عسل راد: الإعلام الأمريكي وافق على إبادة إسرائل لغزة وشرعن استهداف صحفييها
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قالت الباحثة والمؤرخة الأمريكية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط عسل راد إن وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى أخفقت في إطلاع الرأي العام على حقيقة ما تفعله إسرائيل في قطاع غزة. وأضافت أن هذه الوسائل أسهمت بترديدها الرواية الإسرائيلية في تطبيع استهداف الصحفيين حول العالم.
جاء ذلك في حوار أجراه معها الكاتب أموس بارشاد المحرر في مجلة جامعة كولومبيا للصحافة والزميل الأول في برنامج "ديلاكورت" التابع لها. ونشرت المجلة الصادرة عن كلية الصحافة بجامعة كولومبيا الحوار أمس الأربعاء، وتناول كتاب راد الجديد "لا تقولوا فلسطين: كيف صنع الإعلام الموافقة على الإبادة الجماعية".
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 "حلقات توراتية" في مصاطب المسجد الأقصى.. ماذا تعني؟
* list 2 of 2 فلسطين.. اقتحامات للأقصى و”قبر يوسف” وشهيد برصاص المستوطنين end of list
عناوين تُخفي الفاعل
وقد عرفت راد على منصات التواصل الاجتماعي بمنشورات تعيد فيها صياغة عناوين صحفية من مؤسسات إعلامية أمريكية تراها عبثية، لأنها في الغالب ترفض تسمية إسرائيل طرفا معتديا في حربها على غزة.
ومن أمثلة ذلك عنوان نشرته صحيفة واشنطن بوست في العاشر من أبريل/نيسان 2025 يقول "كيف انتهى المطاف بمسعفين فلسطينيين في مقبرة جماعية بغزة". وأعادت راد صياغته ليصبح " القوات الإسرائيلية قتلت مسعفين فلسطينيين ودفنتهم في مقبرة جماعية بغزة".
وفي كتابها تراجع راد التغطية الصحفية للحرب منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتخلص إلى أن الصحافة الأمريكية فشلت في إطلاع الأمريكيين على ما يجري، ويعود ذلك جزئيا إلى تمسكها بمفهوم تقليدي للموضوعية الصحفية.
وتستشهد باستطلاع أجراه مركز "بيو" الأمريكي للأبحاث في مارس/آذار 2024. وقد أظهر أن نحو نصف الأمريكيين فقط استطاعوا الإجابة بشكل صحيح عن سؤال بسيط: هل قُتل من الفلسطينيين أكثر مما قُتل من الإسرائيليين؟ وتتساءل المؤرخة كيف يجهل قطاع واسع من الجمهور هذه الحقيقة الأساسية.
ومن جانبه يشير بارشاد إلى أن إسرائيل قتلت أكثر من 1300 شخص بينهم 300 طفل على الأقل منذ سريان وقف إطلاق النار بغزة في أكتوبر/تشرين الأول 2025. أما راد فترى أن ما سمته "واجهة وقف إطلاق النار" أفسح المجال لتقليص التغطية، وكأن الحرب انتهت وحان وقت الانتقال إلى أخبار أخرى. وتؤكد أن الظروف على الأرض لم تتغير بالنسبة للفلسطينيين في قطاع غزة، غير أن عمليات القتل اليومية لم تعد تحظى إلا بتغطية ضئيلة.
من شيرين أبو عاقلة إلى مستشفى ناصر
توثق راد في كتابها أن إسرائيل قتلت حتى نهاية عام 2025 نحو 278 من العاملين في الإعلام، إضافة إلى أكثر من 700 من أفراد عائلاتهم. وتربط بين هذا الاستهداف المتواصل واغتيال مراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة في الضفة الغربية عام 2022.
وتقول راد إن شيرين لم تكن صحفية معروفة في المنطقة فحسب، بل كانت تحمل الجنسية الأمريكية أيضا. ومع ذلك تركت الولايات المتحدة لإسرائيل أن تحقق في مقتلها بنفسها. وتضيف أن إسرائيل تبرئ نفسها كل مرة تقريبا، ومن ذلك تبرئتها مؤخرا من مقتل 7 عمال إغاثة يعملون لدى منظمة المطبخ المركزي العالمي. وترى أن غياب المحاسبة في قضية أبو عاقلة مهّد لما حدث لاحقا.
وتنتقد المؤرخة طريقة تناول الإعلام لاستهداف الزملاء الصحفيين. وتستحضر منشورا لقناة "سكاي نيوز" البريطانية وصف صحفيين استهدفتهم إسرائيل في لبنان بأنهم يعملون في وسائل إعلام "مرتبطة بحزب الله". وتعلّق على ذلك قائلة "كأنهم يفسحون المجال لشرعنة استهداف زملائهم".
وتوضح أن إضافة أوصاف مثل "تابع لحزب الله" أو "مدعوم من إيران" أو " حماس" تجعل أي شخص هدفا مبررا في نظر المتلقي. وتخلص إلى أنه وبهذه الطريقة جرى تدمير غزة بالكامل.
