أكبر 10 مصافي نفط في العالم.. هل تملك القدرة على إنقاذ سوق الديزل؟
لم يعد نقص الديزل في الأسواق العالمية مجرد رقم يتغير على شاشات بورصات الطاقة أو مجرد ارتفاع في تكلفة التعبئة عند محطات الوقود، بل تحوّل إلى تهديد مباشر لسلاسل الإمداد وشرايين حركة الشحن التي تحرك الاقتصاد العالمي.
ففي الوقت الذي تحركت فيه مجموعة السبع من أجل تخفيف وطأة الأزمة عبر إعلان عزمها إطلاق نحو 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من الاحتياطات الطارئة، في محاولة لتهدئة سوق الوقود بعد اضطرابات الإمدادات، فاجأت الصين الأسواق بقرارها تعليق صادرات المنتجات النفطية في أكتوبر/تشرين الأول الجاري وتخصيصها لتأمين احتياجات سوقها المحلية.
قصص مقترحة
list of 4 items* list 1 of 4 اتفقا على السحب من المخزون.. هل يحل ديزل أوروبا مشكلة ترمب؟
* list 2 of 4 وكالة الطاقة الدولية: الدول الأعضاء ضخت 325 مليون برميل من مخزونات النفط
* list 3 of 4 زيلينسكي يعلن حرب المصافي ويهدد بصاروخ قادر على إصابة موسكو
* list 4 of 4 أوكرانيا وإيران.. حربان تفصلهما الجغرافيا وتربطهما الطاقة end of list
وتكشف هذه التطورات عن أن دول العالم تتحرك بشكل مختلف من أجل مواجهة هذه الأزمة، مع محاولة تأمين احتياجاتها من الديزل من المصافي المنتجة له.
ويجعل هذا الأمر مصافي مثل "جامناغار" و"رويس" و"أولسان" و"يوسو" و"دانغوتي" أكثر أهمية، لكن بدرجات مختلفة، فامتلاك طاقة تكريرية ضخمة لا يعني تلقائيا امتلاك فائض من الديزل قابل للتصدير.
يستعرض هذا التقرير خريطة أكبر 10 مصافٍ ومجمعات تكرير في العالم وفق الطاقة التكريرية المعلنة، وملكية كل منها، كما يقارن بين طاقتها الاسمية وإنتاجها الفعلي، وصولا إلى ما يمكن أن تضيفه هذه المصافي فعليا إلى السوق، ومدى قربها من الأسواق التي تعاني ضغوط الإمدادات.
مصدر الصورة
خريطة أكبر المصافي عالميا
في المركز الأول تأتي مصفاة "جامناغار" في الهند التابعة لشركة "ريلاينس إندستريز"، بطاقة تكريرية إجمالية تصل إلى 1.4 مليون برميل يوميا في موقع واحد، وهي عبارة عن مصفاتين متكاملتين، إحداهما بطاقة 660 ألف برميل يوميا والأخرى بطاقة 580 ألفا.
وتتميز المنظومة بدرجة عالية من المرونة في تحويل المنتجات بين البنزين والديزل، إلى جانب امتلاكها بنية بحرية تتيح استقبال ناقلات النفط وشحن المنتجات.
ويأتي في المرتبة الثانية مجمع "باراغوانا" للتكرير في فنزويلا، الذي يضم مصفاتي أمواي وكاردون، بطاقة تصميمية إجمالية تبلغ 955 ألف برميل يوميا، لكن هذا الرقم وحده يوضح لماذا لا تكفي القوائم النظرية للإجابة عن أزمة الديزل، إذ تشير البيانات إلى أنه في أبريل/نيسان 2026 لم يكن المجمع يعالج سوى نحو 237 ألف برميل يوميا -أي أقل بكثير من طاقته الاسمية- جراء استمرار الأعطال الفنية والأزمات التشغيلية الممتدة.
وفي الإمارات، تأتي مصفاة الرويس التابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) في المركز الثالث بطاقة تكريرية تبلغ 922 ألف برميل يوميا وفق أحدث بيانات الشركة. وتنتج المصفاة الديزل ووقود الطائرات والبنزين والنفتا ومنتجات أخرى، وتتميز ببنيتها الساحلية على الخليج العربي، إذ توفر أرصفتها البحرية الثلاثة منفذا لوجستيا لتوجيه فائض الإنتاج نحو الأسواق الخارجية.
