برفقة عائلات العاطلين.. "مسيرة الكرامة" تقترب من العاصمة التونسية
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تونس- يشارك الشاب حفناوي بن جدو، وهو حامل لشهادة عليا منذ 21 سنة، في "مسيرة الكرامة" للعاطلين عن العمل، وبعد أيام من السير على الأقدام، وتقترب مسيرتهم التي انطلقت من سيدي بوزيد من العاصمة تونس. يقول للجزيرة نت بصوت متحشرج بالدموع "العاطل عن العمل يعاني أشياء كثيرة، يعاني التهميش، ويعاني الإحساس بالنقص داخل المجتمع".
ويضيف أن "العاطل لا يعاني وحده، بل يعاني معه أمه وأبوه اللذان أفنيا عمرهما في تدريسه".
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 بالفيديو.. لقطة تسلل تشعل الغضب في مباراة تونس وليبيا للشباب
* list 2 of 2 ثورة بلوائح الأندية.. الكاف يقر تعديلات تاريخية ويحدد موعد ومكان جوائز 2026 end of list
وكانت "مسيرة الكرامة" قد انطلقت صباح الأحد 27 سبتمبر/أيلول 2026 من منزل بوزيان في محافظة سيدي بوزيد، باتجاه العاصمة وقصر قرطاج، في تحرك يطالب أساسا بتفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025 المتعلق بالانتداب الاستثنائي لمن طالت بطالتهم من خريجي التعليم العالي.
وقدّرت لجنة تنسيق المسيرة عدد المشاركين بأكثر من 120 شخصا، بينهم عاطلون عن العمل من محافظات أخرى التحقوا بها خلال الطريق، إلى جانب آباء اختاروا السير مع أبنائهم.
مصدر الصورة
طالت بطالتهم
أقدام أنهكها الطريق، وأجساد أثقلها التعب، لكن ما يحمله المشاركون في مسيرة الكرامة معهم إلى تونس العاصمة أقدم من هذه الرحلة وأثقل منها: سنوات طويلة من الانتظار، وشهادات لم تفتح لهم أبواب العمل، وأحلام مؤجلة تتقاسمها معهم عائلاتهم.
ولم يكن الطريق الذي يقطعه هؤلاء مجرد مسافة بين سيدي بوزيد والعاصمة، بل خلف كل خطوة قصة انتظار، وخلف كل مشارك سنوات من البحث عن فرصة لم تأت. فيما تحولت البطالة بالنسبة إلى كثير منهم من غياب وظيفة إلى شعور بالحرمان والتهميش، وأزمة تمتد من العاطل إلى أسرته.
بالنسبة إلى حفناوي، لم تعد البطالة مجرد سنوات تمر من دون وظيفة، بل تجربة تركت آثارها على علاقته بالمجتمع وعلى أسرته التي تحملت بدورها كلفة سنوات الدراسة والانتظار.
مصدر الصورة
معاناة متشعبة
لا تختلف قصص المحتجين، وتلتقي جميعها عند وجع طال وأمل يطاردونه منذ سنوات. بالنسبة إلى نهى أولاد نصر، وهي أيضا من منزل بوزيان، اختُزلت سنوات طويلة من حياتها في انتظار فرصة تمكنها من تأمين مستقبلها ومستقبل طفليها. تقول للجزيرة نت إن 15 سنة من البطالة دفعتها إلى القدوم من سيدي بوزيد إلى العاصمة سيرا على الأقدام.
نهى، الحاصلة على شهادة جامعية في اختصاص الاقتصاد، مطلقة وأم لطفلين، تتساءل: من سيعيلهم؟
جربت نهى العمل في أكثر من مجال، كما تقول، لكن ما حصلت عليه من أعمال لم يكن كافيا لتأمين العيش الكريم لها ولأبنائها.
ولا يقتصر أثر البطالة على أصحاب الشهادات الذين قطعوا الطريق نحو العاصمة، فقد قرر عدد من الآباء السير إلى جانب أبنائهم، بعدما تحولت سنوات انتظار العمل إلى عبء تتحمله الأسرة بأكملها. إذ تحولت البطالة، بالنسبة إلى المشاركين، من أزمة فردية إلى أزمة تمس العائلة بأكملها، وتؤجل مشاريع الحياة والاستقلال وتضع الأسر أمام سنوات إضافية من الانتظار.
يقول العم عبد القادر، والد أحد المشاركين في المسيرة، جاء لدعم ابنه، للجزيرة نت، إن العائلات دفعت من عمرها وأرزاقها الكثير من أجل أبنائها، ولا يعقل أن يذهب كل ذلك سدى.
