بعد أربع سنوات من الجدل: ماذا تغيّر في "المرسوم 54" وهل انتهت محاكمات الرأي في تونس؟
قال الصحفي وسام حمدي ليورونيوز: "لقد كان من الأحرى منذ البداية عدم سن هذا المرسوم، ولا الوصول إلى مرحلة تنقيحه أصلًا".
منذ إقراره في سبتمبر/أيلول 2022، لم يهدأ الجدل في تونس حول المرسوم عدد 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال. نصٌّ قُدّم عند صدوره باعتباره إطارا لمواجهة الجرائم الإلكترونية والأخبار الزائفة وحماية الأفراد والأمن العام، لكنه سرعان ما أصبح، بالنسبة إلى منتقديه، "أحد أبرز النصوص القانونية المرتبطة بملاحقة الصحفيين والسياسيين وأصحاب الرأي".
وخلال السنوات الأربع الماضية، استندت المحاكم إلى هذا المرسوم للبتّ في قضايا شملت صحفيين ونشطاء وسياسيين، بينما ظلت منظمات حقوقية وصحفية تطالب بإلغائه أو تنقيحه، خصوصا بسبب العقوبات الواردة في الفصل 24.
وفي 30 سبتمبر/أيلول 2026، أُدخل أول تعديل جوهري على هذا الفصل، بإلغاء عقوبة السجن في المخالفة الأولى واستبدالها بخطية مالية، مع الإبقاء على السجن في حالة العود.
فماذا تغيّر فعلا؟ ولماذا جاء التنقيح بعد أربع سنوات من الجدل؟ وهل يعني تخفيف عقوبة السجن أن هذه الصفحة قد طويت؟
ماهو المرسوم 54؟
وينص المرسوم، في فصله الأول، على أنه يهدف إلى الوقاية من الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال ومكافحتها، إلى جانب تنظيم جمع الأدلة الإلكترونية ودعم التعاون الدولي في هذا المجال.
لكن الفصل 24 كان منذ البداية الأكثر إثارة للجدل. فالصيغة الأصلية كانت تنص على السجن خمس سنوات وغرامة مالية قدرها 50 ألف دينار (15 ألف يورو تقريبا) "لكل من يتعمد استخدام أنظمة المعلومات والاتصال لإنتاج أو نشر أو ترويج أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو وثائق مصطنعة أو مزورة، إذا كان من شأن ذلك الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو بث الرعب بين السكان".
ودافع الرئيس سعيّد عن المرسوم ورفض الانتقادات التي تعتبره نصًا "يستهدف الصحافة"، قائلا إن الحرية لا تعني نشر الأخبار الكاذبة أو الاعتداء على الآخرين.
في المقابل، اعتبرت منظمات حقوقية وصحفية أن تطبيق هذا النص القانوني اتجه نحو قضايا مرتبطة بالتعبير والنقد السياسي والإعلامي.
ومع تصاعد الانتقادات خلال السنوات اللاحقة، ظل الرئيس يؤكد أن الحريات مضمونة في تونس .
"المرسوم سُنّ بقرار سياسي أحادي"
في حديثه ليورونيوز، يرى الصحفي وسام حمدي أن النقاش حول المرسوم 54 لا يمكن فصله عن الطريقة التي صدر بها وعن السياق السياسي الذي رافق إقراره.
ويقول حمدي:" لا يمكن الخوض أبدًا في أزمة المرسوم 54 بفصوله وأحكامه قبل وبعد التنقيح، قبل أن نقر بحقيقة أن هذا المرسوم تم سنّه منذ البداية بقرار سياسي أحادي، وأن الهدف منه لم يكن أبدًا تنقية المناخات السياسية، بل جعله أساسًا لضرب حرية التعبير وترهيب المعارضين والناقدين"، على حد قوله.
ويضيف الإعلامي التونسي: "لقد أثبتت كل القضايا والأحكام السجنية الصادرة منذ سن المرسوم أن جميع ضحاياه كانوا أساسًا من المعارضين أو الصحافيين وأصحاب الرأي المخالف للرئيس قيس سعيد، الذي يواصل انتهاج السياسة نفسها القائمة على رفض الرأي الآخر والدفع نحو مزيد تأسيس دولة الرجل الواحد"، وفق تعبيره.
ويشير المتحدث إلى أن الفصل 24، قبل تنقيحه، كان ينص على معاقبة من ينشر أخبارًا "خاطئة وكاذبة ومضللة"، وبهذا المنطق يتساءل حمدي: لماذا لم تتحرك السلطة أيضا، خلال السنوات الماضية، ضد مؤيدي الرئيس الذي روّجوا، لأخبار عير صحيحة؟ وفق تعبيره.
ويتابع الصحفي: "لم تتحرك أجهزة الدولة طيلة أربع سنوات تقريبًا ضد أنصار الرئيس الذين روجوا الأكاذيب وما زالوا يصرّون على ذلك، في المقابل اقتصر توظيف المرسوم على الزج بالخصوم السياسيين في السجون لتصحير المشهد السياسي من أي صوت ناقد أو معارض".
لم يتوقف أثر المرسوم عند المحاكمات بحسب حمدي، بل امتد أيضا إلى المجال الإعلامي والفضاء الرقمي، فيقول: "هذا ما حصل فعلًا، لم تعد لدينا صحافة حرة، ولم يعد الناس أحرارًا يعبرون عن مواقفهم بلا خوف على منصات التواصل الاجتماعي".
