دراسة: "واقع جديد يتسم بمعاداة السامية" في ألمانيا منذ هجوم 7 أكتوبر
شكّل هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2023 على إسرائيل لحظة فارقة في حياة اليهود في ألمانيا ، وحوّل حياة العديد منهم إلى تحدِّ كبير، بحسب دراسة ألمانية رصدت كيف غيّرت تداعيات هجوم حماس الإرهابي من حياة اليهود في ألمانيا.
ويذكر أن حركة حماس ، وهي مجموعة مسلحة فلسطينية إسلاموية، تصنفها ألمانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى على أنها منظمة إرهابية .
وأفادَ الأشخاص الذين شملتهم الدراسة بوجود "واقع جديد يتسم بمعاداة السامية "، وتزايد في انعدام الثقة، وشعور بالإقصاء وعدم الأمان.
موّلت الدراسة الوكالة الفيدرالية لمكافحة التمييز، وعُرضت نتائج الدراسة اليوم الاثنين (5 أكتوبر/ تشرين الأول 2026)، وعلى مدار سنتين، أجرى مركز الكفاءة للتعليم والبحث النقدي لمعاداة السامية ( KOAS )، و"معهد أبحاث التطرف اليميني" بجامعة توبنغن مقابلات فردية ونقاشات جماعية مع 118 شخصاً يهودياً بما في ذلك إسرائيليون يعيشون في ألمانيا.
ووفقاً للبيانات، شملت الدراسة لأول مرة استطلاع آراء وتجارب الأطفال والشباب ممن تبلغ أعمارهم سبع سنوات، وحتى الأشخاص البالغين وصولاً إلى 80 عاماً، وفقاً لقناة ntv الإخبارية الألمانية.
تحدث المشاركون في الدراسة عمّا يعنيه لهم هجوم 7 أكتوبر بشكل شخصي، وكيف تغيّرت حياتهم بعده، وما إذا كانوا قد لاحظوا أي تغييرات جسدية أو نفسية، وكيف ينظرون إلى مستقبلهم في ألمانيا.
اليهود في ألمانيا لا يشعرون بالأمان
أفاد المشاركون في الدراسة أن طريقة تصوير الهجمات ونشرها المتعمد عبر وسائل الإعلام أوصلَ لهم رسالة مفادها أنهم ليسوا آمنين رغم إقامتهم في ألمانيا ، وأنه يمكن اعتبارهم هدفاً للهجوم.
وقالوا إنهم واجهوا بعد الهجوم حالة من اللامبالاة والصمت، حتى في أوساط الأصدقاء والمعارف، وتحدثوا عن مواقف لم يُحرموا فيها من التعاطف والمواساة فحسب، بل تم التعامل معهم على أنهم ممثلون لإسرائيل ، لمجرّد كونهم يهوداً .
وتحدث المشاركون في المقابلات عن تعرضهم لـ "مواجهات عدوانية على أرض الواقع وفي الفضاء الرقمي، بدأ بعضها بالفعل مساء 7 أكتوبر واستمر منذ ذلك الحين"، وبالعموم أفاد المشاركون في الدراسة أنهم عانوا من صدمة شديدة لما تسبب به الهجوم من عنف، وشعروا بانهيار شعورهم بالانتماء إلى مجتمع يوفر الحماية.
كل ذلك أدى إلى تراجع مظاهر الحياة اليهودية العلنية؛ إذ تحول الفضاء العام إلى "مكان ينطوي على مخاطر محتملة، حيث بات من الصعب للغاية إظهار الهوية اليهودية بحرية ودون قلق"، وأوضح العديد ممن شاركوا بالدراسة أنهم باتوا يتجنبون ارتياد حانات وأماكن ترفيهية معينة أو حتى أحياء بأكملها، كما تعرض بعض المشاركين في الدراسة لاعتداءات داخل الحافلات والقطارات .