وتكشف مشاركة عبد القادر وغيره من الآباء والأمهات وجها آخر لأزمة البطالة، إذ تمتد سنوات الانتظار إلى كامل الأسرة التي أنفقت على التعليم، وساندت خلال سنوات البحث عن عمل، وظلت تنتظر.
مصدر الصورة
الطريق لم يكن سهلا
ولم تكن الرحلة إلى العاصمة سهلة بالنسبة إلى المشاركين. تقول نسمة محفوظي، وهي عاطلة عن العمل ومنسقة للمسيرة -للجزيرة نت- إن المشاركين تعرضوا بداية المسيرة للإرهاق، مما اضطرهم إلى التوقف للراحة ومعالجة بعض الحالات، قبل أن يستأنفوا السير.
وتعرض اثنان من المشاركين لحادث مرور في 3 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بعدما صدمتهما دراجة نارية، وفق ما نقلته إذاعة "ديوان أف أم" عن الكاتب العام المحلي للشغل بمنزل بوزيان. ونُقل المصابان إلى مستشفى كندار، فيما اضطر أحدهما إلى الخضوع لعملية جراحية.
وكان عدد من نساء ورجال من خريجي الجامعات، ممن أنهكتهم سنوات البطالة وطول الانتظارالمشاركين في "مسيرة الكرامة" قد دخلوا المستشفى، بعد ساعات من السير باتجاه العاصمة، وكانوا قد اضطروا إلى التوقف مؤقتا بعدما عجزت أجساد عدد منهم عن مواصلة الطريق بعد أن قطعوا نحو 300 كيلومتر سيرا على الأقدام للمطالبة بحقهم في العمل.
ورغم الإرهاق والإصابات، استمرت المسيرة باتجاه العاصمة، والتحق بها خلال الطريق عدد من العاطلين عن العمل من محافظات أخرى.
مصدر الصورة
تفعيل القانون قبل اللقاء
وتأتي المسيرة في وقت يطالب فيه المشاركون بتفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025، المتعلق بالأحكام الاستثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم في القطاع العام والوظيفة العمومية.
وصدر القانون في ديسمبر/كانون الأول 2025، ويتعلق بانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم، ممن تتوفر فيهم شروط محددة، عبر آلية استثنائية بالقطاع العام والوظيفة العمومية. وينص على إحداث منصة رقمية لتسجيل المترشحين وترتيبهم وفق معايير من بينها السن، وسنة التخرج والوضعية الاجتماعية، على أن تتم الانتدابات على دفعات خلال مدة لا تتجاوز 3 سنوات من تاريخ صدوره.
لكن المحتجين يقولون إن القانون لم يتحول بعد إلى إجراءات عملية، ويطالبون بإطلاق المنصة الإلكترونية الخاصة بالتسجيل، والشروع في انتداب الدفعة الأولى، والإعلان عن روزنامة واضحة للانتدابات.
ومع اقتراب المسيرة من العاصمة، تحدث المشاركون عن محاولات من رئاسة الجمهورية للتواصل معهم. لكنهم يقولون إن مطلبهم الأساسي واضح: تنفيذ القانون والبدء في الإجراءات التي تضمن الانتداب.
تقول محفوظي "نريد تطبيق القانون، وليس مقابلة الرئيس". وفي المقابل، لم يتسن للجزيرة نت استجلاء موقف رئاسة الجمهورية من المسيرة أو من مطالب المشاركين.
مصدر الصورة
إنهاء سنوات الانتظار
بالنسبة للمشاركين في مسيرة الكرامة، لم يعد المطلوب فتح نقاش جديد حول معاناتهم، فقد أمضى بعضهم أكثر من عقدين في انتظار الحل: حفناوي ينتظر منذ 21 عاما، ونهى منذ 15 عاما، وآباء يقولون إنهم دفعوا من أعمارهم وأرزاقهم الكثير من أجل تعليم أبنائهم.
وفي الطريق إلى العاصمة، اختلطت خطوات المشاركين بأصوات عائلاتهم وقصصهم الشخصية، وتحولت المسيرة إلى صورة مكثفة لأزمة لا تتوقف عند غياب الوظيفة، بل تمتد إلى الإحساس بالحرمان، وإلى الأسرة التي تحملت سنوات الانتظار معهم.
أقدام أنهكها السير، وشهادات جامعية لم تفتح أبواب العمل، وأسر تحملت سنوات من الانتظار، وخلف كل ذلك مطلب واحد يردده المشاركون: تفعيل القانون عدد 18. وإنهاء سنوات الانتظار بعمل، وبحياة يستطيعون فيها أخيرا أن يعيلوا أنفسهم وعائلاتهم بكرامة.