تغرق معابد بعلبك الرومانية اليوم في صمت ثقيل يقطعه أزيز الطائرات الحربية، بعد أن كانت أعمدتها الضخمة لسبعة عقود متواصلة بمثابة صندوق رنين هائل، يردد صدى مواويل وديع الصافي، وصوت فيروز، وارتجالات مايلز ديفيس، وحنجرة أم كلثوم.

تأتي الذكرى السبعون لانطلاق "مهرجانات بعلبك الدولية" هذا العام (2026) على وقع غياب قسري جديد فرضته الظروف الأمنية القاسية التي يمر بها لبنان، لتستعيض مؤسسة المهرجان عن مدرجات البقاع العتيقة بأسبوع احتفالي استعادي أقيم في حرم الجامعة الأمريكية في بيروت؛ في محاولة لاستحضار عقود من الأصوات والوجوه التي صنعت تاريخ المدينة، بانتظار أن تستأنف حجارة المعبد حكايتها التي لم تكتمل.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 خدعة "البيجر".. تفاصيل إسرائيلية جديدة لكواليس عملية الموساد ضد حزب الله
* list 2 of 2 تكلفة الطريق.. كيف تستنزف المحروقات دخل اللبنانيين؟ end of list

البحث عن هوية ثقافية في دولة فتية

بدأت الحكاية في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، حين كان لبنان، المستقل حديثا، يبحث بجدية عن هوية ثقافية ترتكز عليها الدولة الفتية، وعن مكانة مرموقة تضعه على الخريطة الثقافية والسياحية في المنطقة والعالم.

في عام 1955، بدأت ملامح هذا الطموح تتشكل عبر استضافة عروض مسرحية بالتعاون مع المديرية العامة للآثار. وفي العام التالي (1956)، اكتسب المهرجان طابعه الرسمي والوطني بدعم مباشر من الرئيس اللبناني آنذاك كميل شمعون.

كانت البداية ذات صبغة أجنبية بامتياز؛ إذ استضافت الدورة الأولى أوركسترا إذاعة شمال ألمانيا السيمفونية، إلى جانب فرق مسرحية فرنسية وبريطانية. كانت النخب السياسية والثقافية تسعى لبناء صورة "سويسرا الشرق"، جاعلة من العاصمة بيروت مركزا للمال والمصارف والصحافة والنشر، ومن بعلبك وجهة سياحية وثقافية تثبت انفتاح لبنان على الثقافة الغربية، ومساحة تتقاطع فيها الحضارات.

مصدر الصورة توهج مدرجات بعلبك في المواسم الحديثة.. استمرارية تنبض بالحياة وتتحدى الانقطاعات المتكررة بأحدث التقنيات البصرية المصدر: حساب المهرجان على فيسبوك

"الليالي اللبنانية".. حين اقتحم بيْدر القرية معبد جوبيتر

غير أن طغيان الموسيقى والمسرح الغربيين على انطلاقة المهرجان دفع المؤسسين لإدراك حقيقة مهمة: لا يمكن للبنان أن يكون مجرد منصة استضافة للفنون المستوردة، بل يجب أن يمتلك صوتا محليا يمثله. من هذا الإدراك، ولدت "الليالي اللبنانية" عام 1957.

لم تكن "الليالي اللبنانية" مجرد فقرة في جدول العروض، بل كانت ورشة عمل كبرى لـ "هندسة الهوية الوطنية"

صعدت القرى اللبنانية بأثوابها المطرزة، ومواسم قطافها، وحصادها، وأعراسها لتملأ الفراغ الشاسع بين الأعمدة الرومانية. وتحولت خبطات أقدام راقصي الدبكة وأغاني الفلكلور الشعبي إلى لغة مسرحية حديثة، قاد مسيرتها الأخوان عاصي ومنصور الرحباني ترافقهما الملائكية فيروز.

إعلان

سرعان ما تطورت هذه اللوحات من مجرد استعراض فلكلوري عفوي إلى بناء درامي ومسرح غنائي متكامل، لتولد أعمال غنائية خالدة شكلت الوجدان اللبناني والعربي، مثل: "موسم العز"، و"البعلبكية"، و"جسر القمر"، و"أيام فخر الدين"، و"جبل الصوان". هذا الفضاء الرحب استقطب نخبة من كبار الشعراء الذين أسهموا في صياغة لغة التراث الجديدة، أمثال سعيد عقل، وجوزيف حرب، وميشال طراد.

الاستعراض، والباليه، وسلطة الأصل

لم تقتصر صياغة التراث على المدرسة الرحبانية؛ فبموازاة ذلك، قدم الملحن والمخرج روميو لحود مع فرقته "الأنوار" قراءة بصرية وموسيقية مختلفة للتراث اللبناني، حيث اتجه به نحو فضاء أكثر استعراضية، متحررا من قيود المسرحة الكلاسيكية.

وفي مرحلة لاحقة، أخذ مصمم الرقص عبد الحليم كركلا هذا الموروث نحو العالمية والمزج التجريبي، حين طعّم الدبكة والموروث الحركي الشعبي بتقنيات الباليه والمسرح الراقص، مستندا في كثير من أعماله إلى العوالم الشعرية الغنية للشاعر طلال حيدر.