مصدر الصورة
وتتوقف راد عند الهجوم على مستشفى ناصر في أغسطس/آب 2025 الذي تكرر فيه القصف 3 أو 4 مرات. وقد نقلته الجزيرة مباشرة، وظهرت فيه القنابل تسقط على المسعفين والصحفيين. وبررت إسرائيل الهجوم بأنها استهدفت "كاميرا لحماس" ونقلت كبرى وسائل الإعلام الرواية كما هي، ثم تبين أن الكاميرا تعود لوكالة رويترز للأنباء.
وتحذر راد من أن ترديد ما تقوله إسرائيل يمنحه الشرعية، خاصة حين يصدر عن مؤسسات ذات مكانة مثل صحيفة " نيويورك تايمز" ووكالة أسوشيتد برس. وتقول إن ذلك أرسى سابقة خطيرة جعلت الصحفيين في كل مكان أكثر عرضة للخطر بعد أن صار اغتيالهم مألوفا.
الحقيقة لا تنحاز
وتنفي المؤرخة أنها تدعو إلى عدم نقل التصريحات الإسرائيلية، وتقول إنها تطرح أسئلة. وتلفت إلى أن إسرائيل ضُبطت مرارا تكذب، لكن الإعلام لا يصف ذلك بالكذب. فبدلا من ذلك تُكتب عبارات مثل "معلومات جديدة تثير الشكوك حول رواية إسرائيل". أما حين يتعلق الأمر بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين فتُستخدم كلمات مثل "خداع" و"أكاذيب".
وتؤكد أن الحقيقة محايدة بطبيعتها، وأن رفض تسمية الإبادة الجماعية باسمها ليس حيادا بل هو انحياز، لأنه امتناع عن قول الأمور كما هي.
وتقارن راد بين خطاب إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن تجاه حرب أوكرانيا وخطابها تجاه الحرب على غزة. وتقول إن الإدارة هاجمت روسيا بسبب قمعها الصحفيين واستخدمت لغة القانون الدولي باستمرار، لكنها لم تفعل الشيء نفسه مع إسرائيل.
وتضيف أن تجويع الفلسطينيين في غزة قدم كأنه كارثة طبيعية أو نتيجة مأساوية للحرب، في حين وصف ما فعلته روسيا بأنه "استخدام للتجويع سلاحا".
مصدر الصورة
وتستشهد راد بموقف ماثيو ميلر المتحدث السابق باسم الخارجية الأمريكية الذي قال إن بلاده لا تستطيع تقييم جرائم الحرب أثناء استمرار الصراع. وتشير إلى أن الإدارة احتاجت أقل من أسبوعين لتتهم روسيا بارتكاب جرائم حرب، لكنها لم تثبت طوال نحو 15 شهرا جريمة واحدة على إسرائيل. ثم عاد ميلر بعد مغادرته منصبه ليقر بأن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب "دون شك".
لغة تجمّل الجريمة
تقول راد إن صحيفة هآرتس الإسرائيلية تتحدث أحيانا عن "إرهاب يهودي" و"مذابح" عند تغطية اعتداءات المستوطنين، في حين يكتفي الإعلام الأمريكي بكلمة "مستوطن" المحايدة التي تخفي حقيقة ما يحدث من قتل وحرق للمنازل.
وتنتقد عنوانا في "نيويورك تايمز" تحدث عن فشل الجيش الإسرائيلي في حماية الفلسطينيين من المستوطنين. وتقول إن الجيش ليس موجودا لحمايتهم أصلا، بل هو قوة احتلال وجدت لحماية الاحتلال.
مصدر الصورة
وتضرب مثلا بمدير مستشفى كمال عدوان الطبيب حسام أبو صفية المحتجز لدى إسرائيل دون تهمة منذ ديسمبر/كانون الأول 2024. وترى أنه رهينة، لكن الفلسطينيين يوصفون دائما بأنهم "سجناء". وتلفت إلى أن شبكة "سي إن إن" الأمريكية وصفت جنديا إسرائيليا بأنه "اختُطف" من قاعدة عسكرية، في حين يقال عن الأطباء الفلسطينيين إنهم "احتُجزوا" في المستشفيات.
لماذا العناوين؟
تشرح راد سبب تركيزها على العناوين بأن كثيرا من الناس لا يقرؤون ما بعدها. وتقول إن معظم الجمهور يتلقى الأخبار بشكل عابر عبر منصات التواصل أو الشريط الإخباري على شاشات التلفزة بالمقاهي والصالات الرياضية، كما أن كثيرا من المقالات لا يمكن الحصول عليه إلا باشتراكات مدفوعة.
وتستحضر تقريرا لرويترز عن مقتل عمال الإغاثة خلال عام 2025 خلا عنوانه من أي ذكر لإسرائيل. وتقول إن الفرق كبير بين القول إن "غزة أخطر مكان على عمال الإغاثة" والقول إن "إسرائيل أكبر قاتل لعمال الإغاثة" فالصياغة الأولى تغيّب الفاعل وتترسخ في وعي الجمهور دون أن ينتبه.