في نوفمبر/تشرين الثاني سيصوت الأمريكيون على انتخاب دونالد ترمب مرة أخرى، أو هكذا يرى الرئيس الأمريكي الأمر. فقد دعا في مؤتمر الانتخابات النصفية، الذي ابتدعه هذا العام للمرة الأولى، إلى أن يعتبر الأمريكيون اسمه موجودا على بطاقات الاقتراع، وأن يصوتوا على هذا الأساس. وللمفارقة، أسعدت هذه الدعوة عددا من المرشحين عن الحزب الديمقراطي ودفعتهم إلى مطالبة ناخبيهم بفعل ما قاله ترمب. كما قدم الرئيس لأنصاره المحتشدين في دالاس وعدا غير مسبوق بأن يدفع مكافأة 5 آلاف دولار لكل مواطن بالغ، أي نحو 1.2 تريليون دولار من الخزانة العامة، إذا فاز الجمهوريون في نوفمبر/تشرين الثاني.

لكن القليلين في أمريكا يتوقعون اليوم أن تنجح "محاولة الرشوة المباشرة " هذه في استمالة الناخبين (بغض النظر عن إمكانية تنفيذها)، إذ يبدو أن الرئيس الثمانيني قد فقد شيئا من قدرته الاستثنائية على الاستجابة لنبض الشارع والقضايا الشعبوية التي تهم ناخبيه فعلا. تلك القدرة التي ضمنت له الفوز في انتخابات عام 2016 حين لعب على كراهية النخب السياسية القائمة، ثم أعادته بعد ثمانية أعوام إلى البيت الأبيض على حساب كامالا هاريس، مستغلا الشواغل الاقتصادية والخوف من المهاجرين. ومع انتصاف فترته الرئاسية الثانية تقريبا، يمكن القول إن ترمب تماهى بالكامل مع مصالح المجمع الصناعي العسكري ورغبات رجال المال والأعمال، وتراجع عن جل وعوده الانتخابية، فلا هو نظف "مستنقع " واشنطن كما يسميه أنصاره، ولا هو نأى بأمريكا عن الانخراط في الشرق الأوسط.

قصص مقترحة

list of 3 items
* list 1 of 3 هل تنتزع الانتخابات النصفية مفاتيح السلطة من ترمب؟
* list 2 of 3 حسابات الديمقراطيين والجمهوريين في الانتخابات النصفية الأمريكية 2026
* list 3 of 3 ترمب: حرب إيران ستنتهي بعد الانتخابات النصفية وهجمات إضافية في الطريق end of list

وفي الوقت الذي تتراجع فيه شعبية ترمب في الاستطلاعات، تشير الشواهد إلى أن مرشحي الحزب الجمهوري يحاولون أن ينأوا بأنفسهم عن مواقفه تجنبا لخسارة الولايات المتأرجحة في الانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. ورغم تجنبهم الصدام المباشر مع الرئيس ومؤيديه، نرى صورة جديرة بالتأمل لحزب يرى مرشحوه أن الوقوف إلى جانب زعيمه لم يعد ورقة رابحة في صناديق الاقتراع، وهي صورة يرسمها ما يقولونه في المنابر الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، ويبرزها أكثر ما يسكتون عنه وما يحذفونه من مواقعهم الرسمية على شبكة الإنترنت.

الذكاء الاصطناعي.. دعه ينمو دعه يمر

"يرى كثيرون أن مصطلح الذكاء الاصطناعي غير دقيق ولا فصيح. الأدق والأبلغ في وصف هذه الظاهرة الجديدة أن نسميها الذكاء الأعلى أو الذكاء الأقصى أو الذكاء المتفوق. هذا استطلاع رأي، وممتن لكل من سيدلون بأصواتهم! ما أفضل اسم لهذه الثورة الآخذة في النمو؟"