وتكمن الأهمية السوسيولوجية والنقدية الكبرى لهذه التجارب، في أن مسارح بعلبك بدّلت معنى "التراث اللبناني" نفسه؛ فانتقل من كونه ممارسة ريفية واجتماعية يومية، إلى مادة فنية وطنية مصممة بعناية، لغة مسرحية قابلة للتصدير اكتسبت مع مرور الزمن "سلطة الأصل". فما بدأ كمحاولة للبحث عن موروث يصلح للخشبة، انتهى بتراث صنعته الخشبة ذاتها.

من أم كلثوم إلى مايلز ديفيس

ولم تكد حجارة بعلبك تتشبع باللحن المحلي، حتى شرعت أبوابها لأكثر تيارات العالم تجديدا وطليعية، لتتحول المدينة إلى ساحة حوار ثقافي صاخب بين القاهرة، بيروت، باريس، ونيويورك.

عالمية المهرجان لم تكن مجرد استضافة كلاسيكية، بل كانت احتفاء بالتنوع؛ حيث استقبلت المدرجات أوركسترا برلين الفيلهارمونية، وشهدت تمرد الموسيقى الغربية عبر تجريب مايلز ديفيس وتشارلز مينغوس في موسيقى الجاز، وارتجالات الساحرة إيلا فيتزجيرالد.

كما استقبلت مصمم الرقص موريس بيجار وفرقته "باليه القرن العشرين"، التي حطمت قوالب الرقص الكلاسيكي ودفعت بالباليه نحو فضاءات المسرح المعاصر.

مصدر الصورة بانوراما ليلية لهياكل بعلبك الرومانية تعانق المدينة.. الفضاء التاريخي الذي مَنح لبنان مكانته الثقافية في المنطقة والعالم منذ 70 عاماً المصدر: حساب المهرجان على فيسبوك

وفي عام 1968، بلغ هذا التنوع ذروته التاريخية حين صدحت حنجرة "كوكب الشرق" أم كلثوم في معبد باخوس.

شكلت هذه الحفلة محطة استثنائية منحت الأغنية العربية سيادة مطلقة وموازية للفنون الغربية الكبرى، ورسخت صورة المهرجان كملتقى حقيقي تنبثق عالميته من قدرته على استيعاب عبقرية الشرق والغرب معا.

من أليسار إلى الجامعة الأمريكية

غير أن هذه الطوباوية الفنية ظلت هشة أمام دويّ البارود، لتتسلل اضطرابات لبنان مرارا إلى روزنامة المهرجان، محولة الانقطاعات والعودات إلى فصول أصيلة في تكوينه.

في صيف عام 1975، كانت أثواب مسرحية "أليسار ملكة قرطاج" للأخوين رحباني تنتظر أن ترتديها فيروز، لكن الرصاصة الأولى للحرب الأهلية اللبنانية مزقت الديكورات، وفرضت صمتا يتيما وشتاتا قاسيا أسدل الستار على المرحلة الذهبية الأولى لمدة 22 عاما.

إعلان

في عام 1997، نفضت بعلبك غبار الحرب، وافتتحت عودتها بأنامل عازف التشيلو العالمي مستيسلاف روستروبوفيتش، وأوركسترا راديو فرنسا، وفرقة كركلا. كانت عودة في زمن فني مختلف، تتبدل فيه الذائقة الموسيقية لتفسح المجال أمام موسيقى البوب وموسيقى العالم إلى جانب الأوبرا.

لكن قدر المهرجان أن يظل مقياسا دقيقا لأزمات البلاد؛ ففي صيف عام 2006، أطاحت حرب يوليو/تموز بالعودة المنتظرة لفيروز في مسرحية "صح النوم". ومع اشتداد تداعيات الحرب السورية واقترابها من منطقة البقاع، اضطر المنظمون لتهريب عروض موسمي عامي 2013 و2014 إلى العاصمة بيروت.

ثم جاءت جائحة كوفيد-19 لتفرض شكلا جديدا من العزلة، استعاضت عنه الإدارة بشاشات البث المباشر عبر دورتي "صوت الصمود" (2020) و"أشرق يا لبنان" (2021).

وتكرر المشهد التراجيدي مع العدوان الإسرائيلي الشرس على لبنان، والذي صادر موسم عام 2024، ونسف موسم عام 2025 بعد فترة التقاط أنفاس قصيرة، ليترك اليوبيل السبعين في عام 2026 بلا احتفال في موطنه الأصلي، مكتفيا بفعالية رمزية في بيروت.

بين انقطاع وعودة، لم تعد مهرجانات بعلبك مجرد منصة غنائية، بل باتت سجلا موازيا لتاريخ لبنان الحديث. تتعاقب الأجيال وتتبدل المدارس الفنية، لكن أعمدة بعلبك تبقى في مكانها؛ تبتلع ضجيج المدافع حينا، وتحرس ذاكرة الفن حينا آخر، بانتظار أن تضبط إيقاعها مجددا على وتر موسيقي قادم يعلن استئناف الحياة.