايش بين الطوائف، قائلا: "نحن كشعب متعايشون، ونفهم بعضنا بعضاً".
وينفي المتحدث وجود اعتداءات أو تضييق على ممارسة الشعائر الدينية، إذ أن الخلاف، كما يراه، يبقى في أساسه سياسياً، لكن إن حدث وتحوّل إلى مواجهة مسلحة، فإن هذا من شأنه أن يغيّر شكل العلاقة سريعاً.
العلويون السوريون والعمل واللجوء
بعد سقوط نظام بشار الأسد، لجأ علويون سوريون إلى جبل محسن خوفا من تعرضهم لأعمال انتقامية في بلادهم، فيما كانت أعداد أكبر من النازحين متواجدة في عكار منذ أولى سنوات الحرب الأهلية.
وبحسب سمير، لم تكن هناك مخيمات في جبل محسن، فلجأ الوافدون إلى منازل أقاربهم وأماكن أخرى، بعدها، عاد كثيرون إلى سوريا وبقي آخرون في لبنان.
ويقول إن نحو ثلاثة أرباع العلويين الذين يأتون إلى منطقة جبل محسن يبحثون عن فرصة عمل، لكن المنطقة صغيرة ولا تملك القدرة على استيعاب أعداد كبيرة من العمال بحسب تعبيره.
ويشرح سمير ذلك مستشهداً بعدد أفراد هذه الطائفة في البلد الذي أتى منه هؤلاء، قائلاً: "يبلغ عدد العلويين في سوريا نحو ستة أو سبعة ملايين، فماذا لو جاء منهم مئة ألف إلى جبل محسن؟ ليس لدينا هذا القدر من فرص العمل".
يذكر أنه رقم 6 أو 7 ملايين علوي في سوريا لا تدعمه بيانات رسمية وطنية أو خارجية، إذ لا توجد إحصاءات دقيقة في سوريا عن بيانات السكان وفق الانتماء الطائفي، كما تُسجّل خانة الديانة في الوثائق الرسمية على أنها مسلم أو مسيحي من دون تحديد الطائفة، ما يجعل من الصعب تحديد أعداد العلويين وغيرهم من المكونات بدقة.
وفي غياب الإحصاءات الرسمية، قدّر المسؤول في مجلس أمناء المجالس العلوية في تصريحات سابقة لـ"يورونيوز"، أن عدد أفراد الطائفة في سوريا "يتعدى 6 ملايين و400 ألف شخص موزعين على خمس محافظات"، مرجعاً ذلك، بحسب قوله، إلى عدم وجود علويين في المهجر، إذ أنهم يعيشون حصراً في سوريا.
وبحسب تقرير صادر عن "وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء" (EUAA) عام 2025، يُقدّر عدد العلويين في سوريا بنحو 1.7 مليون نسمة، أي ما يقارب 9 في المئة من إجمالي السكان، ويتركز وجودهم بصورة أساسية في المناطق الساحلية والجبلية من البلاد.
العمل واللجوء في لبنان
بعد سقوط نظام بشار الأسد، لجأ علويون سوريون إلى جبل محسن خوفا من تعرضهم لأعمال انتقامية في بلادهم، فيما كانت أعداد أكبر من النازحين متواجدة في عكار منذ أولى سنوات الحرب الأهلية.
وبحسب سمير، لم تكن هناك مخيمات في جبل محسن، فلجأ الوافدون إلى منازل أقاربهم وأماكن أخرى، بعدها، عاد كثيرون إلى سوريا وبقي آخرون في لبنان.
ويقول إن نحو ثلاثة أرباع العلويين الذين يأتون إلى منطقة جبل محسن يبحثون عن فرصة عمل، لكن المنطقة صغيرة ولا تملك القدرة على استيعاب أعداد كبيرة من العمال بحسب تعبيره.
ويشرح سمير ذلك مستشهداً بعدد أفراد هذه الطائفة في البلد الذي أتى منه هؤلاء، قائلاً: "يبلغ عدد العلويين في سوريا نحو ستة أو سبعة ملايين، فماذا لو جاء منهم مئة ألف إلى جبل محسن؟ ليس لدينا هذا القدر من فرص العمل".