أما مجمع أولسان في كوريا الجنوبية التابع لشركة "إس كيه إنرجي"، فيحتل المركز الرابع وتبلغ قدرته نحو 840 ألف برميل يوميا.
وتقول الشركة إن المجمع يخدم السوق المحلية والأسواق الدولية، كما أظهرت بياناتها لعام 2025 إنتاج نحو 91.1 مليون برميل من الديزل، وهو ما يؤكد أنه في صلب المشتقات التي تنتجها المصفاة.
وفي كوريا الجنوبية أيضا، تبرز مصفاة "يوسو" في المركز الخامس بطاقة تكريرية تصل إلى 800 ألف برميل يوميا. وتعتمد على وحدات معالجة متطورة مخصصة لإنتاج الديزل والكيروسين، مدعومة بـ3 أرصفة بحرية خاصة تمنحها مرونة لوجستية لشحن المشتقات المكررة والمنتجات البتروكيماوية مباشرة إلى الأسواق العالمية.
بعدها تأتي مصفاة "دانغوتي" في نيجيريا، التي أصبحت طاقتها الحالية نحو 700 ألف برميل يوميا بعد رفع طاقة وحدة التقطير من 650 ألفا إلى 700 ألف برميل يوميا في فبراير/شباط 2026. وتضم المصفاة ميناء عميق المياه، وتنتج وقودا يتطابق مع مواصفات الاتحاد الأوروبي، مما يجعله مؤهلا للسوق المحلية والتصدير.
وفي المركز السابع نجد مصفاة أونسان التابعة لشركة "إس أويل" الكورية الجنوبية، وتبلغ طاقتها نحو 669 ألف برميل يوميا. وتمتلك أرامكو، عبر ذراعها "أرامكو أوفرسيز"، حصة 63.4% في المصفاة، مما يجعلها جزءا من شبكة التكرير الدولية لشركة أرامكو السعودية.
ثم تأتي مصفاة "بورت آرثر" في تكساس التابعة لشركة "موتيفا" المملوكة لأرامكو، بطاقة تكرير خام تبلغ نحو 640 ألف برميل يوميا بحسب بيانات الشركة السعودية وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وتنتج المصفاة البنزين والديزل ووقود الطائرات ومنتجات أخرى، وهي أكبر مصفاة منفردة في الولايات المتحدة.
وتحتل مصفاة "غالفستون باي" في تكساس التابعة لشركة "ماراثون بتروليوم" المركز التاسع، بطاقة تبلغ 631 ألف برميل يوميا. وتتمتع المصفاة بإمكانية توزيع المنتجات عبر خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والناقلات البحرية، مما يمنحها اتصالا مباشرا بأسواق التصدير.
وتأتي في نهاية القائمة مصفاة الزور في الكويت، بطاقة قصوى تبلغ 615 ألف برميل يوميا. وتؤكد شركة البترول الكويتية المتكاملة أن المصفاة وصلت إلى الطاقة القصوى من الإنتاج، لكن بيانات التشغيل الفعلية تعكس فارقا مهما بين القدرة النظرية وما يمكن إنتاجه في سنة تشغيلية عادية.
مصدر الصورة
هنا تختبئ إمكانية الحل
إذا كانت الأزمة تتعلق بالبحث عن إمدادات إضافية، فإن السؤال الأهم "ليس من يملك أكبر مصفاة؟"، بل "من يستطيع زيادة التشغيل الآن؟".
أوضح مثال هو مجمع "باراغوانا" الفنزويلي، فطاقته التصميمية البالغة 955 ألف برميل يوميا تبدو ضخمة، لكنه كان يعالج فقط نحو 237 ألف برميل يوميا في أبريل/نيسان 2026، وفق بيانات نقلتها مصادر عاملة في المنشآت، وهو ما يعني أن الفارق بين التشغيل الفعلي والطاقة الاسمية يبلغ نحو 718 ألف برميل يوميا.