بواسطة دونالد ترامب، من منشور على منصة تروث سوشيال

لو كان هنري كيسنجر حيا اليوم، لسره للغاية كل هذا الحديث عن خطر الذكاء الاصطناعي في الصحف والقنوات ووسائل التواصل الاجتماعي. كان السياسي الأمريكي المعمر في أعوامه الأخيرة دائم الحديث عن خطر الآلات القادرة على التعلم، وحذر في حوار أجراه مع مجلة إيكونوميست البريطانية قبل عيد ميلاده المئة، من أن الذكاء الاصطناعي قد يهدد بقاء البشرية ما لم تتوصل الولايات المتحدة والصين إلى تفاهمات على احتواء خطره في غضون خمس إلى عشر سنوات على الأكثر.

إعلان

تصاعد الجدل حول خطر الذكاء الاصطناعي في سبتمبر/أيلول الماضي حين استقال الباحث جيكوب كوكسون من شركة أنثروبيك المطورة لنماذج كلود وحذر من أن من يعملون على تطوير الذكاء الاصطناعي "يؤمنون بأنه قد يقتلنا جميعا بحلول نهاية العقد ". وتبعته بعدها منشورات وأوراق بحثية من قادة أوبن إيه آي وأنثروبيك وغوغل، وحتى تغريدة استحسان من إيلون ماسك مؤسس إكس إيه آي، تحذر من السرعة البالغة التي تتطور بها التقنية الحديثة نسبيا.

أفرزت التحذيرات مشاهد وحدة يندر حدوثها، حيث يقف اليمين واليسار على جانب واحد تقريبا في هذه القضية. فقد ظهر زعيم التيار التقدمي بيرني ساندرز جنبا إلى جنب مع المفكر اليميني ستيف بانون، أحد أبرز رموز إدارة ترمب الأولى، في فعالية للتحذير من خطر تطوير الآلات ذاتية التعلم. توقع الأخير أن مراكز البيانات ستكون قضية وازنة في تحديد نتائج الانتخابات، فمؤيدو ترمب من حركة ماغا "يبغضون مراكز البيانات ويمقتون الملأ من أصحاب النفوذ، ويرون ما يحدث على حقيقته ".

وقد وصل به الأمر أن طالب بإنشاء هيئة مشابهة لوكالة الطاقة الذرية لتنظيم الذكاء الاصطناعي عالميا. حتى عبد الرحمن السيد الديمقراطي التقدمي وستيف روجرز مرشح الجمهوريين، اللذان لا ينقطع هجومهما الضاري بعضهما على بعض في إطار السباق المحتدم في ولاية ميشيغان، اتفقا على مسألة الذكاء الاصطناعي، فطالب الأول بـ "الإيقاف الشامل " لتطويره، وأكد الثاني أن "موعد التصدي لهذه الأزمة كان بالأمس "، وأن تنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي سيكون على قائمة أولوياته إذا فاز.

مصدر الصورة يعد الجدل حول مستقبل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات أحد القضايا المهمة في الانتخابات النصفية (مولدة بالذكاء الاصطناعي – الجزيرة)

يعكس هذا التوافق النظرة السلبية المتشككة في الذكاء الاصطناعي المسيطرة على الشعب الأمريكي، وتدعمها الاستطلاعات الأخيرة التي أظهرت أن الغالبية ترى تطوير هذه التقنية أمرا سيئا للمجتمع، حيث يشير استطلاع أجرته "غالوب " أن أكثر من ربع الأمريكيين يخافون أن تأخذ الروبوتات الذكية وظائفهم. وتحظى مراكز البيانات بالأخص بنصيب وافر من النفور والريبة عند قواعد الحزبين، إذ يعارض أكثر من 60% من الأمريكيين و47% من قواعد الجمهوريين بناء مجمعات مراكز البيانات العملاقة الضرورية لتشغيل النماذج الكبرى، بحسب استطلاع لصحيفة نيويورك تايمز . وناهزت النسبة 80% في صفوف الفئة تحت الثلاثين عاما.