التمييز والإقصاء طالَ الأطفال أيضاً
أفادت وكالة مكافحة التمييز التابعة للحكومة الألمانية بأن الإقصاء والتمييز ضد اليهود يجري من مختلف شرائح المجتمع، بما في ذلك الأماكن التي كان يُعتقد أنها آمنة؛ إذ سُجلت حالات قام فيها أطباء بالضغط على مرضاهم للإدلاء بمواقف سياسية، أو عمد فيها زملاء في العمل إلى اتخاذ مسافة فاصلة عن اليهود .
وهذا التمييز لا يقع على البالغين فحسب، بل على الأطفال أيضاً، فالضغط الذي تعرض له بعض اليهود والناجم عن اضطرارهم إلى تبرير أصولهم وهويتهم أدى بأطفال ومراهقين وبالغين على حد سواء إلى الانسحاب الاجتماعي، والتعرض لضغوط نفسية، وتعزيز الاحتياطات الأمنية، كما حدَّ من مشاركاتهم المجتمعية.
وقالت فردا أتامان، المفوضة الاتحادية المستقلة لمكافحة التمييز: "تكشف الدراسة عن الحجم الكامل للتمييز المعادي للسامية"، وأضافت: "من يعلن صراحة أنه يهودي أو أنه قادم من إسرائيل يخاطر بالتعرض لعواقب تمس وجوده، تبدأ بالتمييز ضده في البحث عن مسكن أو عمل، مروراً برفض تقديم الخدمة له في المطاعم، وصولاً إلى التنمر في رياض الأطفال والقاعات الدراسية".
وطالبت أتامان بتوفير "حماية أفضل لليهود واليهوديات من التمييز، على سبيل المثال في المدارس والجامعات"، وقالت: "للأسف، لا تزال هناك ثغرات كبيرة في التشريعات فيما يتعلق بهذه الحماية".
خيبة أمل في أوساط المجتمع اليهودي
آثار هجوم السابع من أكتوبر على المجتمع اليهودي والإسرائيليين في ألمانيا لم تقتصر على الشعور بعدم الأمان، بل دخلت إلى عمق علاقاتهم الاجتماعية، إذ أفاد بعض المشاركين في الدراسة أنهم أصيبوا بخيبة أمل من ردود الفعل في المجتمعات غير اليهودية وعدم الاكتراث أو التعاطف معهم بسبب ما حصل في 7 أكتوبر، وهو ما غيّر من شكل علاقاتهم مع المجتمع غير اليهودي تغييراً جذرياً، على حدّ تعبيرهم.
روَت امرأة من المشاركات في الدراسة أنها احتفلت بعيد ميلادها مع صديقاتها مساء 7 أكتوبر، وكان الجميع يعلم أنها يهودية باستثناء شخص واحد، وقالت: لم يسأل أحد "عن حالي"، وفقاً لقناة ntv الإخبارية الألمانية.
وأفادت امرأة أخرى أنها كانت مصدومة من أن عدداً قليلاً جداً من الناس في دائرتها الاجتماعية غير اليهودية تحدثوا معها عن السابع من أكتوبر، ومع ذلك، قالت إنها لم تواجه أي عداء داخل دائرة أصدقائها، لكن حتى صديقاتها لم يدركن ما يعنيه "الهجوم الإرهابي لي وللكثيرين غيري"، وما زال يعنيه، "وهذا يصدمني".
وحتى داخل بيئة العمل لم يجد الجميع ملاذا آمناً، إذ قالت إحدى المشاركات في الدراسة إنها طلبت المساعدة من مسؤول مكافحة التمييز في جهة عملها، ولكن طُلب منها التواصل مع "مجتمعها اليهودي"، "لأنهم يتمتعون بعلاقات واسعة"، وعوضاً عن تلقي المساعدة، طُلب منها عدم التطرق إلى "هذه القضية السياسية" في العمل "لأنها تُفسد الأجواء".
وبناء عليه، يرى مؤلفو الدراسة أن اليهود في ألمانيا يعانون من "إقصاء مزدوج"، أي التقليل من شأنهم على مرحلتين: أولاً، من خلال الهجوم نفسه، وثانياً "من خلال النقاش المجتمعي المعادي للسامية إلى حد كبير حول أهمية هذا العنف".