ويأتي هذا الفارق جراء مواجهة وحدات المجمع أعطالا وانقطاعات في الكهرباء كما أنها بحاجة إلى إصلاحات فنية، ومن ثم فإن إعادة هذه الطاقة تتطلب أولا إعادة تشغيل الوحدات المتوقفة.
وفي الكويت، سجلت مصفاة "الزور" في السنة المالية 2025/2024 متوسط معالجة فعليا بلغ 507.5 آلاف برميل يوميا، مقابل طاقة قصوى تبلغ 615 ألفا، أي بفارق يقارب 108 آلاف برميل يوميا.
والأهم أن إنتاج الديزل بلغ 5.473 ملايين طن، مقابل خطة قدرها 7.195 ملايين طن، أي أن الفجوة بين الإنتاج الفعلي والمخطط بلغت 1.722 مليون طن في السنة المالية.
وتكشف هذه الأرقام أن زيادة تشغيل المصفاة لا تعني بالضرورة أن كامل الزيادة ستتحول إلى ديزل، فمزيج المنتجات يتحدد بحسب نوع الخام، وتصميم الوحدات، وهوامش الربح، والطلب على المشتقات الأخرى.
أما أونسان، فتبدو مساحة المناورة فيها أضيق، إذ بلغ معدل تشغيل وحدات تقطير الخام فيها نحو 96% عام 2025، مما يعني أن المصفاة كانت تعمل بالفعل قريبا من طاقتها التشغيلية القصوى، مما يحد من قدرتها على زيادة إنتاجها دون توسعات إضافية.
وفي يوسو، تبدو الصورة قريبة من ذلك، فقد بلغ معدل تشغيل المصفاة نحو 95% في الربع الأول من 2026، مع معالجة نحو 68.1 مليون برميل في تلك الفترة. ومع اقتراب التشغيل من الطاقة الاسمية البالغة 800 ألف برميل يوميا، تبدو مساحة زيادة الإنتاج محدودة نسبيا.
أما مصفاة دانغوتي، فتقدم مشهدا مختلفا، فهي لا تزال ترفع معدلات تشغيلها منذ بدء عملياتها، بعدما وصلت طاقتها إلى 700 ألف برميل يوميا، ومع مقارنة بيانات مشتريات الخام لشحنات أكتوبر/تشرين الأول 2026 التي بلغت نحو 520 ألف برميل يوميا، فإن ذلك يعني أن هناك مجالا أوسع لزيادة حجم الإنتاج.
مصدر الصورة
الأهم.. من يستطيع التصدير؟
ليس كل برميل ديزل إضافي متساويا في قيمته بالنسبة للسوق العالمية، فإذا كان البرميل يحتاج إلى عبور آلاف الأميال قبل الوصول إلى السوق التي تعاني نقصا، فقد يفقد جزءا كبيرا من ميزته السعرية بسبب الشحن والتأمين ورسوم الموانئ.
وتمثل مصفاة "جامناغار" نموذجا واضحا لما سبق ذكره، فهي ليست ضخمة فقط، بل صممت منذ البداية بدرجة عالية من التكامل والمرونة، وتملك بنية بحرية مخصصة لشحن المنتجات، والأهم أن البيانات التجارية تظهر أنها تصدر كميات ضخمة من المنتجات المكررة.
ففي النصف الأول من عام 2025 صدرت الشركة نحو 9.81 ملايين طن من الديزل، إلى جانب منتجات أخرى، فيما كانت أوروبا الوجهة الأكبر لإجمالي صادرات المنتجات المكررة بنسبة 28%.
وفي صيف 2026، ظهرت قدرة "جامناغار" مع توجيه شحناتها من الديزل إلى أوروبا والبرازيل، وهما سوقان متباعدتان جغرافيا، مما يبرز قدرة المجمع على توجيه منتجاته إلى أسواق بعيدة ومتنوعة بدل الاعتماد على نطاق جغرافي محدود.
ولا تقل الرويس أهمية من ناحية الموقع، فالمصفاة تقع على ساحل الخليج العربي، وتصفها أدنوك بأنها مهيأة لخدمة عملاء التصدير، كما تمتلك 3 أرصفة بحرية تسمح بتحميل سفن عدة في الوقت نفسه. وتقول الشركة إن فائض المنتجات عن الطلب المحلي يتم تصديره إلى آسيا وأوروبا بشكل رئيسي.