بلغ الأمر أن بعض السباقات الانتخابية شهدت توجيه اتهامات للمرشح المنافس بدعم إنشاء مراكز البيانات، كما فعل المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو شيرود براون، الذي اتهم منافسه الجمهوري جون هستد بأنه كان رأس الحربة وراء إنشاء نحو 230 مركز بيانات جديدا في الولاية، وأنه دفع الهيئة التشريعية إلى منح مشغليها إعانات ضريبية بقيمة 2.5 مليار دولار. وتشير الأرقام إلى ارتفاع متوسط فاتورة الكهرباء في أوهايو بنحو 55% بين يوليو/تموز 2021 ويوليو/تموز 2026، وإن كان ذلك الارتفاع لا يمكن عزوه إلى مراكز البيانات وحدها.

إعلان

وفي كاليفورنيا، أصدر الحاكم غافن نيوسوم، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه مرشحا ديمقراطيا محتملا لانتخابات الرئاسة عام 2028، أمرا تنفيذيا لتسريع الرقابة المستقلة على شركات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. وكلف الأمر خبراء بدراسة ضوابط إضافية، بينها إمكان مطالبة الشركات بتطوير آلية إيقاف طارئة، أو "زر قتل "، للنماذج المتقدمة.

"يؤيد ترمب بحماسة تطوير الذكاء الاصطناعي بخلاف العديد من رموز حزبه والسواد الأعظم من قواعده الانتخابية "

وبينما يتسابق الحزبان لتقديم مشروعات قانون تظهر وعيهما بالمشكلة وسعيهم لطمأنة الأمريكيين، كان ترمب صوتا ناشزا عن "شبه الإجماع " الوطني، ورفض رفضا باتا الدعوات التي وصفها بـ "المريضة " و "المشبوهة " للتريث في تطوير الذكاء الاصطناعي، الذي وصفه بالثورة الصناعية القادمة. ولم يفوت الرئيس الفرصة ليمتدح ذكاءه الذي يراه أهم ضامن لحماية التقنية من السير في المسار الخاطئ، ويهاجم الحملات الكاذبة من "الغبوقراطيين " كما يسميهم على مراكز البيانات "الرائعة " التي زادت الأجور وأمنت الشوارع وقللت الضرائب، وهي حملات بالنسبة له لا تختلف عن أكذوبة التغير المناخي ومشاركة الرجال في رياضات النساء.

وفي منشور على تروث سوشيال قال ترمب صراحة: "لن نعرقل أو نكبح بأي شكل نمو هذه صناعة الرائعة، بل سنعززها ونمد لها يد العون، ونسهر عليها حتى تنمو "، متوقعا أن تسهم بنحو ربع الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا في المستقبل. واستقر في النهاية على تسميته "الذكاء الخارق " في جميع الوثائق الرسمية للحكومة الأمريكية، وطفق يدعو مسؤولي الدول الأخرى إلى تبني المصطلح الجديد.

فما سر دفاع ترمب المحموم عن الذكاء الاصطناعي؟ إذا تجاهلنا استخدامه المكثف للتقنية في إظهار تفوقه، فربما السبب الأبرز هو الأصوات المقربة منه التي تعارض دعوات التمهل، وعلى رأسها المدير التنفيذي لإنفيديا جينسين هوانغ، وبدرجة أكبر مستشاره السابق ديفيد ساكس الذي قال مؤخرا إنه لا يرى أي حاجة إلى قوانين فيدرالية لتنظيم الصناعة، وإن الشركات عليها تولي حماية العالم من مخاطر الذكاء الاصطناعي بنفسها. كان ساكس "قيصر " ترمب للذكاء الاصطناعي قبل استقالته في مارس/آذار الماضي، وهو المنصب ذاته الذي يريد ترمب استحداثه الآن على رأس فرقة عمل كاملة. لكنه رغم مغادرته البيت الأبيض لم ينقطع تواصله مع الرئيس عبر الهاتف والرسائل النصية، حسبما قالت مصادر مطلعة لموقع بوليتيكو .

