في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

من غرفة العمليات إلى المعتقل.. ومن إنقاذ الجرحى إلى فقدان الأبناء والأزواج، يرصد فيلم "غزة.. أطباء تحت النار" شهادات أطباء ومسعفين فلسطينيين، إلى جانب جندي وأطباء إسرائيليين، عن الحرب، التي يقول الفيلم إنها وضعت المنظومة الصحية في غزة أمام واحدة من أقسى محنها.

ولم يكن الجندي الإسرائيلي السابق يتحدث عن معركة في ساحة قتال، بل عن معتقلين داخل "سدي تيمان". ويظهر في الفيلم مخفيا هويته، ويقول إنه يشعر بالخوف من كشف شخصيته، لكنه قرر الحديث عما شاهده داخل المعتقل من اعتداءات على فلسطينيين، بينهم أطباء ومسعفون.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 على بعد خطوات منه.. 35 قرارا إسرائيليا تفصل فلسطينيا عن المسجد الأقصى
* list 2 of 2 الزيتون يدفع ثمن التصعيد.. هجمات المستوطنين تمتد من نابلس إلى الخليل end of list

يقول إن بعض الجنود كانوا يتحدثون عن ضرب المعتقلين وكأنه أمر عادي، وإن بعضهم كان يتفاخر بما يفعله، مشيرا إلى أن الاعتداءات لم تكن دائما، بحسب روايته، تصرفات فردية، بل شارك فيها أو علم بها بعض القادة. ويصف شعوره قائلا إن ما شاهده كان "صادما" وإنه شعر بخجل شديد مما يحدث.

لكن شهادة الجندي لم تكن وحدها.. حيث يتحدث الفيلم إلى طبيب إسرائيلي عمل في مستشفى ميداني داخل "سدي تيمان" لكنه يشترط عدم الكشف عن هويته. ويروي الطبيب أنه شاهد معتقلا فلسطينيا يخضع لعملية جراحية مؤلمة، من دون أن تشرح له طبيعة العملية أو يحصل على موافقته، ويقول إنه لم يتلق مسكنا للألم قبل العملية أو خلالها أو بعدها.

وكان الطبيب يرى المريض يصرخ من شدة الألم، لكنه يقول إنه لم ير أحدا يتدخل. ويصف طريقة التعامل مع المعتقلين، قائلا: إنهم كانوا يتحولون إلى أرقام، معصوبي الأعين ومقيدي الحركة، وهو ما جعل التعامل معهم، بحسب رأيه، أسهل نفسيا. ويقول إنه بدأ يشعر بأنه، كطبيب، أصبح بطريقة ما شريكا في المعاملة التي يتعرض لها المعتقلون.

من المستشفى إلى المعتقل

بعد الشهادتين الإسرائيليتين، ينقل الفيلم المشاهد إلى الطرف الآخر من القصة: أطباء فلسطينيون يقولون إنهم انتقلوا من غرف العمليات إلى غرف التحقيق والاحتجاز. الجراح عصام أبو عجوة أحد هؤلاء. كان في غرفة العمليات بالمستشفى الأهلي المعمداني عندما اقتيد، وفق شهادته، إلى الاحتجاز.

إعلان

يقول إنه أمضى 137 يوما في "سدي تيمان" وإنه تعرض للضرب أثناء التحقيق، مضيفا أن أحد المحققين كسر أسنانه بفرشاة حمام، بينما استخدم آخر كماشة لشد أحد أظافره. لكن أكثر ما بقي عالقا في ذاكرته، بحسب روايته، كان تعامل طبيب إسرائيلي معه.

يقول إنه طلب طبيبا بسبب الألم، فجاءه الطبيب وقال له "أنت مجرم" ثم ضربه على قدميه وهدده بالقتل إذا طلب الطبيب مرة أخرى. وحين ذكره أبو عجوة بأنه طبيب أيضا، جاءه الرد، وفق شهادته "أنا طبيب بس أنت مجرم".

مستشفيات تتحول إلى ساحات حرب

لكن قصة الأطباء لم تبدأ في المعتقل. يقول الفيلم إن المستشفيات في غزة تعرضت خلال الحرب للهجمات والإخلاء والتدمير، بينما واجه العاملون في المنظومة الصحية نقصا حادا في الكهرباء والوقود والأدوية والمستلزمات. ففي مستشفى الشفاء، كان الأطباء يعملون وسط أعداد متزايدة من الجرحى.

كانت غرف العمليات تعمل في ظروف استثنائية، واضطر الأطباء إلى استخدام وسائل إضاءة بديلة، بينما كان نقص المعدات والأدوية يضعهم أمام خيارات صعبة. ويقول الفيلم إن الطبيب لم يعد يملك ما يكفي لإنقاذ الجميع، لكنه كان مضطرا إلى الاستمرار. فخلف كل باب غرفة عمليات كان هناك مريض ينتظر فرصة أخرى للحياة.

عدنان البرش طبيب خرج ولم يعد

من أكثر القصص إيلاما في الفيلم قصة الدكتور عدنان البرش، رئيس قسم جراحة العظام في مستشفى الشفاء، الذي رفض مغادرة شمال غزة، واستمر في العمل مع زملائه رغم القصف والحصار. وتنقل بين المستشفيات التي تعرضت للهجوم، وظل يعالج المرضى. ثم جاءت لحظة الاعتقال.