أما كوريا الجنوبية، فتتمتع مصافيها الكبرى بموقع بحري يضعها في قلب طرق التجارة الآسيوية، وتقول "جي إس كالتيكس" إن مصفاة "يوسو" مصدر عالمي للمنتجات النفطية، ويضم مجمعها مخزونات ومنشآت بحرية واسعة. وتصبح هذه الميزة أكثر أهمية في عام 2026 مع توقف صادرات المنتجات الصينية، إذ ستبحث الدول التي تعتمد على واردات الديزل الصينية عن بدائل قريبة نسبيا.
مصدر الصورة
هل تكفي هذه المصافي لسد الفجوة؟
لا توجد في سوق الديزل فجوة عالمية واحدة يمكن سدها ببساطة عبر إضافة ما تبقى من طاقات المصافي غير المستغلة، فالبرميل الإضافي الذي تنتجه المصفاة لا يتحول بالضرورة إلى ديزل، كما أن إنتاج الديزل لا يعني تلقائيا إمكانية تصديره إلى السوق التي تحتاجه.
لذلك فإن حجم الطاقة التكريرية غير المستغلة لا يكفي وحده لقياس قدرة السوق على زيادة إمدادات الديزل، وإنما تتوقف هذه القدرة أيضا على معدلات تشغيل المصافي ومزيج منتجاتها ومدى إمكانية تصدير الكميات الإضافية.
ويبرز مجمع "جامناغار" الهندي باعتباره أحد أكثر الحالات وضوحا، إذ تبلغ طاقته التكريرية نحو 1.4 مليون برميل يوميا، ولا يعتمد فقط على حجمه، بل يتمتع بمرونة كبيرة في إنتاج مشتقات النفط وبنية متكاملة لاستقبال الخام وتصدير المنتجات.
ويقع المجمع قرب منشآت بحرية تمكنه من الوصول إلى الأسواق البعيدة عن الهند، ومن ثم فإن قدرته على توفير الديزل للأسواق الخارجية ليست نظرية.
أما مصفاة "دانغوتي" النيجيرية، فهي مثال بارز للطاقات الإضافية المرشحة لدخول السوق مع استمرار رفع معدلات تشغيلها، إذ بلغت طاقتها التكريرية 700 ألف برميل يوميا وفقا لأحدث البيانات.
وتظهر تقديرات صندوق النقد الدولي أن الديزل يشكل نحو 26% من إجمالي مزيج إنتاجها عند التشغيل الكامل، مع قدرة المصفاة على توجيه قرابة 63% من هذا الإنتاج نحو التصدير الخارجي بعد تغطية احتياجات السوق المحلية.
أما مصفاة الرويس في الإمارات، فتملك إحدى أكبر الطاقات التكريرية في المنطقة، إلى جانب بنية تحتية متقدمة لتخزين المنتجات وتحميلها للتصدير. لكن موقعها في الخليج يجعل قدرتها على زيادة الإمدادات إلى الأسواق الخارجية مرتبطة بظروف الملاحة في مضيق هرمز، إذ أدت اضطرابات حركة الناقلات عبر المضيق عام 2026 إلى تعقيد تصدير المنتجات النفطية من الخليج.
ورغم امتلاك المصفاة القدرة الإنتاجية والبنية التصديرية التي تؤهلها لتوفير كميات إضافية من الديزل، فإن حجم ما يمكن أن يصل فعليا إلى الأسواق المستوردة يتوقف على قدرتها على تجاوز اختناقات النقل البحري، وليس على طاقة المصفاة وحدها.
ومن هنا تصبح أزمة الديزل اختبارا حقيقيا لشبكة التكرير العالمية، فمن يملك القدرة على تخفيف الضغط عن سوق الديزل ليس بالضرورة صاحب أكبر طاقة تكريرية، وإنما من يستطيع تحويل هذه الطاقة إلى براميل إضافية من الديزل، ثم تصديرها ونقلها إلى الأسواق التي تحتاجها في الوقت المناسب.