لا ينفي هذا وجود أسباب واقعية لعزوف إدارة ترمب عن إبطاء عجلة تطوير التقنية، فالفوز في السباق المحموم مع الصين على رأس أولوياتها، والتخلف عنها ولو نزرا يسيرا قد يعني أنه "لا نهار سيطلع بعد غد " على الولايات المتحدة، حسبما قال وزير الخزانة سكوت بيسنت. ومع أن الصين تواجه تهديدات مماثلة لما أبرزته أوبن إيه آي وأنثروبيك من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، فإن غياب الثقة بين واشنطن وبكين يصعب معه أن تتوقف إحداهما عن تدريب نماذجها دون اتفاق صارم مع الأخرى، مهما أبدى ترمب والرئيس الصيني من ود لبعضهما خلال لقائهما.

حرب بلا نهاية في الأفق

قد تكون الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في فبراير/شباط من أقل الحروب شعبية في التاريخ الأمريكي. ولعل الأرقام توضح السبب، إذ تكلف الحرب موازنة الولايات المتحدة من مليارين إلى 3 مليارات دولار في الشهر الواحد وفقا لتقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس، وهي موازنة مرشحة للزيادة إذا احتدّت المواجهات وتبادل إطلاق النيران. وقد قفزت التكلفة الإجمالية إلى نحو 44 مليار دولار حتى 3 سبتمبر/أيلول، منها 60% للقنابل والصواريخ والذخائر.

لكن ما يهم المواطن أكثر من التكلفة المباشرة على الميزانية الفيدرالية هو انعكاس الحرب على الأسعار. فقد رفعت الاضطرابات الدائرة عند مضيق هرمز وباب المندب متوسط سعر الديزل بنسبة تتجاوز 60% منذ بداية العام إلى أعلى مستوى تاريخي لها عند 6 دولارات للجالون، ما أدى إلى زيادة تكاليف المعيشة زيادة يصعب تجاهلها في العديد من الولايات، وبالأخص في ألاسكا وآيوا وكانساس ونبراسكا وغيرها من ولايات الشمال الشرقي التي لا غنى لسكانها عن الديزل وزيوت التدفئة المنزلية في مواجهة برد الشتاء القارس.

إعلان

وتلعب تكاليف الوقود بالأخص دورا ليس هينا في تشكيل رؤية الناخبين لأداء الإدارات الأمريكية، فالعبء الإضافي من زيادة الأسعار قد يؤدي إلى استفزاز الديمقراطيين للخروج للتصويت، وتثبيط الجمهوريين عن المشاركة، وقد تكون هذه الأصوات الهامشية حاسمة في السباقات المحتدمة في الولايات المتأرجحة. أما الأثر على أسعار الغذاء فقد يتأخر قليلا، لكنه قادم لا محالة.

مصدر الصورة الحرب على إيران رفعت متوسط سعر الديزل بنسبة تتجاوز 60% منذ بداية العام (الفرنسية)

حاول ترمب إلقاء اللوم على ضربات أوكرانيا لمحطات تكرير الديزل في روسيا، وطالب الرئيس زيلينسكي بالتوقف عن استهدافها، لكن خبراء يقولون إن المستويات القياسية لا يمكن تفسيرها بالضربات الأوكرانية وحدها بمعزل عن هرمز. ورغم تصريحات ترمب وإدارته بين الفينة والأخرى عن فتح المضيق أمام حركة السفن، أو اختراق في المفاوضات، أو اقتراب نهاية الحرب، فإن كثرتها وتناقضها أفقدها معظم فعاليتها سواء في تحريك الأسواق أو في استمالة الرأي العام رغم زيادة حركة السفن العابرة للمضيق خلال الأسابيع الماضية.

