السابع من أكتوبر يفجّر حرب المسؤولية بين نتنياهو ورئيس الشاباك السابق
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تحولت ذكرى السابع من أكتوبر/تشرين الأول قبل أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية، من ملف أمني لم تحسم مسؤولياته إلى ساحة مواجهة شخصية وقانونية بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس الشاباك السابق رونين بار، وتكشف التقارير الإسرائيلية عن أن المعركة تجاوزت سؤال الإخفاق إلى صراع على الرواية، تستخدم فيه الوثائق الجزئية والتسريبات، وصولا إلى خطاب المؤامرة والتخوين.
معركة على الرواية
فجّر نتنياهو المواجهة باتهامه بار بأنه أجرى ليلة الهجوم محادثات مع رئيس الأركان هرتسي هاليفي ورئيس الاستخبارات العسكرية أهارون حليفا، وناقش "المؤشرات الدالة"، لكنه لم يبلغه ولم يحذر فرق التأهب أو قوات الميدان ولم يعمل على إخلاء مهرجان نوفا، واكتفى بإرسال فريق "تيكيلا".
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 اليابان وتايوان.. تداخل الذاكرة التاريخية وإعادة التسلح
* list 2 of 2 توماس فريدمان: ترمب ينتشر "فيروسيا" وبأسوأ الطرق end of list
ورد بار -وفق يانيف كوبوفيتش في هآرتس في 28 سبتمبر/أيلول- بأنه حذر نتنياهو من "كارثة" وأن رئيس الوزراء تجاهله، وأعلن رفع دعوى تشهير والمطالبة بكشف كل الوثائق وجدول اجتماعات نتنياهو مع قادة الأمن ومسؤولين أجانب.
ونقل يارون أبراهام -في القناة الـ12 في اليوم نفسه- أن بار يعتزم استدعاء موظفي مكتب نتنياهو ومساعديه الذين يقول إنهم شاركوا في "حملة تلاعب"، لكنه أشار إلى عقبة قانونية تتمثل في الحصانة الواسعة التي قد تغطي تصريحات رئيس الوزراء المرتبطة بوظيفته. كما عرضت ليلاخ شوفال في إسرائيل هيوم رواية بار ومطلبه بكشف الوثائق.
ساعات بلا حسم
أهم ما تضيفه مقارنة تال أموداي، في يديعوت أحرونوت المنشورة في 29 سبتمبر/أيلول، أنها تمنع اختزال الملف في مذنب واحد. فبار أقر في إفادته للمحكمة العليا بأن الشاباك أخطأ في تقدير الصورة الاستخباراتية ليلة 6-7 أكتوبر/تشرين الأول، رغم تعميم تحذير عند الساعة 03:03 بشأن "استعدادات غير معتادة واحتمال نيات هجومية لحركة المقاومة الإسلامية ( حماس)".
مصدر الصورة
وقال إنه وجّه عند 05:15 إلى إبلاغ السكرتير العسكري لنتنياهو، لكن أول اتصال وصل إلى رئيس الوزراء عند 06:29، مع بدء الهجوم.
ونقل إيتامار إيخنر عن مقربين من بار أن السكرتارية العسكرية أبلغت نحو الثالثة فجرا، وأن إرسال "تيكيلا" كان احتياطا أمام خطر محدود حسبما فهم آنذاك، وفي المقابل، يبقى جوهر حجة نتنياهو أن مجرد تحريك قوة خاصة يثبت إدراك الشاباك خطرا حقيقيا. والوثائق المنشورة لا تجيب حتى الآن بصورة نهائية عن سبب الفجوة بين تعليمات 05:15 واتصال 06:29.
بروتوكولات مبتورة السياق
تتعلق جبهة أخرى بـ55 صفحة نشرها نتنياهو في فبراير/شباط ردا على فحص مراقب الدولة، ويشير أموداي إلى أن المنشور تضمن مقتطفات اختار رئيس الوزراء رفع السرية عنها، لا النصوص الكاملة. واستند مستشار نتنياهو توباز لوك إلى قول بار في اجتماع الأول من أكتوبر/تشرين الأول إنه لا يرى إمكان الذهاب إلى "جولة استباقية"، لإظهار أن رئيس الشاباك تمسك بالهدوء والتسهيلات.