هذا الرقم لا تدعمه بيانات رسمية وطنية أو خارجية، إذ لا توجد إحصاءات دقيقة في سوريا عن بيانات السكان وفق الانتماء الطائفي، كما تُسجّل خانة الديانة في الوثائق الرسمية على أنها مسلم أو مسيحي من دون تحديد الطائفة، ما يجعل من الصعب تحديد أعداد العلويين وغيرهم من المكونات بدقة.
وبحسب تقرير صادر عن "وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء" (EUAA) عام 2025، يُقدّر عدد العلويين في سوريا بنحو 1.7 مليون نسمة، أي ما يقارب 9 في المئة من إجمالي السكان، ويتركز وجودهم بصورة أساسية في المناطق الساحلية والجبلية من البلاد.
ويشير سمير في حديثه لـ"يورونيوز"، إلى أن وجود علويين سوريين يعملون في طرابلس أمر معروف لدى أهالي المدينة ذات الأغلبية السنية، قائلاً إن الناس يعرفون أنهم سوريون، "ولا أحد يتعرض لهم".
ولكنه يوضح أن وضع السوري العلوي الذي يأتي من بلاده إلى جبل محسن يختلف عن وضع العلوي اللبناني من أبناء المنطقة، مضيفاً: "ابن باب التبانة أو ابن طرابلس يتقبلك بوصفك علوياً من جبل محسن، أما إذا كنت سورياً قادماً من الخارج، فينظرون إليك على أنك من فلول النظام، ويفترضون أن في عنقك دماً حتى لو لم تكن قد ارتكبت شيئاً، وينظرون إليك بطريقة مختلفة".
وتتداول وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وتسجيلات صوتية تتناول اعتداءات يُقال إنها استهدفت علويين سوريين في طرابلس، إلى جانب انتشار مواد تحريضية ضدهم.
وتثير هذه المقاطع والتسجيلات مخاوف من تنامي النعرات الطائفية التوتر، لكن حتى الآن، تُوصف هذه الاعتداءات بأنها حالات فردية لا تعكس بالضرورة طبيعة العلاقة بين أبناء المنطقة والسوريين المقيمين فيها.
من "بدنا فلان" إلى "تحرّرنا"
ويضع سمير الانتخابات المحلية في صلب التحوّل الذي شعر به أبناء جبل محسن عقب سقوط نظام بشار الأسد، مستذكرا تلك المرحلة بالقول: "عندما سقط النظام، انكفأنا على أنفسنا"، قبل أن تبدأ لاحقاً مرحلة شعروا خلالها بأنهم أصبحوا أكثر قدرة على التحرك واتخاذ قراراتهم بأنفسهم.
"صرنا أقوى... تحررنا"، يقول المتحدث، في وصفه للشعور الذي رافق هذا التحول.
ويستعيد سمير كيف كانت الأسماء تُطرح في السابق من خارج المنطقة: "بدنا فلان ــ شخص محدّد ومدعوم ــ وبدّنا فلان"، فيما كان أبناء جبل محسن يحصلون، بحسب قوله، على مختار (مسؤول محلي) واحد بالتزكية أو اثنين، أو على أسماء يجري الاتفاق عليها من الخارج.
لكن المشهد تغيّر في الانتخابات الأخيرة. يقول المتحدث إن النتيجة أفرزت 12 مختاراً من جبل محسن، في مدينة يبلغ تعداد سكانها، وفق تقديره، نحو 700 ألف نسمة. الرقم، بالنسبة إليه، كان تعبيراً عن حجم الكتلة الانتخابية التي استطاعت المنطقة حشدها.
لكن النتيجة لم تمرّ دون ضغوط. ويقول: "تأتيك رسائل صوتية: أنتم أبناء الجبل، لقد حصلتم على 12 مختاراً، ولا يحق لكم ذلك"، مشيراً إلى أن هذه الرسائل شكّلت ضغطاً عليهم.
