في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يبدأ سؤال العلم النافع أحيانا من طفل يسأل عن معنى ما يردده الكبار، لكنه يقود إلى سؤال أعمق: ماذا يحدث حين تنفصل المعرفة عن الرحمة؟ وفي قصة حياة سندي، تتحول الإجابة إلى رحلة جعلت خدمة الإنسان غايتها.

وفي هذا الإطار، يخصص برنامج " ما الجدوى؟" -الذي يقترب من التفاصيل العابرة بحثا عن دلالاتها- مساحة لسيرة العالمة السعودية، متتبعا انتقالها من دراسة العلم إلى محاولة جعله أقرب إلى من يحتاجه، انطلاقا من سؤال: متى يصبح العلم نافعا حقا؟

قصص مقترحة

list of 4 items
* list 1 of 4 غواص ليبي يواجه طوفان درنة.. حين تتحول الهواية إلى واجب إنساني
* list 2 of 4 درّست الفيزياء بالمجان.. قصة معلمة يمنية زمن الحرب
* list 3 of 4 يحطمون "كأس الموت".. كيف يعيد أطفال غزة صياغة معنى الإنسانية؟
* list 4 of 4 "حد لسه ما فطرش يا أولاد".. صرخة أم مصرية تحوّلت إلى أيقونة للعطاء end of list

ولدت حياة سندي في مكة المكرمة عام 1967، وغادرتها في سن 24 إلى بريطانيا، لتبدأ رحلة العلم من اللغة الإنجليزية، مكثت عاما تتعلمها، قبل أن تلتحق بـ"كينغز كوليدج" في لندن لدراسة علم الأدوية، لتقترب من لغة الجسد وما تخفيه الخلايا.

تخرجت عام 1995، ثم انتقلت إلى جامعة كامبريدج لدراسة الحساسات الكهرومغناطيسية الصوتية وتطبيقاتها الطبية، وعام 2001 حصلت على الدكتوراه في التقنية الحيوية، لتصبح أول خليجية تحصل على الدكتوراه في هذا التخصص من كامبريدج.

وكان يمكن أن تنتهي الحكاية عند هذا الإنجاز، بوصفها قصة صعود علمي من مكة إلى كامبريدج، لكن العلم في مسيرة حياة لم يكن خاتمة، بل بداية لسؤال: كيف يمكن للمعرفة أن تتجاوز المختبر وتصل إلى الإنسان؟

فالمرض قد يرسل إشاراته قبل الألم، عبر تغير كيميائي دقيق أو جزيء يترك أثرا صامتا داخل الجسد، ومن هذه المنطقة الخفية، اتجهت العالمة السعودية إلى تطوير حساس كيميائي حيوي ذي مجسات تستجيب حراريا، لرصد التغيرات عند ارتباط الجزيئات بالمجس.

إلى المريض

غير أن دقة الحساس لم تكن كافية، فالمعرفة التي تبقى داخل المختبر تظل بعيدة عن المريض إذا تطلب الوصول إليها مستشفى مجهزا ومختبرا متقدما وكلفة مرتفعة، ومن هنا انتقلت الفكرة إلى تقريب أداة التشخيص ممن يحتاجها.

وعام 2007، شاركت حياة فريقا في هارفارد تأسيس منظمة غير ربحية حملت اسم "التشخيص للجميع". وسعى المشروع إلى تخفيف أعباء التشخيص بإزالة الجهاز الكبير والطاقة والتعقيد المخبري، لتذهب الأداة إلى المريض بدلا من مطالبته بالوصول إليها.

ومع هذا المسار، تقلصت الأداة حتى استقر شيء من المختبر في ورقة يمكن حملها بين إصبعين، داخلها مسارات دقيقة تتحرك فيها سوائل العينة نحو كواشف كيميائية، فتظهر الاستجابة في صورة لون يمكن قراءته، فتصبح الورقة نفسها جزءا من التحليل.

ولم تكن الاختبارات الورقية ثمرة عمل حياة منفردة، بل نتاج عمل منظمة "التشخيص للجميع" وفريقها، غير أن حضورها في تأسيس المشروع يكشف مسارا واضحا في قصتها: من حساس يقتفي أثر الجزيئات الدقيقة إلى أداة بسيطة تبحث عن طريق إلى الناس، جميع الناس.

وبمدينة هو تشي منه في فيتنام، خرجت الفكرة من المختبر إلى اختبار الواقع، عبر تجربة شملت 600 مريض يتلقون علاج فيروس نقص المناعة، وتولى ممرضون محليون، بعد تدريب، أخذ العينات وتشغيل الاختبار وقراءة ألوانه ميدانيا.

وكان من أبرز التطبيقات اختبار ورقي شبه كمي لقياس إنزيم "إيه إل تي" (ALT) مؤشر على إصابة خلايا الكبد بالتلف، تبدأ العملية بكمية صغيرة من الدم من طرف الإصبع، ثم تتحرك البلازما داخل مسارات الورق، قبل ظهور لون يتغير بحسب مستوى الإنزيم.

اختبار الجدوى

لكن نتائج التجربة المنشورة عام 2013 لم تقدم انتصارا كاملا، فقد أثبتت إمكان تشغيل الاختبار خارج المختبر بواسطة ممرضين محليين، لكنها كشفت تفاوتا في الدقة، خصوصا عند المستويات الأعلى والأشد خطرا، وأظهرت الحاجة إلى تحسين المواد.

وهنا تظهر قيمة أخرى في قصة حياة: العلم النافع لا يخفي عثراته، فقد نجحت الورقة في الوصول إلى المريض، لكنها لم تصل إلى نتيجة يمكن الاطمئنان إليها، وكان الاعتراف بهذا القصور خطوة في تحسين الأداة.

وقبل نشر نتائج تجربة فيتنام، كان المشروع قد حصد عام 2008 المركز الأول في مسابقة خطط الأعمال للمشروعات الاجتماعية في كلية هارفارد للأعمال، ثم كرر الفوز العام نفسه بمسابقة ريادة الأعمال في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

وعام 2011، أسست حياة معهد "آي 2" (i2) لدعم العلماء والمهندسين الشباب وتحويل أفكارهم إلى حلول عملية، واختارتها اليونسكو عام 2012 سفيرة للنوايا الحسنة لتعليم العلوم، ثم دخلت عام 2013 مجلس الشورى السعودي ضمن أول مجموعة من النساء تصل إليه.

وتبدو هذه المحطات وجوها متعددة لقضية واحدة، أن تسترد المعرفة وظيفتها الإنسانية، فالعالم قادر على إرسال مجسات بعيدة، بينما قد يبقى إنسان على الأرض عاجزا عن معرفة ما يحدث داخل جسده بسبب كلفة التحليل أو بعد المستشفى.

وعندها يعود سؤال الطفل بداية الحكاية أكثر وضوحا: متى يكون العلم نافعا؟ تجيب مسيرة حياة بأن المعرفة لا تكتمل بقيمتها داخل المختبر، وإنما حين تتحول إلى وسيلة تسند الإنسان، وتقرّب إليه ما يحتاجه، وتجعل الحياة مقياسا لجدوى العلم.