عالقون في بلادهم.. “مذكرات الأسد” تقيد سوريين إلى الآن | الحرة
رغم سقوط نظام بشار الأسد قبل نحو عامين، بقي وائل علوان مجبرا طوال شهور على استخراج إذن سفر في كل مرة يزور أو يغادر فيها بلده سوريا، بعدما صدر ما يزيد عن 40 مذكرة اعتقال بحقه من قبل النظام السابق.
يقول علوان، الباحث في مركز “جسور” للدراسات، إن غالبية المذكرات الصادرة بحقه ألغيت تلقائيا بعد إطاحة الأسد وحل الأجهزة الأمنية والمخابراتية والعسكرية التابعة له.
ومع ذلك بقيت ضده 9 قضايا جنائية، صدرت عليه أحكام غيابية بالإعدام في 7 منها من محكمتي الجنايات الثانية والرابعة بدمشق، إلا أنه نجح في تسوية أوضاعه القانونية عقب اجتماعه بوزير العدل السوري مظهر الويس، لافتا إلى أن النظام السابق لفق له هذه القضايا جميعها.
“حول نظام الأسد محكمة الإرهاب إلى محكمة جنايات”، يقول علوان لـ”الحرة”، وتواجه الحكومة الجديدة صعوبة في التمييز بين القضايا الجنائية، فبعضها أصله سياسي، والأخرى جنائية بالفعل، وهو وضع مربك صنعه النظام السابق متعمدا.
وتشير إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية السورية إلى أن عدد السوريين الممنوعين من السفر حتى سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 بلغ 8.3 ملايين حالة.
وأعلنت الوزارة في نوفمبر 2025 حذف نحو 5 ملايين اسم من هذه القوائم عقب إبطال المذكرات المسجلة ضدهم، بينما يستمر العمل حاليا على إنجاز الملف بالكامل.
ويعتقد علوان أن الأمر بحاجة إلى لجان للتدقيق، فالسلطات لا تستطيع إصدار قرار عفو عام عن الممنوعين من السفر أو تعميم بإلغاء المنع، لأن هذا قد يؤدي إلى فرار مجرمين حقيقيين تورطوا بالفعل في قضايا جنائية.
وتخيف قرارات حظر السفر السارية حتى الآن، سوريين مغتربين ومهاجرين، ما قد يمنعهم من العودة وزيارة وطنهم.
ولا تستهدف هذه المذكرات السياسيين والمعارضين أو الصحفيين والحقوقيين والمنشقين فحسب، بل أيضا موظفين استقالوا من وظائفهم بعدما حصلوا على فرص عمل خارج سوريا.
كما تشمل سوريين ولدوا خارج البلاد بحجة عدم عودتهم لأداء الخدمة العسكرية، أو أداء خدمة الاحتياط بعد انتهاء الخدمة العسكرية الإلزامية.
وتتكرر القصة مع سامي عمر، وهو سوري من حلب يعمل موظفا في إحدى الشركات بإقليم كردستان العراق.
زار عمر سوريا نهاية العام الماضي للمرة الأولى بعد سقوط الأسد، لكن السلطات أوقفته بمطار دمشق لوجود حظر سفر بحقه في 15 قضية، بينها المشاركة في عمليات مسلحة وهجمات على المدنيين السوريين، بالإضافة إلى مذكرات أخرى تتعلق بعدم أداء الخدمة العسكرية وهدر المال العام.
“لم أكن الوحيد الذي أوقف في المطار، كان هناك عدد كبير ينتظر إذن السفر ودخول سوريا، وبعد محاولات عديدة والتدقيق في أسمائنا سمح لنا أمن المطار بالدخول”، يوضح عمر لـ”الحرة”.
لكن الضابط المسؤول أبلغهم بضرورة مراجعة الدوائر والمحاكم المختصة لإسقاط المذكرات الصادرة بحقهم، وحذف أسمائهم من قائمة المطلوبين.
وبعد نحو شهر في سوريا، نجح عمر عبر توكيله محام في إسقاط تلك المذكرات القضائية وإثبات براءته، لكنه عاد إلى إقليم كردستان دون أن يحظى بقضاء وقت كاف مع والديه وأخوته، بعدما حُرم من زيارتهم لأكثر من 13 عاما.
ويرى نائب نقيب المحامين في سوريا، محمد خالد سلامة، أنه ينبغي على الجهات التنفيذية والقضائية بذل جهود كبيرة لمعالجة الملفات المتعلقة بمنع السفر والتدابير الاستثنائية بحق السوريين.
ولفت في تصريحات لـ”الحرة” إلى أن الحكومة الحالية اتخذت بالفعل العديد من الخطوات بذلك الصدد، خاصة وزارة الداخلية.
وأقر مجلس الشعب السوري في 16سبتمبر 2026 بالإجماع مشروع قانون يقضي بإلغاء محكمة الإرهاب وإبطال الآثار القانونية المترتبة على أحكامها.
واعتبرت وزارة العدل السورية ذلك القرار خطوة مهمة في مسار إزالة آثار المحاكم الاستثنائية التي اعتمدها النظام السابق.
وقالت الوزارة إن مجلس القضاء الأعلى شكل منذ 17 أبريل 2025 عددا من اللجان القضائية المتخصصة لدراسة جميع الملفات، ومعالجتها حسب الأصول القانونية.
لكن سلامة يرى أن حسم هذا الملف يواجه عقبات كثيرة بينها بطء التحديث الرقمي نتيجة الكم الهائل لقرارات منع السفر ونقص البيانات.
وشدد على الحاجة الى تحديث فوري للبيانات والأتمتة بالكامل للربط بين منظومة القضاء، ووزارة العدل، ومنظومة الهجرة، والجوازات.
ومن العقبات الأخرى مشكلة تشابه الأسماء التي تعقد عملية الفرز بين القوائم السياسية الكيدية وقوائم المتهمين بقضايا جنائية.
ولا تقتصر المذكرات الأمنية والقضائية على منع السفر فحسب، بل تشمل أيضا تجميد المعاملات المدنية والخاصة بالملكية.
فمعظم قيود منع السفر تضع إشارة حجز احتياطي وتجميد أموال، لذلك يعاني السوريون الممنوعون من السفر بعد عودتهم من مشكلات في عمليات بيع أو شراء العقارات أو تثبيت الوثائق المدنية مثل الزواج والولادات، ومعاملات رسمية أخرى.