لكن التقرير نفسه يورد أن بار قال في الاجتماع إن السنوار "يشعر بالقوة وتجب مواجهته"، وطالب بخطة عملياتية لغزة، كما كشفت موريا أسراف في القناة الـ13 عن وثيقتي 27 سبتمبر/أيلول والأول من أكتوبر/تشرين الأول: الأولى تضمنت توجيها بالعمل لتهدئة الوضع، والثانية شددت على الحفاظ على نشاط أمني متوازن مع اقتراب التطبيع السعودي، لكنها تضمنت أيضا "تعزيز الجاهزية" لاغتيال قادة حماس، وهكذا يمكن أن يكون الطرفان قد دعما مزيجا من التهدئة والاستعداد للهجوم، بما يجعل انتقاء جملة واحدة مضللا للسياق.
تحذيرات قبل الكارثة
وسع الإعلام الإسرائيلي دائرة الإنذار إلى أشهر سبقت الهجوم، فقد كشف كوبوفيتش أن بار قال لنتنياهو يوم 21 مايو/أيار 2023 إن "حماس هي التحدي التالي"، وإنه لا مفر من مواجهة في غزة، في حين رأى نتنياهو أن الردع قائم.
كما أعادت يديعوت بناء 4 رسائل تحذير من الاستخبارات العسكرية بين مارس/آذار ويوليو/تموز بشأن تآكل الردع واعتقاد الخصوم أن الانقسام الإسرائيلي يخلق "فرصة تاريخية"، فضلا عن طلب هاليفي لقاء نتنياهو في 24 يوليو/تموز قبل التصويت على تعديل قضائي، وهو لقاء لم يعقد قبل التصويت.
مصدر الصورة
أما سمادار بيري، فأعادت -في يديعوت أحرونوت- نشر روايتها عن اتصال مصدر مصري رفيع بها بعد الهجوم، مؤكدا نقل تحذير من "شيء فظيع" قادم من غزة، وأضافت تحقيقات لاحقة أن رئيس المخابرات المصرية عباس كامل وصل إسرائيل يوم 26 سبتمبر/أيلول 2023 وبقيت طائرته 67 دقيقة، وأن رسالته كانت أن غزة قد "تنفجر في وجوهكم".
وتحدثت هآرتس يوم 26 سبتمبر/أيلول عن تحذير مصري عام، ومسار آخر بدأ برسالة من السنوار إلى سفيان أبو زايدة بشأن " زلزال"، ثم وصلت عبر محمد دحلان إلى محمد بن زايد.
أبو ظبي والقاهرة
وتقول تقارير هآرتس ونيويورك تايمز إن محمد بن زايد حذر نتنياهو قبل نحو أسبوع ونصف الأسبوع، من تحرك كبير لحماس، وإن رئيس الوزراء لم ينقل الحديث إلى رؤساء الأجهزة.
ونقل جوناثان ليس، في صحيفة هآرتس، أن نتنياهو نفى لاحقا أنه طلب من ابن زايد -خلال زيارة للإمارات- نفي التحذير، بينما قالت مصادر إماراتية للصحيفة إنه طلب ذلك.
أما نداف إيال، في يديعوت أحرونوت، فاعتبر أن المسألة الأساسية ليست إثبات أن نتنياهو تعمد إخفاء المعلومات، بل هل تعامل معها بالقدر المطلوب من الحذر وأطلق تقييما أمنيا منظما.
مصدر الصورة
ويقدم إيال نقطة توازن مهمة، فهو يرفض بدوره نظرية أن نتنياهو أراد الحرب أو تعمد تسهيلها، ويصفها بأنها غير معقولة.
كما يشدد عاموس هارئيل، في هآرتس، على أن التحذيرات المصرية والإماراتية كانت عامة نسبيا وخالية من موعد وخطة عملياتية دقيقة، بل يطرح احتمال أن تكون الرسائل الاقتصادية التي مررتها حماس عبر الوسطاء جزءا من عملية تضليل هدفت إلى رفع التأهب الإسرائيلي ثم تهدئته.