ووفق الفيلم، كان الطبيب البرش في مستشفى العودة عندما اقتاده جنود إسرائيليون. فتحدث إلى أبنائه هاتفيا، وقال لهم إنه سيعود اليوم التالي، لكن ذلك الاتصال كان آخر ما عرفته عائلته عنه. ونقل البرش إلى سجن عوفر، ويقول الفيلم إنه توفي يوم وصوله.

وعندما سئل الطبيب خالد حمودة عن شعوره بعد سماع خبر وفاة البرش، لم يقبل وصف ما حدث بأنه وفاة، وقال "هو قتل". وتتحدث شهادات سجناء قدمت إلى منظمة إسرائيلية لحقوق الإنسان عن تعرض البرش للضرب قبل وفاته.

وفي المقابل، تقول مصلحة السجون الإسرائيلية إنها ليست على علم بالادعاءات الواردة في الفيلم، بينما يقول الجيش الإسرائيلي إن إساءة معاملة المحتجزين ممنوعة وإنه يتصرف وفق القانون الدولي. لكن السؤال الذي يبقى معلقا هو "ماذا حدث للطبيب الذي دخل المعتقل ولم يخرج منه؟".

خالد حمودة.. فقد عائلته ثم عاد إلى المرضى

لم يكن البرش الطبيب الوحيد الذي حمل الحرب معه إلى غرفة العمليات. الدكتور خالد حمودة فقد، بحسب شهادته، 10 من أفراد عائلته في غارة جوية، بينهم والده وشقيقه وأطفاله الثلاثة وشقيقه الأصغر الطبيب محمد. ونجا حمودة وابنه، لكنه اكتشف لاحقا أن زوجته استشهدت أيضا. ومع ذلك عاد إلى المستشفى.

فبعد أن فقد عائلته، عاد ليعالج عائلات أخرى. وانتقل إلى مستشفى كمال عدوان، حيث واصل العمل، قبل أن يعتقل خلال اقتحام المستشفى، وفق الفيلم. وهنا يصبح الطبيب في مواجهة مفارقة قاسية: فقد أقرب الناس إليه، لكنه مطالب في الوقت نفسه بأن يواصل إنقاذ الآخرين.

حسام أبو صفية.. فقد ابنه وبقي بالمستشفى

وفي مستشفى كمال عدوان، اختار الدكتور حسام أبو صفية البقاء إلى جانب مرضاه. ولم يكن يعلم أن الحرب ستأخذ منه ابنه إبراهيم. وبعد استشهاد ابنه في غارة، قال أبو صفية أمام الكاميرا "حرقوا قلوبنا وقتلوا ابني". ومع ذلك لم يغادر. واصل العمل في المستشفى حتى توقفت الخدمة. ثم اعتقلته القوات الإسرائيلية، وفق الفيلم، واقتادته إلى "سدي تيمان" ثم سجن عوفر.

إعلان

وتتهمه إسرائيل بالانتماء إلى حركة حماس، بينما تقول محاميته إنه ليس إرهابيا وإنه محتجز دون محاكمة ويعاني من آثار التعذيب ويحرم من الرعاية الطبية المناسبة.

أطباء خلف القضبان وأمهات تنتظر

ويروي الفيلم أيضا قصة الجراح خالد السر، الذي بقي في مستشفى ناصر خلال أصعب مراحل الحرب. واعتقل الطبيب، وظلت والدته تنتظر معرفة مصيره. وبعد أكثر من 6 شهور في المعتقل، عاد إلى عائلته، ويقول الفيلم إنه أطلق سراحه دون توجيه تهمة إليه. لكن عودته لم تكن نهاية القصة، إذ يقول إنه تعرض للتعذيب أثناء احتجازه.

أما الدكتور محمد عبيد، الذي عمل خلال حصار المستشفيات، فقد اعتقل في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وفق الفيلم، وظل محتجزا.

المسعف الذي اعتذر لأمه

وفي أكثر مشاهد الفيلم إنسانية، يظهر تسجيل صوتي لمسعف فلسطيني قبل خروجه في مهمة لإنقاذ المصابين. يقول لأمه "سامحيني يما". كلمات قصيرة، لكنها تحمل معنى النهاية التي لم يكن يعرف إن كانت تنتظره. فالرجل الذي اختار إنقاذ الآخرين كان يعرف أن الطريق التي يسلكها ليست آمنة. لكن المسعف خرج. وكثيرون خرجوا بالطريقة نفسها.

وفي نهاية الفيلم تتسع الصورة من حكايات الأفراد إلى مصير منظومة صحية بأكملها. ويورد الفيلم أن عدد العاملين في الرعاية الصحية الذين قتلوا خلال الحرب تجاوز 1500، بينهم عشرات من أصحاب التخصصات العالية، وأن القطاع الصحي في غزة تعرض لدمار غير مسبوق.

لكن وراء كل رقم قصة. طبيب فقد أبناءه ثم عاد إلى غرفة العمليات. طبيب ودع أسرته ولم يعد. أم تنتظر ابنها ولا تعرف أين هو. ومسعف كانت كلماته الأخيرة اعتذارا لأمه لأنه اختار مساعدة الآخرين.