وفي النهاية، جرى التنازل عن أربعة أو خمسة مخاتير "لصالح طرابلس"، لينتهي العدد عند سبعة أو ثمانية. ويستعيد سمير المفارقة التي رآها في النتيجة قائلاً: "أصبح لدينا فائض من المخاتير".
ويشير إلى أن العلويين أصبحوا اليوم، بحسب تقديره، "بيضة القبان" في الانتخابات النيابية، مقدّراً عدد الناخبين في جبل محسن بنحو 20 إلى 22 ألفاً. ويقول إن تصويت نحو 15 ألفاً منهم ككتلة واحدة يمكن أن يمنحهم وزناً في تحديد هوية الفائز بالمقعد النيابي.
مصدر الصورة
من المتضرر؟
من جهته، يرفض ماجد، وهو صحفي وناشط اجتماعي، في حديثه لـ"يورونيوز"، وصف العلويين في لبنان بأنهم استفادوا من نظام الأسد، قائلاً: "نحن أكثر من تضرر، ولم نكن مستفيدين إطلاقا".
ويشرح أن ما كان يُقدَّم باعتباره حماية لم يتحول إلى تمثيل سياسي أو مكاسب محلية لأبناء منطقة جبل محسن. "لا نائب ولا مختار ولا شي"، يقول ماجد، في إشارة إلى أن أبناء المنطقة، بحسب قوله، لم يحصلوا على ما يعكس علاقتهم السياسية بالنظام في دمشق.
ويضيف المتحدث قائلاً إن المستفيد كان "غير العلوي"، ويصف موقع أبناء الطائفة في تلك المرحلة بعبارتي "بالجيبة" و"خزان الوقود"." في إشارة لطريقة التعامل مع العلويين ومكانتهم في تلك المرحلة.
بين لبنان وسوريا
بعد سقوط النظام، بدأ بعض العلويين في لبنان يتوجهون إلى سوريا، وخصوصاً إلى مناطق في الساحل مثل صافيتا والدريكيش وطرطوس.
وينقل ماجد عن أقاربه الذين زاروا تلك المناطق أن التعامل معهم جيد، وأنهم يقولون إن الوضع أفضل من المرحلة السابقة. لكن الأمن، بحسب ما ينقله عنهم، لم يستقر تماماً بعد، وخصوصاً ليلا: "الوضع الأمني بده شوية وقت" وفق تعبيره.
أما في لبنان، فيبقى القلق الذي يتحدث عنه مرتبطاً باحتمال انتقال الخلاف من السياسة إلى السلاح. بحسب ماجد، لا يحتاج الأمر إلى تغيير كبير في العلاقة بين السكان كي تنفجر الأمور، يكفي وجود قرار سياسي، "خارجي، لا داخلي"، على حد تعبيره.
ويضيف، "نحن كشعب متعايشون ونفهم بعضنا بعضاً، لكن عندما يصدر قرار سياسي، قد تندلع حرب طائفية طويلة وواسعة. الخلاف بيننا وبينهم سهل التصعيد، ويمكن أن يشتعل سريعاً".
مصدر الصورة
جبل محسن وباب التبانة: توترٌ سياسي بطابع طائفي
قبل سقوط نظام بشار الأسد، كان التوتر بين جبل محسن وباب التبانة أحد أبرز مظاهر الانقسام السياسي والطائفي في طرابلس، إذ تداخلت الانقسامات المحلية مع مواقف متباينة من الحرب السورية.
وتجددت الاشتباكات المسلحة بين المنطقتين بشكل متكرر منذ عام 2011، مع اندلاع جولات عنيفة خلّفت قتلى وجرحى، قبل أن تتصاعد حدتها في السنوات التالية.
وقد شهدت طرابلس خلال عامي 2012 و2013 جولات دامية إضافية، إلى جانب تفجيرات وأعمال عنف أذكاها التوتر الناجم عن تداعيات الحرب السورية.
ومع ذلك، فإن توصيف العلاقة بين المنطقتين لا يقتصر على البعد الطائفي، إذ تداخلت فيها الاصطفافات السياسية المحلية والإقليمية مع الواقع الاجتماعي للمدينة.