مؤامرة وتخوين داخلي
في المقابل، دخل نتنياهو وأنصاره منطقة أشد حدة في تفسير الكشوف، فقد قال رئيس الوزراء إن "وسائل الإعلام اليسارية" تشن حملة كاذبة لتحميله إخفاقات بار، وإن وراءها "دولا وعناصر أجنبية معادية، بما فيها دول عربية" تريد إسقاط الحكومة اليمينية واستبدالها بحكومة يسارية تعتمد على أحزاب عربية. كما قدّم إرسال "تيكيلا" بوصفه دليلا على أن بار عرف الخطر ولم يحذر القيادة.
مصدر الصورة
يديعوت أحرونوت وصفت هذه الرواية بأنها صدى لنظريات مؤامرة تزعم أن بار عرف مسبقا بخطة حماس، ورأى روغيل ألبر في هآرتس أن منطق الاتهام يوحي عمليا بأن بار ترك الهجوم يقع، أي ينقل الخلاف من التقصير إلى شبهة الخيانة.
وكتب عاموس هارئيل أن أسلوب نتنياهو الانتخابي يقوم على الإنكار ونشر نظريات المؤامرة وإلقاء اللوم على كبار مسؤولي الأمن، أما آفي يسسخاروف، في يديعوت أحرونوت، فاتهم ما سماها "أبواق نتنياهو" بترويج رواية أن بار وهاليفي أخفيا المعلومات عمدا، بينما شدد بن درور (يميني في يديعوت أحرونوت) على أن المشكلة الأوسع كانت "المفهوم" الإسرائيلي الذي أخفق مرارا في فهم الخصم رغم التحذيرات.
مسؤولية بلا لجنة
في المقابل قال إيال حولتا، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، لإذاعة "103 إف إم" في 29 سبتمبر/أيلول إن بار "فشل واستقال" وتحمل مسؤوليته، بينما لا يزال نتنياهو يرفض تحمل المسؤولية السياسية والشخصية، مطالبا بلجنة تحقيق حكومية تعرف "من عرف ماذا ومتى وأين".
في حين تطرح يديعوت أحرونوت اللجنة بوصفها أداة لجمع محاضر الجيش وتقارير الشاباك وسجلات مكتب رئيس الوزراء واستدعاء الشهود والوثائق السرية، يشكك نتنياهو في حياد تشكيلها.
وتظهر حساسية الملف انتخابيا، في استطلاع القناة الـ12 المنشور في الرابع من سبتمبر/أيلول، إذ أفاد بأن 58% نسبوا إلى نتنياهو مسؤولية كبيرة عن إخفاق السابع من أكتوبر/تشرين الأول و25% رأوه مسؤولا مسؤولية محدودة، في حين قال 70% إن المسؤولية عن الإخفاق ستؤثر في تصويتهم.
ولفت ألوف بن، في هآرتس، إلى أن الجدل حول المسؤولية بات يطغى حتى على سؤال استمرار الحرب نفسها، بينما خرجت عائلات أسرى وقتلى، وفق بار بيليغ -في هآرتس- للمطالبة بمنع "إعادة كتابة التاريخ".
وخلاصة القول إن الشاباك أخفق في فهم الهجوم ليلة السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وهو إخفاق اعترف به بار، لكنها تكشف أيضا سلسلة تحذيرات إستراتيجية وإقليمية وصلت إلى القيادة السياسية أو دارت حولها قبل الهجوم.
وتحول غياب لجنة تحقيق رسمية إلى فراغ تملؤه التسريبات والوثائق المجتزأة واتهامات المؤامرة والخيانة، بحيث أصبح كل طرف يحاكم الآخر في الإعلام قبل أن تبدأ محاكمة الوقائع.
وقبل الانتخابات، لم يعد السؤال الإسرائيلي "من فشل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول؟" هو الأهم، بل "من سينجح في تثبيت روايته عن الفشل في وعي الناخبين؟".