ثم جاءت الموافقة على صفقة أسلحة بقيمة 2.8 مليار دولار إلى إسرائيل تضمنت 40 ألف قنبلة زنة ألفي رطل في وقت بالغ السوء، وتلقفها كما هو متوقع أعضاء الكونغرس الديمقراطيون في لجنة الشؤون الخارجية، وحالوا دون تمريرها لتسجيل نقاط سياسية قبل الانتخابات، متذرعين بمخاوف من أن تؤجج الصفقة الحرب الإيرانية أكثر. رغم أن الإدارة الأمريكية تملك صلاحية تمرير الصفقة منفردة بذريعة الأمن القومي.

كان من المتوقع أن السياسيين الراغبين في إعادة انتخابهم سيرفضون إنفاق المزيد من الدولارات على تغيير أنظمة في بلاد تبعد آلاف الكيلومترات عن شواطئ أمريكا بدلا من توجيهها إلى حل المشكلات الداخلية وتحسين مستوى معيشة المواطن. وهو ما حدث بالفعل من نائبين جمهوريين عن ولاية آيوا، وكلاهما من المحاربين القدامى، يواجهان معركة انتخابية وشيكة، إذ تراجع الاثنان عن موقفهما السابق وصوّتا بنعم على إنهاء الحرب في منتصف سبتمبر/أيلول.

"هناك أصوات جمهورية من الصف الأول باتت تدعو علنا، ولو على استحياء، إلى التوصل إلى تسوية للحرب "

واحد من النائبين هو زاك نان، الذي خدم في القوات الجوية الأمريكية وظهر إلى جانبه وزير الدفاع بيت هيغسيث نفسه في حملته الانتخابية وتباهى بأنه "مستعد لاتخاذ مواقف صعبة والإدلاء بصوته نصرة للحق نيابة عن محاربي جيشنا ". ومع ذلك، صرح نان برفضه استمرار العمليات القتالية في ظل غياب المفاوضات، مضيفا أنه لن يدعم "حربا مفتوحة أخرى "، بينما قالت المرشحة الثانية ماريانيت ميلر-زيكس إنها لن تصوت لاستمرار الجنود في القتال "بينما أهل آيوا ينفقون مبالغ باهظة عند مضخات الوقود ".

وصلت هذه النبرة إلى أصوات جمهورية من الصف الأول باتت تدعو علنا، ولو على استحياء، إلى التوصل إلى تسوية للحرب. وكان أبرزها رئيس مجلس النواب مايك جونسون، الذي قال إن منع إيران من امتلاك قدرة نووية ظل أولوية لجميع الإدارات الأميركية "لما يقرب من 50 عاما "، وإن الهدف تحقق بعد ما وصفه بـ "النجاح الأسطوري " لعملية الغضب الملحمي. وأضاف: "لكن علينا الآن أن نصل إلى حل ".

لكن ترمب واصل الجمع بين عرض التفاوض والتهديد بالتصعيد. ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال إنه يواجه خيارا بين اتفاق يتيح لإيران إعادة البناء، وبين "إبادة الجمهورية الإسلامية " سريعا إذا لم يُتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويضمن، بحسب تعبيره، ألا تمتلك طهران سلاحا نوويا. ومع ذلك، رجح في الخطاب نفسه إمكان التوصل إلى اتفاق بعد انتخابات التجديد النصفي.

مصدر الصورة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يلقي خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر/أيلول 2026 (رويترز)

سياسات تعمق الأزمة الاقتصادية

لا يقتصر الأمر على الآثار العالمية التي خلفتها حرب إيران، بل إن ولاية ترمب الثانية شهدت تشكيلة من السياسات الاقتصادية غير المدروسة التي أضرت بشرائح رئيسية من قاعدته الانتخابية. وكان السجال التجاري مع كندا أحد هذه السياسات التي ربما لن يتأثر بها اقتصاد الولايات المتحدة ككل، لأن التعريفات الجمركية مفروضة على 6% فقط من حجم التبادل التجاري مع الجارة الشمالية، لكن بعض الولايات والصناعات في أمريكا تعتمد على كندا أكثر من غيرها بكثير. على سبيل المثال، قد يكلف تأييد سياسات العداء تجاه كندا مرشحة مثل سوزان كولينز مقعدها في مجلس الشيوخ عن ولاية ماين، الذي تحاول الاحتفاظ به في نوفمبر/تشرين الثاني. وقد سارعت كولينز إلى وصف حرب ترمب التجارية بأنها "زلة ".