لماذا جاء التنقيح الآن؟
التنقيح الذي أُقرّ في نهاية سبتمبر/أيلول 2026 غيّر العقوبة الأساسية في الفصل 24.
فبعدما كان المرسوم ينص على أن ارتكاب الجنحة للمرة الأولى قد يؤدي إلى السجن وغرامة مالية، اصبح الجزاء هو دفع مبلغ يتراوح بين 10 آلاف و20 ألف دينار (ما بين 3 آلاف و6 آلاف يورو). وفي حالة تكرار الفعلة، تم الإبقاء على عقوبة السجن لمدة ستة أشهر إضافة إلى فرض غرامة قدرها 50 ألف دينار (15 ألف يورو تقريبا).
ويربط وسام حمدي توقيت التنقيح بالوضع سياسي ودبلوماسي، إذ يقول: "في اعتقادي أنها تأتي في سياق متصل مع تحرك دولي لردع الممارسات الاستبدادية التي يصر عليها النظام، خاصة أن هذا التنقيح يأتي مباشرة بعد لقاء السفير الأمريكي بوزيرة العدل، وما رافقه من قرارات تتحدث عن توطد العلاقات بين الجانبين"، وفق تعبيره.
ويضيف:"وكل هذا يشي بأن القرار لم يكن اعتباطيًا أو عودة إلى الوراء قليلًا من قبل الرئيس قيس سعيد".
هل يعني إلغاء السجن في المخالفة الأولى تراجعًا؟
ويرى الإعلامي التونسي أن هذا التغيير لا يبدل طبيعة المرسوم.
ويقول في هذا الصدد:" إن التنقيحات الحاصلة، خاصة في أحكام الفصل الرابع والعشرين، لن تغير حقيقة أن هذا المرسوم وُضع أساسًا لضرب حرية التعبير، حيث أن محاولة الإيهام بأن التخفيف في عقوبات هذا المرسوم من عقوبات بدنية سجنية إلى خطايا (غرامات) مالية هو تراجع في غير محله من قِبَل النظام".
ويرى حمدي أن :"النظام يقوم بهذه التنقيحات لتخفيف الضغط على نفسه في إطار المحافظة على البقاء"، بحسب تعبيره.
ويمضي الصحفي في قراءته قائلا: "النظام يدرك أن سجن المواطنين يثير صدمة أكبر ويدفع المجتمع المدني إلى الاحتجاج"، لذلك يتجه، وفق تقديره، "إلى تغيير شكل العقوبة، عبر فرض غرامات مالية قد تنتهي أيضًا بسجن غير القادرين على دفعها، بما يزيد عدد المتضررين منها".
ويضيف: "النظام اعتمد مقاربة جديدة تقوم أساسًا على جعل المرسوم بمثابة جباية أو ضريبة يدفعها المواطن على حرية التعبير، وبالتالي إيجاد مصدر جديد لتفيض خزائن الدولة دون أن يشعر الناس بأن هناك من يعاقب على أحكام المرسوم 54".
ويؤكد الصحفي أن موقفه لا يتعلق بالتنقيح وحده، بل بأصل القانون نفسه: "كان من الأحرى منذ البداية عدم سن هذا المرسوم، ولا الوصول إلى مرحلة تنقيحه أصلًا، لأنه بكل بساطة هو بمثابة السيف المسلط على رقاب السياسيين والصحافيين وأصحاب الرأي، خاصة في ظل وجود ترسانة كبيرة وبديلة من القوانين التي تصب في نفس الاتجاه".
"تغيير فصل واحد لا ينهي محاكمات الرأي"
لكن بالنسبة إلى نقابة الصحفيين التونسيين، فإن التعديل الأخير لا ينهي المشكلة التي تواجه العاملين في هذا القطاع.
وقال رئيس النقابة زياد الدبار ليورونيوز إن: "تنقيح المرسوم بتغيير فصل وحيد وإلغاء عقوبة السجن لا يعني انتهاء محاكمات الرأي في تونس".
ويشير الدبار إلى أن المرسوم 54 ليس النص الوحيد الذي تتم بموجبه الملاحقة القضائية. فيقول: فالصحفيون يحاكمون اليوم بمقتضى قانون الاتصالات، الذي يعود لعهد الرئيس زين العابدين بن علي، ويُحالون إلى المحاكم) بموجب قانون الإرهاب وأحيانًا القانون الجزائي، وفق تعبيره.
وبالتالي، فإن النقابة، بحسب المتحدث، لا ترى أن تعديل الفصل 24 وحده كافٍ لإنهاء ما تعتبره "ملاحقات مرتبطة بالعمل الصحفي وحرية التعبير".
ويختتم رئيس النقابة حديثه بالتأكيد على "تجديد المطالبة بإطلاق سراح الصحفيين المسجونين، ووقف ملاحقة الصحفيين بسبب عملهم".
بدورها، وصفت وكالة رويترز تعديل العقوبات في المرسوم 54 بأنه "تراجع نادر" للرئيس قيس سعيّد منذ عام 2021.
جدير بالذكر أن التنقيح أثار انتقادات أخرى، إذ قال النائب السابق ياسين العياري إن التعديل لا يلغي سجن أصحاب المدوّنات، بل "يغيّر أساسه من عقوبة سالبة للحرية إلى السجن بسبب عدم القدرة على دفع غرامات مالية باهظة".