إعلان

ومن بين هذه الولايات أيضا ميشيغان، التي باعت واشترت من كندا بـ66 مليار دولار العام الماضي فقط، وبالأخص من مقاطعة أونتاريو. وقد وجه المرشح الجمهوري مايك روجرز انتقادا مائعا لإدارة ترمب في أواخر أغسطس/آب، قائلا في منشور على منصة إكس إنه يتفق مع الرئيس على أن مصلحة أمريكا أولا، لكن السياسات التجارية ليست قالبا واحدا يناسب جميع الحالات.

"حتى عندما تحاول الإدارة تخفيض الأسعار، تثير سياساتها سخط شرائح مهمة للغاية في قاعدة ترمب "

وحتى عندما تحاول الإدارة تخفيض الأسعار، تثير سياساتها سخط شرائح مهمة للغاية في قاعدة ترمب. فقد دفعها ارتفاع أسعار اللحوم إلى إعلان خطة لاستيراد اللحم المفروم بجمارك مخفضة لمدة 90 يوما، ما قوبل بموجة غضب واسعة من المزارعين الأمريكيين الذين يعانون من ارتفاع تكاليف الطاقة وأسعار الأسمدة بسبب عوامل عدة من بينها خفض ميزانية وزارة الزراعة الأمريكية، وعليهم الآن أن يتنافسوا مع لحوم بأسعار مخفضة من مصادر خارجية. وهو ما دفع السيناتور الجمهوري عن ولاية مونتانا، تيم شيهي، إلى تبرئة ساحته في منشور قال فيه: "لقد نصحت الرئيس ترمب بالعدول عن هذا المسار لمدة عام "، محذرا من أن القرار "يلحق المزيد من الضرر بأصحاب المزارع، وكثير منهم من جمهوريي ماغا ".

ومع الارتفاع المستمر في الأسعار وتخبط السياسات الاقتصادية لإدارة ترمب، تآكل الرضا عن حال الاقتصاد حتى في أوساط الجمهوريين أنفسهم، بحسب استطلاع أجرته صحيفة نيويورك تايمز وجامعة سيينا في سبتمبر/أيلول، إذ لم تتجاوز نسبة الجمهوريين الذين يرون أن الاقتصاد في حال أفضل مقارنة بالعام الماضي، حاجز 30%، في تراجع هائل عن 72% في يناير/كانون الثاني الماضي.

يظهر من كل هذا أن الخلاف بين سياسات ترمب وتوجهات قواعد حزبه يتسع باستمرار في بعض الملفات، مهددة سباقات انتخابية كانت تعد محسومة للجمهوريين. ولعل إعلان النائبة ماريا إلفيرا سالازار، التي تخوض الانتخابات النصفية للاحتفاظ بمقعدها بولاية فلوريدا، كاشفا لهذا الخلاف بين الرئيس وحزبه، إذ قالت مخاطبة ترمب مباشرة: "سيدي الرئيس، بعض جهود فرض قوانين الهجرة قد جاوز المدى.. إن الهسبانيين الذين أوصلوك إلى البيت الأبيض عام 2024 يشعرون اليوم بالخيانة ". لم يلقِ ترمب بالا لاعتراضاتها بالطبع، قائلا إن الفضل يرجع إليه من الأصل في انتخابها بالولاية، بل وأصر على أنه يكترث بأمن الحدود أكثر من ماريا، وهي الهسبانية وسليلة المنفيين من كوبا. شريحة أخرى حملت ترمب إلى الرئاسة قبل حوالي عامين، ويصب ترمب عليها الغضب اليوم بلا كثير اهتمام. فهل يدفع الحزب الثمن في نوفمبر/تشرين الثاني؟